تركيا قوة وساطة في عالم متغير
وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بلاده كقوة وسطى ووسيط دبلوماسي في عالم مضطرب، مشدداً على دور أنقرة في صراعات متعددة. تركيا تسعى للحفاظ على الحوار بين الأطراف المتنازعة وتلعب دوراً حيوياً في الدبلوماسية الدولية.

وضع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بلادَه في موقع "القوة الوسطى" والوسيط الدبلوماسي في نظامٍ عالمي آخذٍ في التفكّك، وذلك خلال خطابٍ ألقاه في جامعة Oxford يوم الجمعة.
تحدّث فيدان في فعاليةٍ استضافها برنامج Global Orders Programme التابع لمركز Oxford للتاريخ العالمي، وقدّم فيها أنقرة باعتبارها في موقعٍ فريد يؤهّلها للعب دور الوسيط في صراعاتٍ متعدّدة، من غزة إلى إيران وأوكرانيا.
وقال فيدان: "الدول التي تمتلك تقاليد استراتيجية راسخة تُبلي بلاءً أحسن في هذا العصر من الغموض"، مستنداً إلى أنّ صعود القوى الوسطى يعكس تحوّلاتٍ هيكلية في السياسة الدولية.
وأكّد الوزير الحاجةَ إلى فاعلين قادرين على إدامة الدبلوماسية والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، قائلاً: "نحن نعتقد أنّ بلادنا واحدةٌ من تلك الدول."
وأضاف: "ليس من قبيل الصدفة أنّ تركيا باتت تُوصف في كثيرٍ من الأوساط الدولية بأنّها ''فاعل عقلاني وضروري" يتدخل لحل المشاكل أو منع تفاقمها عندما يعجز الآخرون
تنسيق مع واشنطن بعيداً عن التهديدات
وفي معرض تعليقه على تقاريرَ تفيد بأنّ إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump كانت تدرس فرض إجراءاتٍ عقابية على حلفاء في حلف Nato رفضوا دعم حربها على إيران بما في ذلك إمكانية طرد إسبانيا من الحلف أكّد فيدان أنّ تركيا العضو في الحلف لم تواجه تهديداتٍ مماثلة من واشنطن.
وقال : "أعتقد أنّنا في تنسيقٍ جيّد مع القيادة الأمريكية. في الواقع، قبل أسبوعَين اتّصل الرئيس Recep Tayyip Erdogan بالرئيس Trump وهنّأه على قراره بالموافقة على وقف إطلاق النار والانخراط في مرحلة ما بعده."
وكرّر فيدان موقف أنقرة القائل بأنّ العمل العسكري ضدّ إيران كان سابقاً لأوانه، مؤكّداً أنّ "المفاوضات كانت ستُسفر عن نتائج."
وأعرب عن احترامه لموقف الدول الأوروبية، مشيراً إلى أنّ إسبانيا "تسير على خطٍّ ثابتٍ ومستقر... تطالب بالسلام في غزة وإيران وروسيا. وأعتقد أنّ هذا موقفٌ نتبنّاه أيضاً."
وتستعدّ تركيا لاستضافة قمّة Nato المقبلة في أنقرة خلال يوليو.
دبلوماسية خلف الكواليس
كان فيدان في المملكة المتحدة في إطار زيارةٍ استمرّت يومَين وقّع خلالها "اتفاقية شراكة استراتيجية" مع لندن.
جاءت تصريحاته في وقتٍ لا يزال فيه وقف إطلاق النار الهشّ بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران سارياً، في حين يسود الغموضُ المشهدَ مع اجتماع الإيرانيين والأمريكيين في باكستان لإجراء محادثاتٍ هذا الأسبوع.
ومن المتوقّع أن يتوجّه المفاوضون الأمريكيون، ومنهم المبعوث الخاص Steve Witkoff وJared Kushner، إلى إسلام آباد يوم السبت، غير أنّ المسؤولين الإيرانيين أشاروا إلى أنّهم لا ينوون اللقاء المباشر بنظرائهم الأمريكيين، مكتفين بإيصال موقفهم عبر وسطاء.
الصراع الذي دخل أسبوعه التاسع أودى بحياة الآلاف وألقى بظلاله على الأسواق العالمية. وقد أفضى الإغلاق الجزئي الإيراني لمضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية إلى ارتفاعٍ حادّ في أسعار الطاقة، فيما تقلّص حجم حركة الشحن إلى جزءٍ يسير من مستوياتها قبل الحرب.
وبينما مدّد Trump وقف إطلاق النار المؤقّت، لا يزال الطرفان بعيدَين عن بعضهما في المطالب الجوهرية، على الرغم من إشاراتٍ من واشنطن إلى أنّ طهران قد تطرح مقترحاً جديداً.
شاهد ايضاً: إسرائيل تستهدف صحفية لبنانية رغم الهدنة
في هذا السياق، أكّد فيدان دور تركيا بوصفها أحد الوسطاء في الدبلوماسية الجارية خلف الكواليس بين واشنطن وطهران.
