أزمة الكهرباء في غزة تهدد أرزاق السكان
في غزة، تعاني أبرار عبدو من انقطاع الكهرباء الذي يدمر مشروعها للمخبوزات، مما يهدد رزقها ورزق موظفيها. الأزمات الاقتصادية والصحية تتفاقم، والمستشفيات تعتمد على مولدات معطلة. كيف يواجه السكان هذه الكارثة؟

في ورشتها الصغيرة المعتمة في مدينة غزة، وقفت أبرار عبدو صامتةً أمام الفرن، لا تكاد تُصدّق ما ترى. لم يكن يُضيء المكان سوى ضوء هاتفها، كاشفاً عن أكثر من 27 كعكة خرجت مشوّهةً من الفرن بعد ساعاتٍ من الإعداد الدقيق، ضحيّةً لانقطاعٍ مفاجئ في الكهرباء وعطلٍ في الجهاز.
أبرار، 34 عاماً، تدير مشروعاً صغيراً للمخبوزات في القطاع المحاصر. وجدت نفسها مضطرّةً إلى الاعتذار من زبائنها وردّ مدفوعاتهم، متحمّلةً وحدها تكلفة المواد الخام التي ذهبت هباءً.
قالت: «تكبّدتُ خسائر مالية مُدمِّرة جرّاء التذبذب المزمن في عمل المولّدات الكهربائية».
وأضافت أنّ هذه الخسائر دفعتها إلى حافة الانهيار، مهدِّدةً رزقها ورزق موظّفيها في آنٍ واحد.
أبرار ليست استثناءً؛ فكأيٍّ من 2.2 مليون فلسطيني يعيشون في غزة، تعاني من شُحّ الكهرباء منذ أن قطعت إسرائيل جميع خطوط الإمداد عن القطاع في بداية الحرب عام 2023. وقد توقّفت محطة الطاقة الوحيدة في غزة عن العمل في 11 أكتوبر من ذلك العام، بعد نفاد الوقود في ظلّ الحصار المفروض على إمدادات الطاقة.
منذ ذلك الحين، غرق القطاع في ظلامٍ شبه تامّ، فلجأ السكّان إلى الطاقة الشمسية المحدودة أو المولّدات الخاصة المرتفعة التكلفة. ويعتمد كثيرون على محطّات الشحن الصغيرة، إذ يدفعون ما بين 2 و5 شيكل (0.67 إلى 1.67 دولار) لشحن هواتفهم وبطارياتهم.
شاهد ايضاً: علي الزيدي مرشحاً لرئاسة الحكومة العراقية
قالت أبرار: «منذ الانقطاع الكامل للكهرباء في قطاع غزة، اضطُررنا إلى الاعتماد على مولّدات تجارية تُكلّفنا أثماناً باهظة».
وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي أُبرم في أكتوبر، لا تزال القيود الإسرائيلية على إدخال الوقود سارية، ممّا يُعقّد جهود إعادة البناء ويُعمّق الأزمة الإنسانية الخانقة.
وأضافت: «في مرحلةٍ من المراحل، اضطُررنا إلى وقف الإنتاج تسعة أيام متواصلة بسبب عطلٍ متكرّر في المولّد».
«هذا يضعنا في صراعٍ دائم مع الإفلاس، وخسارة الزبائن، وعبء دفع أجور العمّال الذين يُعيلون أسرهم وسط فقرٍ مدقع».
تأجيل العمليات وشلل اقتصادي
تتجلّى أزمة الكهرباء في غزة بأشدّ صورها في المستشفيات، التي أنهكتها الضربات الإسرائيلية والقيود المفروضة على إدخال الأدوية والمعدّات. وفي غياب إمدادٍ كهربائي مستقرّ، باتت تعتمد شبه كليٍّ على المولّدات للإبقاء على الأقسام الحيوية.
