ممر جديد يربط السعودية بالأردن لنقل البضائع
أطلقت الشركة السعودية للخطوط الحديدية ممرًّا دوليًّا جديدًا لنقل البضائع يربط موانئ المنطقة الشرقية بالأردن، مما يقلص زمن العبور إلى النصف. المشروع يعزز التجارة الإقليمية ويعيد تموضع الإمارات في سلاسل الإمداد.

في 26 مارس، أطلقت الشركة السعودية للخطوط الحديدية (SAR) ممرًّا دوليًّا جديدًا لنقل البضائع يربط موانئ المنطقة الشرقية بمعبر الحديثة الحدودي مع الأردن.
يمتدّ هذا الخطّ على مسافة 1,700 كيلومتر، ويصل ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام وميناء الملك فهد الصناعي في الجبيل والميناء التجاري في الجبيل مباشرةً بالأردن وما وراءه. تحمل كلّ رحلة أكثر من 400 حاوية، وتُقلّص زمن العبور إلى النصف مقارنةً بالنقل البرّي.
لا يُشكّل هذا المشروع منافسًا لممرّ الهند الشرق الأوسط أوروبا الاقتصادي (IMEC) الذي لا يزال يراوح مكانه في شلل دبلوماسي؛ بل هو الممرّ ذاته، لكنّه يسلك مسارًا مختلفًا.
أُعلن عن IMEC في قمة مجموعة العشرين عام 2023 في نيودلهي بوصفه ردًّا على مبادرة الحزام والطريق الصينية. وكان يهدف إلى إنشاء ممرّ متكامل من السكك الحديدية والملاحة البحرية يربط الهند بالإمارات والمملكة العربية السعودية، ثم يعبر الأردن وإسرائيل وصولًا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
كانت الإمارات مُرشَّحة لتكون نقطة الدخول للبضائع الآسيوية إلى الخليج، فيما جرى تقديم إسرائيل عبر ميناء حيفا جسرًا نحو أوروبا. غير أنّ إسرائيل لم تكن طرفًا موقِّعًا على مذكرة التفاهم الأصلية للممرّ.
المذكرة كما وُقِّعت أدرجت المملكة العربية السعودية والإمارات بوصفهما الطرفَين البرّيَّين الأساسيَّين. أمّا مركزية إسرائيل في الممرّ فكانت في معظمها انعكاسًا لتطلّعاتها الخاصة؛ طموحٌ عمل رئيس الوزراء Netanyahu وحكومته على إدراجه في سردية الممرّ، لا التزامًا رسميًّا وقّعت عليه أيٌّ من الأطراف الأخرى.
لم يُبرَم أيّ اتفاق مع الهند، ولا مع دول الخليج. كانت إسرائيل تُسوّق نفسها عقدةً لا غنى عنها في الشبكة. وقد كشف الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران أنّ هذا التموضع لم يكن أكثر من ذلك.
ما يجري بناؤه اليوم يقوم على منطق مختلف، ويمرّ عبر عواصم مختلفة، ويستند إلى حسابات مختلفة.
من أبوظبي إلى الرياض والدوحة
قبل ستة أسابيع من إطلاق ممرّ SAR، وقّعت الهيئة العامة للموانئ السعودية وإدارة موانئ قطر مذكرة تفاهم تغطّي ثمانية محاور للتعاون، من الممرّات البحرية المشتركة ومراكز التوزيع الإقليمية المشتركة إلى التحوّل الرقمي والتنسيق في المنظمات البحرية الدولية.
شاهد ايضاً: إيران: استهداف مُنظّم للمنشآت الطبية في الحرب
تُصرّح الاتفاقية صراحةً بتعزيز الاتصال البرّي والبحري بين موانئ البلدَين، ودراسة فرص الاستثمار اللوجستي المشترك.
الشحن من ميناء حمد القطري إلى المملكة العربية السعودية لا يستغرق أكثر من 24 ساعة، فيما أصبح العبور السعودي شمالًا نحو الأردن متاحًا الآن بالسكك الحديدية.