وقال: "كنت على تواصلٍ مستمرّ مع الطرفَين... نحاول تقديم المساعدة بقدر ما نستطيع كلّما دعت الحاجة"، مضيفاً أنّ أنقرة تستخدم نفوذها الدبلوماسي "لنقل الرسائل في الاتجاهَين وإقناع الطرفَين."
وأبدى تفاؤلاً حذراً إزاء مسار وقف إطلاق النار، لافتاً إلى أنّ "الطرفَين يشعران بضغط الحرب"، وهو ما قد يدفعهما نحو تسويةٍ تفاوضية.
وفي الوقت ذاته، أعاد فيدان التأكيد على نهج أنقرة الراسخ في الوساطة، واصفاً إيّاه بأنّه ركيزةٌ أساسية في السياسة الخارجية التركية: "نحن لا نسعى لفرض نتائج، بل لخلق الظروف التي تمكّن الأطراف من التوصّل إلى قراراتها بنفسها."
أوكرانيا: صراعٌ يتراجع في سلّم الأولويات
وحين سُئل عن أوكرانيا، وصف فيدان الحرب هناك بأنّها باتت صراعاً مهمَّشاً في الدبلوماسية الدولية رغم حجمه وكلفته البشرية الهائلة. وشدّد على أنّ "المأساة الإنسانية... ضخمةٌ ولا تُحتمل"، محذّراً في الوقت نفسه من أنّ الحساسية الدولية تجاه هذا الصراع في تراجع.
وأشار إلى أنّ تركيا لا تزال منخرطةً في الملفّ، إذ استضافت محادثاتٍ بين الطرفَين وواصلت نقاشاتها مع واشنطن، مؤكّداً أنّ أيّ اتفاقٍ محتمل "لن يكون سلاماً بينهما... بل سيكون سلاماً بين الأوروبيّين والروس."
بيد أنّه رأى أنّ التأثير الجيوسياسي للحرب الأوكرانية بات مطغوياً عليه بالصراع الإيراني، قائلاً: "في شهرٍ واحد... كان الأثر السلبي أكبر بكثيرٍ ممّا خلّفته حرب روسيا وأوكرانيا في خمس سنوات"، مضيفاً أنّ هذا جعل حلّ الأزمة الأوكرانية "أقلّ إلحاحاً" في نظر بعض الفاعلين الدوليين.
ورأى فيدان أنّ الجغرافيا المحدودة نسبياً للحرب والاستقرار النسبي لأثرها الاقتصادي لا سيّما تراجع اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية أسهما في إطالة أمدها. غير أنّه أبدى تفاؤلاً بإمكانية عودة التركيز الدبلوماسي إليها، متوقّعاً أن "تعود الولايات المتحدة وتُركّز على أوكرانيا من جديد" متى أُحرز تقدّمٌ في الملفّ الإيراني.
إزالة الألغام من مضيق هرمز
جاءت محادثات إسلام آباد في أعقاب وساطةٍ باكستانية أفضت إلى وقف إطلاق النار لأسبوعَين في 8 أبريل، قبل أن يمدّده Trump من جانبه يوم الأربعاء.
وفي تصريحاتٍ أدلى بها لوسائل الإعلام عقب الفعالية، قال فيدان إنّ أيّ تقدّمٍ في المفاوضات قد يُفضي إلى تحسّن الأوضاع حول مضيق هرمز الاستراتيجي.
وأضاف: "أعتقد أنّ مسألةً أو مسألتَين، ولا سيّما تلك التي كانت عالقةً في الملفّ النووي، يمكن حلّهما."
وعرض فيدان سيناريوَين للمضيق الحيوي: الأول يقوم على العودة التفاوضية إلى الوضع السابق مع ضمان حرية الملاحة دون قيودٍ أو تكاليف إضافية. أمّا الثاني فقال عنه: "إذا فشلت المفاوضات في تحقيق نتائج، واستمرّت الحرب أو نشأت مشكلاتٌ أخرى، تصبح المسألة كيفية معالجة المناطق الإشكالية في مضيق هرمز... ثمّة جوانب تتوافق مع سياستنا الخارجية وجوانب لا تتوافق معها. رئيسنا واضحٌ في هذا الشأن."
وأشار فيدان إلى أنّ أنقرة ستدرس المشاركة في عمليات إزالة الألغام من مضيق هرمز في أعقاب أيّ اتفاقٍ محتمل بين إيران والولايات المتحدة، موضّحاً أنّ هذه الجهود ستُنفَّذ على الأرجح من خلال فريقٍ تقني متعدّد الجنسيات يُشكَّل بعد إبرام اتفاق السلام، ومؤكّداً أنّ تركيا تنظر إلى المشاركة بإيجابيةٍ من حيث المبدأ باعتبارها واجباً إنسانياً.
وقال: "إذا توصّل الإيرانيون والأمريكيون إلى اتفاقٍ وتحقّق السلام، يمكن لتحالفٍ ما أن يضطلع بأعمالٍ تقنية هناك، بما فيها إزالة الألغام."
وشدّد في الوقت نفسه على أنّ انخراط أنقرة مشروطٌ بالسياق السياسي الأشمل، مشيراً إلى أنّ تركيا ستُعيد النظر في موقفها إذا انجرّ أيّ تحالفٍ من هذا القبيل إلى صراعٍ متجدّد.
أخبار ذات صلة

المستوطنون الإسرائيليون يتوغّلون في سوريا ولبنان ويدعون لإقامة مستوطنات جديدة

الجنود الإسرائيليون ينهبون منازل لبنانية على نطاق واسع