قال محمد أبو سلمية، مدير مجمّع الشفاء الطبي، إنّ المكوّنات الرئيسية لمولّدات المستشفى تآكلت، وتوقّفت وحداتٌ بأكملها جرّاء الضغط الميكانيكي وشُحّ قطع الغيار والزيوت المتخصّصة.
ووصف الأوضاع بأنّها «مأساوية»، مشيراً إلى أنّ أعطال المولّدات تُعطّل أقساماً حيوية من بينها العناية المركّزة، وحاضنات الأطفال حديثي الولادة، ومراكز غسيل الكلى.
قال أبو سلمية: «هذه الأقسام لا تتحمّل توقّفاً ولو دقيقةً واحدة. لذلك اضطُررنا إلى إغلاق الأجنحة غير الحيوية للحفاظ على عمل الأقسام المنقذة للأرواح».
وتواجه مئات الحالات المنتظرة لعمليات جراحية مقرّرة تأجيلاً إلى أجلٍ غير مسمّى، إذ تُقدّم المستشفيات الحالات الأشدّ إلحاحاً فحسب. كما ألحق تذبذب التيار الكهربائي أضراراً بالغة بالأجهزة الطبية الحيوية، لا سيّما في غياب أنظمة الطاقة الاحتياطية.
وأضاف أبو سلمية: «التيار الكهربائي غير المستقرّ أتلف أجهزةً كثيرة. هذه الأجهزة تحتاج إلى تيارٍ ثابت، وغياب وحدات إمداد الطاقة غير المنقطعة يجعل المعدّات الحسّاسة عرضةً للتلف الدائم».
وفي الأسابيع الأخيرة، أصدرت جمعية أصحاب المولّدات والطاقة البديلة في غزة تحذيراتٍ عاجلة من نقص الزيوت المعدنية وقطع الغيار، مستعرضةً تداعياتها الخطيرة على الحياة المدنية.
قال مصطفى أبو حسيرة، مسؤول في الجمعية: «إذا استمرّ الوضع على هذا النحو، ستغرق غزة في ظلامٍ تامّ».
وأضاف: «إذا واصلت هذه المولّدات تعطّلها دون توفير الزيوت والقطع اللازمة للصيانة، لن يجد الناس لا ماءً ولا ضوءاً في بيوتهم. وهذا سيُشلّ ما تبقّى من نشاطٍ تجاري وصناعي».
وكان سكّان غزة يعتمدون على المولّدات الخاصة منذ عام 2006، حين قصفت القوّات الإسرائيلية المحوّلات الرئيسية لمحطة الطاقة الوحيدة وفرضت حصاراً على القطاع. ومنذ ذلك الحين، لم يتجاوز متوسّط ساعات تزويد الكهرباء ستّ ساعاتٍ يومياً في أحسن الأحوال.
قال أبو حسيرة: «عانينا من حصارٍ تقني امتدّ 15 عاماً، مُنعنا خلاله من استيراد مولّدات جديدة. لكنّ الانهيار الحقيقي بدأ مع اندلاع هذه الحرب».
«لقد دُمِّر معظم المولّدات الحيوية في القطاع، واستُهدفت البنية التحتية التشغيلية، فوجدنا أنفسنا أمام واقعٍ قاسٍ: لا قطع غيار، ولا زيوت معدنية، ولا أفق للإصلاح».
وأشار إلى أنّ أصحاب المولّدات لجأوا إلى استخدام الديزل الصناعي وحتى زيت الطهي كبدائل طارئة، ممّا يُسرّع تلف المحرّكات ويُلحق «خسائر مالية كارثية لا يمكن تعويضها».
وقال: «من أصل 150 مولّداً كانت تُوفّر الخدمات الأساسية، توقّف نحو 60 منها كليّاً بسبب نقص الزيوت والقطع، والعدد يرتفع يوماً بعد يوم».