يسير المنطق الجديد للممرّ عبر الرياض والدوحة. البضائع الآسيوية تصل بحرًا إلى موانئ الخليج، ثم تتدفّق إلى شبكة السكك الحديدية السعودية المتنامية التي نقلت أكثر من 30 مليون طنّ من البضائع عام 2025 عبر منظومة متكاملة تمتدّ 5,500 كيلومتر.
خطّ الشمال الجنوب الممتدّ 1,250 كيلومترًا من الرياض إلى الحدود الأردنية، بُني في الأصل لنقل الفوسفات والمعادن، لكنّه تحوّل اليوم إلى شريان لنقل الحاويات يربط بوّابات الخليج البحرية بالشام وحوض البحر المتوسط.
الإمارات لم تُستبعَد، بل أُعيد تموضعها. لم تعد أبوظبي المركز الرئيسي للبضائع القادمة من الشرق والمتّجهة شمالًا؛ إذ باتت المملكة العربية السعودية وقطر تستوعبان هذا الدور، فيما تجد الإمارات نفسها مقيّدة تشغيليًّا بفعل أزمة مضيق هرمز الممرّ المائي الذي أغلق فعليًّا منذ 28 فبراير.
مع تطبيق الحرس الثوري الإيراني (IRGC) سياسة المرور الانتقائي، تراجعت حركة ناقلات النفط بأكثر من 90 بالمئة خلال الأسابيع الأولى من مارس. ويشهد ميناء جبل علي، أكبر موانئ الحاويات في الشرق الأوسط، اكتظاظًا جرّاء تحويل السفن إليه.
علّقت كبرى شركات الشحن Maersk وHapag-Lloyd وCMA CGM وMSC رحلاتها عبر هرمز. النموذج اللوجستي الإماراتي مبنيٌّ على حرية تدفّق الملاحة البحرية، وهذا التدفّق بات رهينة القرار الإيراني.
منذ أن أغلقت طهران المضيق للمرّة الأولى في يونيو الماضي، كثّفت تركيا جهودها للترويج لنفسها ممرًّا تجاريًّا بديلًا وآمنًا.
ومن بين الأفكار التي طُرحت أيضًا: إنشاء الإمارات بوصفها لاعبًا عالميًّا كبيرًا في شحن الحاويات وإدارة المحطّات الملاحية ميناءً جديدًا في غزة أو على الساحل المصري المجاور، إضافةً إلى إنشاء منطقة تجارة حرّة في القطاع المنكوب.
نقاط خروج لا نقاط دخول
تحتفظ الإمارات بنفوذها عند نقاط الخروج من الممرّ، لا عند نقاط الدخول إليه.
في فبراير، وقّعت مجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports Group) امتيازًا لمدة 30 عامًا لإدارة وتشغيل ميناء العقبة متعدّد الأغراض، الميناء التجاري الوحيد في الأردن. يستوعب ميناء العقبة نحو 80 بالمئة من الصادرات الأردنية و65 بالمئة من الواردات، وهو أيضًا نقطة عبور للبضائع المتّجهة إلى المملكة العربية السعودية والعراق. ستمتلك AD Ports 70 بالمئة من المشروع المشترك، الذي يبلغ طاقته الاستيعابية السنوية 11 مليون طنّ وقد استقبل عام 2025 أكثر من 5.3 مليون طنّ من البضائع هذه هي البوّابة التجارية الرئيسية للأردن، وهي الآن تحت الإدارة التشغيلية الإماراتية.
أبعد شمالًا غربًا، تمتلك DP World امتيازًا لمدة 30 عامًا بقيمة 800 مليون دولار في ميناء طرطوس على الساحل السوري المتوسطي، وقد بدأت العمليات في نوفمبر الماضي، ليكون هذا العقد من أضخم الاستثمارات اللوجستية الدولية في سوريا منذ سنوات.
في سياق موازٍ، استحوذت AD Ports على حصة 20 بالمئة في محطة اللاذقية الدولية للحاويات، المنشأة الرئيسية للحاويات في سوريا التي تديرها الشركة الفرنسية CMA CGM بموجب عقد موازٍ لمدة 30 عامًا بقيمة 230 مليون يورو (265 مليون دولار).
