تباين المواقف في لبنان بين التفاوض والمقاومة
تتجلى التوترات في لبنان بين حزب الله والقيادة الرسمية، حيث يستمر الصراع مع إسرائيل رغم الهدنة. بينما تتجه الحكومة نحو التفاوض، يبقى حزب الله في موقف الدفاع. اكتشف كيف تؤثر هذه الديناميكيات على مستقبل البلاد.

حافظ حزب الله على موقفه الميداني في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي، في حين اختارت القيادة الرسمية اللبنانية مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهو ما يكشف عن رؤيتين متناقضتين تتصارعان داخل البلد الواحد.
فرغم هدنة الأيام العشرة التي دخلت حيّز التنفيذ في 16 أبريل، لم تتوقف العمليات الإسرائيلية على الأرض، ولم يتوقف حزب الله عن الردّ. وفي غضون 24 ساعة، أُصيب 37 جندياً إسرائيلياً وقُتل اثنان آخران.
رسمت القوات الإسرائيلية ما أسمته «الخط الأصفر»، وهو خطٌّ دفاعي أمامي يمتد من البقاع إلى الساحل وصولاً إلى المياه الإقليمية اللبنانية. وداخل هذا الشريط العازل الذي يشمل نحو 55 بلدةً وقرية، تجري حملةٌ ممنهجة من الهدم والتدمير.
في عطلة نهاية الأسبوع الممتدة بين 18 و19 أبريل، دوّت أصوات التفجيرات المتعمّدة في أرجاء جنوب لبنان، فيما أقدمت عشرات الجرّافات العسكرية والمدنية المستأجرة على تسوية أحياء بأكملها بالأرض.
في خضمّ الوضع الراهن من انعدام الأمن، طلب حزب الله والجيش اللبناني من السكّان الذين عادوا إلى منازلهم إثر الإعلان عن الهدنة المؤقتة أن يعودوا إلى النزوح بعد الاطمئنان على ممتلكاتهم. وشهدت الطرق المتجهة شمالاً ازدحاماً مرورياً كثيفاً.
اتفاق وقف إطلاق النار الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية يبدو في مجمله مائلاً بوضوح لصالح إسرائيل، إذ ينصّ على وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام اعتباراً من منتصف ليل 16 أبريل.
شروط غير متكافئة
ينصّ النص على أن إسرائيل «تحتفظ بحقّها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أيّ وقت، في مواجهة أيّ هجمات مخطَّطة أو وشيكة أو جارية»، وأن هذا الحق «لن يُعاق بوقف الأعمال العدائية».
في المقابل، لا يرد في أيّ مكان من النص أيّ ذكر لحق لبنان في الدفاع عن نفسه، وهو غيابٌ لافت مقارنةً باتفاق نوفمبر 2024.
ولم تُعرض أيّ وثيقة على مجلس الوزراء اللبناني للمراجعة. وتفيد مصادر متعدّدة في بيروت بأن القيادة لم تُطلَع على مضمون الاتفاق وأُحيطت به أمراً واقعاً.
أثار الإعلان ردود فعل سياسية حادة في مختلف أرجاء لبنان، وسارع أطرافٌ متنافسون إلى المطالبة بالفضل في التوصّل إلى الهدنة.
والرهانات كبيرة. فالقيادة الرسمية، بزعامة الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اختارت بوضوح الانحياز إلى السياسة الأمريكية، ساعيةً قبل كل شيء إلى حرمان إيران، ومن خلفها حزب الله، من أيّ رصيد دبلوماسي أو عسكري.
غير أن إيران كانت قد اشترطت صراحةً وقف إطلاق النار في لبنان شرطاً مسبقاً للدخول في محادثات متجدّدة مع الولايات المتحدة في إسلام آباد.
وقال قاسم قصير، الباحث اللبناني المتخصّص في الحركات الإسلامية: «إن مقاومة حزب الله للاجتياح الإسرائيلي كانت على الأرجح أحد العوامل التي عجّلت بالتوصّل إلى الهدنة».
وأضاف: «كما أدّت إيران دوراً في وقف الأعمال العدائية، حتى وإن كانت الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة لا تريدان منح الجمهورية الإسلامية الفضل في هذه النتيجة».
وتحديداً لتفادي هذا الأمر، أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump شخصياً عن الهدنة، وأبلغ بها عون في اتصال هاتفي جرى في 16 أبريل.