شاهد ايضاً: عودة الفلسطينيين تحت قيود إسرائيلية متشددة
وأوضح أبو حسيرة أنّ الكميات القليلة المتبقّية من الزيوت المعدنية باتت تُباع بأسعارٍ خياليّة، إذ قفز سعر اللتر الواحد من 14 شيكلاً إلى 1,500 شيكل.
وختم بالقول: «نحن لا نواجه أزمة كهرباء فحسب؛ نحن نواجه شللاً شاملاً سيُفكّك ما تبقّى من الاقتصاد المحلي ويقطع مستلزمات الحياة الأساسية».
«عجلة الحياة في غزة قد تتوقّف»
امتدّت أزمة الطاقة لتطال شوارع غزة، التي باتت تعجّ بالمشاة المضطرّين إلى قطع مسافاتٍ طويلة سيراً على الأقدام، في ظلّ تراجعٍ متواصل في أعداد المركبات القادرة على العمل.
وفق أنس عرفات، المتحدّث باسم وزارة النقل والمواصلات، فإنّ نحو 70 بالمئة من مركبات غزة دُمِّرت خلال الحرب.
وأفاد بأنّ الأسطول المتبقّي بات على شفير الانهيار الكامل جرّاء تآكل المحرّكات وانعدام الصيانة.
وأضاف أنّ القيود المفروضة على إدخال قطع الغيار والزيوت والإطارات تُفاقم الأوضاع، محذّراً من أنّها قد تحوّل المركبات الناجية إلى «هياكل جوفاء محكومٌ عليها بالتوقّف الدائم».
قال عرفات: «هذه المواد ليست كماليات؛ إنّها عصب الحياة. بدونها، لن تستطيع سيارات الإسعاف نقل الجرحى، ولن تتمكّن شاحنات المياه من توزيع الإمدادات، وستتوقّف المولّدات التي تُشغّل المستشفيات والمخابز».
وحذّر قائلاً: «عجلة الحياة في غزة قد تتوقّف في أيّ لحظة ما لم تُعالَج هذه الأزمة بصورةٍ عاجلة».
بالنسبة لأبرار وأمثالها من أصحاب المشاريع الصغيرة، تبقى التداعيات شخصيّةً وموجعة. فقد توقّف مشروعها خلال فترة الحرب جرّاء النزوح والقيود المفروضة على إدخال الوقود والمواد الغذائية.
بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، عادت أبرار وعائلتها إلى مدينة غزة، وشرعوا في إعادة تأهيل مصنعهم الصغير بالتوازي مع البحث عن مسكن.
قالت: «استثمرنا آلاف الشواكل لإصلاح الأفران والثلاجات. وبعد قرابة أربعة أشهر، تمكّنّا من إعادة الافتتاح رغم كلّ التحدّيات».
غير أنّ الطاقة الشمسية لا تزال بعيدة المنال، إذ تبلغ تكلفتها 5,000 شيكل (1,400 دولار)، ممّا يُبقيها رهينةً للمولّدات الخاصة التي كثيراً ما تتعطّل فجأةً فتُفسد الحلويات، فيما تتعذّر صيانتها بسبب شُحّ الزيوت المتخصّصة.
وقد ألحق تذبذب الكهرباء أضراراً إضافية بالأفران والثلاجات، ممّا يُضاعف الأعباء المالية.
قالت أبرار: «نواصل خسارة الأموال جرّاء انقطاع الكهرباء، فيما ندفع ثمناً أعلى للمواد الخام مقارنةً بالمنشآت الكبيرة».
«معاناتنا ونحن نحاول البناء من تحت الرماد تبقى في طيّ الكتمان».
أخبار ذات صلة

الشرطة الإسرائيلية تقطع العلم الفلسطيني من قبّعة محاضر بعد اعتقاله

الصحفية أمل خليل: صوتُ الجنوب اللبناني الذي أسكتته إسرائيل

الحاخام الذي أصبح وجهاً لإبادة غزة يُكرّم في عيد استقلال إسرائيل