تستوعب اللاذقية أكثر من 95 بالمئة من حركة الحاويات السورية، مع خطط لرفع طاقتها من 250,000 وحدة مكافئة للعشرين قدمًا (TEU) إلى 625,000 TEU بنهاية عام 2026.
يمتدّ البصمة الميناءية الإماراتية إذن على طول نقطة نهاية الممرّ المتوسطية: العقبة في الأردن، وطرطوس واللاذقية في سوريا، وحصة جزئية في ميناء جدّة.
شاهد ايضاً: الإمارات: الأكاديمي الإماراتي البارز يصف القواعد الأمريكية بأنها باتت "عبئاً لا أصلاً استراتيجياً"
لكنّ المقطع الداخلي للممرّ من ساحل الخليج إلى الحدود الأردنية سعوديّ البناء والتشغيل، وتزداد بنيته اللوجستية سعودية-قطرية. تحوّل دور أبوظبي من حارس البوّابة إلى مشغّل في المراحل النهائية.
تنويع أم تطبيع؟
من الأردن، يتشعّب المسار. أحد الفروع يتّجه شمالًا غربًا نحو سوريا، حيث تُوفّر طرطوس واللاذقية الآن منفذًا متوسطيًّا في ظلّ الإدارة الإماراتية والفرنسية.
هذا هو المسار الأكثر قابلية للتطبيق فورًا للبضائع التجارية المتّجهة إلى جنوب أوروبا وشمال أفريقيا. ومقترح خطّ سكك حديدية فائق السرعة من شمال المملكة العربية السعودية إلى سوريا سيُحوّل هذا المسار في نهاية المطاف إلى بنية تحتية دائمة. فرعٌ آخر يمتدّ شمالًا نحو تركيا.
أمّا الفرع الثالث فيتّجه غربًا نحو إسرائيل. ميناء حيفا، الذي استحوذت عليه مجموعة Adani Ports الهندية عام 2022 بمبلغ 1.18 مليار دولار في مشروع مشترك بحصص 70-30 مع مجموعة Gadot الإسرائيلية، كان المرساة المتوسطية الأصلية لـ IMEC. وقد استقبل حيفا نحو 500,000 TEU عام 2025.
غير أنّ الميناء يعمل اليوم في منطقة حرب. منذ 28 فبراير، شنّت إيران ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة متواصلة استهدفت إسرائيل بما فيها حيفا.
أكّدت Adani أنّ الميناء يعمل بشكل طبيعي، لكنّ الجدوى الاستراتيجية لتوجيه التجارة الدولية عبر منطقة نزاع نشط مسألةٌ مختلفة تمامًا. ومع ذلك، يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين Netanyahu أن يتدفّق النفط والغاز عبر إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب مع إيران.
ما يجعل الفرع الإسرائيلي لافتًا للنظر ليس الوضع المادّي لميناء حيفا، بل سلسلة ملكيّته. في فبراير، وافقت الشركة الألمانية Hapag-Lloyd على الاستحواذ على شركة ZIM الإسرائيلية للشحن المتكامل بمبلغ 4.2 مليار دولار.
سجلّ مساهمي Hapag-Lloyd يكشف أمرًا بالغ الدلالة: صندوق الاستثمارات العامة السعودي يمتلك 10.2 بالمئة، وجهاز قطر للاستثمار يمتلك 12.3 بالمئة. بمعنى أنّ صناديق الثروة السيادية الخليجية تتحكّم مجتمعةً في أكثر من خُمس الشركة التي ستمتصّ الناقل الوطني الإسرائيلي.
حين يكتمل الاستحواذ في أواخر 2026، ستمتلك الرياض والدوحة نفوذًا غير مباشر لكنّه ذو ثقل على طاقة شحن تشمل شبكات ميناء حيفا.
هذا ليس التطبيع كما تخيّلته إسرائيل.