وقال الصحفي والكاتب اللبناني سامي كليب: «إن مجرّد قبول حزب الله بوقف إطلاق النار رغم تحفّظاته، وفي حين أن بعض بنود الاتفاق غير مواتية له وتصبّ في مصلحة إسرائيل، يدلّ على أن إيران كان لها ثقلٌ في المفاوضات».
التفاوض تحت النار
على الرغم من حجم الخسائر، أكثر من مليون نازح، وما يقارب 5.8 بالمئة من المساحة الوطنية محتلّة، ونحو 50 بلدة وقرية دُمِّرت بصورة ممنهجة، لم تُغيّر القيادة اللبنانية مسارها.
بل مضت قُدُماً في خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، مع تصعيد الضغط على حزب الله في الوقت ذاته.
بلغ هذا الضغط ذروته في 2 مارس، بعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب، حين أعلنت الحكومة في جلسة طارئة دعا إليها رئيس الوزراء سلام، عن عدم شرعية النشاط العسكري لحزب الله.
ولا يقتصر الأمر على توبيخ سياسي. فهو يندرج ضمن مسعى أشمل يرمي إلى تجريد حزب الله من صفة «المقاومة» ومن دوره بوصفه «المدافع عن لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي».
في نظر السلطات، بات الجناح العسكري لحزب الله خارج القانون، على الرغم من أن الحزب يشغل منصبَين وزاريَّين، ويقود كتلة برلمانية وازنة، ويحظى بدعم شعبي واسع يتجاوز حدود الطائفة.
وقال قصير: «اختار السيد عون والسيد سلام التفاوض مع إسرائيل تحت النار لأنهما يعتقدان أن هذا هو الخيار الوحيد وأنهما يفتقران إلى أوراق ضغط».
وأضاف: «يُقال إن الرئيس أخبر شخصاً التقى به مؤخراً بأنه بما أن حزب الله عاجزٌ عن فعل أيّ شيء في مواجهة الإسرائيليين، فإن الحلّ الوحيد المتبقّي هو التفاوض. وهذه السياسة أثبتت فشلها في الماضي».
تستند السلطات إلى «الشرعية الدستورية والمؤسسية» لتبرير موقفها.
وأفاد مصدر في حزب الله برفضه القاطع لهذا المنطق، واصفاً التفاوض مع إسرائيل بأنه «غير مشروع»، ومستنداً إلى أن «الدستور واتفاق الطائف يعتبران إسرائيل عدوّاً بصورة صريحة»، وأن القانون اللبناني يحظر «أيّ تواصل مباشر مع الإسرائيليين وأيّ تطبيع مع الدولة الإسرائيلية».
وبحسب المصدر ذاته، فإنه «قبل الدخول في أيّ مسار تفاوضي، يجب أولاً تعديل الإطار القانوني. إنهم هم — القيادة — من يتناقضون مع القانون، لا حزب الله».
الشرعية الشعبية
في مواجهة محاولات عزله سياسياً، يُبرز حزب الله «شرعيته الشعبية». ففي انتخابات عام 2022، حصل مرشّحوه على 370,000 صوت، ما يجعله أحد أكثر القوى السياسية شعبيةً في البلاد، متفوّقاً على جميع الأحزاب المسيحية مجتمعةً.
وحتى الآن، لا تبدو ثمة مؤشرات جدية على أن البيئة الشيعية، أو قواعد حزب الله في سائر الطوائف، قد انفضّت عنه.
كما يبدو احتمال الانقسام بين حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري ضعيفاً. فحركة أمل لا تزال منخرطة في الدفاع عن الجنوب، وقد دفع عمّالها الإنقاذيون وعناصر الإسعاف ثمناً باهظاً.
في خضمّ هذا التوتر، اقترح النائب في حزب الله حسن فضل الله إجراء استفتاء شعبي حول التفاوض وأيّ اتفاق سلام محتمل مع إسرائيل.
وبدلاً من أن تُعزّز الوحدة الوطنية، عمّقت الحرب الانقسامات الداخلية.
في خطاب متلفز ألقاه في 17 أبريل، أكّد عون موقفه قائلاً: «أنا مستعدٌّ للذهاب إلى أيّ مكان ضروري لتحرير أرضي وحماية شعبي وإنقاذ بلدي»، مُوضحاً أنه لن يتراجع عن خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل.
ودون أن يُسمّي حزب الله، أضاف: «للمغامرين المتهوّرين الذين يقامرون بمصير لبنان وبأرواح اللبنانيين أقول: كفى. مشروع الدولة وحده هو الأقوى والأكثر ديمومةً والأكثر أماناً للجميع».
كما أعرب عن شكره للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على دورهما في تأمين الهدنة، دون أن يُشير إلى إيران بأيّ كلمة.
في اليوم التالي، ردّ الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، رافضاً ما وصفه بـ«إذلال لبنان عبر التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني».
وأعلن أن مقاتليه سيواصلون الردّ على الهجمات الإسرائيلية، وحدّد خمسة أولويات: وقف كامل للعدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المحتلة حتى الحدود، والإفراج عن الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار بدعم دولي وعربي تحت إشراف وطني.
المواقف بين مختلف الأطراف تبدو متعذّرة التوفيق.
توازنٌ هشّ
بات خيار استخدام القوة لنزع سلاح حزب الله يُناقَش علناً داخل الأوساط السياسية.
وبحسب مصادر مطّلعة، طلب رئيس الوزراء سلام من قائد الجيش الجنرال رودولف هيكل خلال جلسة الوزراء الطارئة في 2 مارس تنفيذ القرار القاضي بعدم شرعية النشاط العسكري لحزب الله. فرفض هيكل، محتجّاً بأن مثل هذه الخطوة غير ملائمة في زمن الحرب وتتجاوز قدرات الجيش.
ووفق مصدر وزاري، كان التبادل بين هيكل وسلام متوتراً.
ويحذّر الخبراء من أن أيّ محاولة لنزع سلاح حزب الله بالقوة قد تُفضي إلى انشقاق في صفوف الجيش نفسه، الذي يُشكّل الشيعة نحو 35 بالمئة من عناصره.
في غضون ذلك، يعود شبح الحرب الأهلية إلى الظهور في الخطاب السياسي.
وحذّر قصير قائلاً: «المخاوف من الاستفزازات والتوترات الداخلية جدّية. ثمة معلومات من مصادر أوروبية تفيد بأن أطرافاً معيّنة تُدخل أسلحة إلى لبنان لتحريض الفصائل اللبنانية على الاقتتال فيما بينها، بعد أن عجز الإسرائيليون عن كسر حزب الله عسكرياً».
وأضاف: «في هذه المرحلة، لا يزال الوضع الداخلي تحت سيطرة الجيش اللبناني. غير أن الأمور قد تتدهور إذا قرّرت الحكومة اللبنانية استخدام القوة ضد حزب الله، وهو ما جرى التلميح إليه خلال لقاء واشنطن بين السفيرة اللبنانية ونظيرتها الإسرائيلية في 14 أبريل».
أما كليب، فقد أشار إلى أن «لا أحد من الفاعلين الكبار يبدو في هذه المرحلة راغباً في إعادة البلاد إلى الحرب الأهلية»، مُنبّهاً إلى أن مثل هذا السيناريو يستلزم توافقاً داخلياً ودعماً خارجياً واسعاً، «وهما شرطان غير متوفّرَين في هذه المرحلة».
ورفض وفيق صفا، أحد أبرز المسؤولين السياسيين والأمنيين في حزب الله، احتمال الحرب الأهلية من جهته. وفي مقابلة في 17 أبريل، شدّد على أن «الحرب الأهلية تحتاج إلى طرفَين. والطرف الذي يستطيع خوضها — حزب الله — لا يريدها».
وإن كان سيناريو الحرب الأهلية يبدو مستبعداً في هذه المرحلة، فإن التوترات السياسية والشعبية المتصاعدة باتت ملموسةً بوضوح.
تتشكّل رؤيتان متنافستان: حزب الله الذي يُعلن انتصاره على إسرائيل ويرفض أيّ تنازلات مجّانية، في مقابل خصومه الذين يُصرّون على إلحاق لبنان بالمعسكر الغربي بصورة راسخة.
وقال كليب: «المواجهة مرشّحة للتصاعد مع خطر وقوع حوادث متفرّقة. واستقرار البلاد سيتوقّف إلى حدٍّ بعيد على قدرة الجيش اللبناني وقوى الأمن على احتواء التوترات».
بيد أن الكثير سيتوقّف في نهاية المطاف على ما إذا كانت القيادة السياسية ستتجنّب تجاوز الخط الأحمر: توجيه الجيش ضد شريحة من مواطنيه.
أخبار ذات صلة

محاكمة أول مسؤول من عهد الأسد في دمشق تبدأ

إسرائيليون يفجّرون منزلاً في جنوب لبنان "تكريماً" لجندي قتيل