الفارق جوهريّ. IMEC كما تصوّرته إسرائيل كان يستلزم محورًا إماراتيًّا إسرائيليًّا يجعل الإدراج الإسرائيلي المنفذَ المتوسطي الوحيد، وهو ما كان سيجعل التجارة الإقليمية رهينة هيكليًّا للتطبيع العربي الإسرائيلي.
ما يُبنى الآن يتضمّن منافذ خروج متعدّدة: طرطوس واللاذقية والعقبة، وربّما غزة والموانئ الإسرائيلية جنبًا إلى جنب، مع احتمال انضمام لبنان في مراحل لاحقة. حين توجد ثلاث أو أربع دول خروج متوازية، لا تستطيع أيٌّ منها احتجاز الممرّ رهينةً. هذا هو التنويع.
أيّ تعاون لوجستي مستقبلي مع إسرائيل سيُشكّل بالمعنى الواسع شكلًا من أشكال التطبيع الاقتصادي. غير أنّ ثمّة فارقًا بين التطبيع بوصفه وجهةً استراتيجية لا رجعة فيها كما تريده إسرائيل وبين التطبيع بوصفه مدخلًا محدودًا وخاضعًا للسيطرة وقابلًا للعكس.
ما تبنيه المملكة العربية السعودية إن أُدرجت الموانئ الإسرائيلية في نهاية المطاف يقع بوضوح في الفئة الثانية. ولا تُشير الرياض إلى أيّ توجّه نحو التطبيع الذي تطمح إليه إسرائيل في المدى المنظور.
استحضر Netanyahu احتمال التطبيع السعودي ورقةً يستخلص بها مكاسب سياسية من حملته العسكرية الإقليمية، مُقدِّمًا إيّاه مسارًا نحو الاندماج الإقليمي. هذا التأطير لا يستند إلى أيّ إشارة صدرت عن الرياض.
البنية المعمارية للممرّ مُصمَّمة بحيث يظلّ أيّ وصول إسرائيلي إليه متغيّرًا تستطيع الرياض تعديله صعودًا وهبوطًا وفق المعطيات السياسية، لا تبعيةً ثابتة لا تستطيع المملكة التراجع عنها.
بنية تجارية جديدة
كان مسار IMEC الأصلي مُصمَّمًا ممرًّا للتطبيع؛ جدواه مشروطة بالتقارب الدبلوماسي السعودي الإسرائيلي، وتهميش القضية الفلسطينية أو تجاوزها، وبيئة أمنية مستقرّة من الخليج إلى شرق البحر المتوسط.
لا شيء من هذه الشروط متوفّر.
ما نشأ بدلًا من ذلك هو بنية تجارية تُنوّع الترابط الإقليمي بدلًا من إرسائه على إطار تطبيع واحد.
لا ضمانات لأيّ دولة في الإدراج. IMEC لم يكن قطّ معاهدة ثابتة بمقاعد محجوزة؛ إنّه إطار يُبنى تدريجيًّا.
هل ستكون الموانئ الإسرائيلية عقدًا فاعلة في النهاية؟ يتوقّف ذلك على كيفية انتهاء الحرب على غزة، وكيفية استقرار سوريا، وما سيجري في لبنان، وما إذا كانت المسارات البديلة ستثبت جدواها التجارية. البنية مفتوحة.
إسرائيل ليست مستبعَدة بالتصميم، لكنّها أيضًا غير مضمونة الإدراج بالتصميم. هذا وضعٌ مختلف جذريًّا عمّا ظنّته قبل عامَين.
أزمة مضيق هرمز عجّلت ببرنامج البنية التحتية البرّية السعودية. وقد أجبر انهيار الشروط السياسية لـ IMEC منطق الممرّ على الابتعاد عن المسار الإسرائيلي والتوجّه نحو البدائل السورية والأردنية.
IMEC لم ينته. إنّه يُعاد بناؤه.
أخبار ذات صلة

الشركات النفطية والعسكرية التي تستفيد من التوتر مع إيران

إدارة ترامب تعرض على الشركات الأمريكية فرصة إعادة بناء البنية التحتية الخليجية

غزة وإيران: هل يكرّر التاريخ نفسه؟ نتنياهو وترامب والدروس المنسيّة من الحرب العالمية الثانية
