وورلد برس عربي logo

تداعيات الفوضى الجيوسياسية على العالم اليوم

تتأزم الأوضاع الجيوسياسية العالمية مع تزايد تأثير الحروب في أوكرانيا وغزة، بينما يتراجع دور الاتحاد الأوروبي رغم قوته. كيف يؤثر هذا المشهد على الاقتصاد الأوروبي ومكانته الدولية؟ اكتشف المزيد في وورلد برس عربي.

تظهر المسؤولة السياسية الأوروبية Kaja Kallas تتحدث أمام خلفية علم الاتحاد الأوروبي، معبرة عن مواقف الاتحاد في الأزمات العالمية.
الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كاجا كلاس تعقد مؤتمراً صحفياً في مدينة نيويورك، 22 سبتمبر 2025 (تيموثي أ كلاري/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، بات النظام العالمي يرزح تحت وطأة فوضى جيوسياسية متصاعدة تهدّد بنيته من الأساس.

اتّخذت الولايات المتحدة وأوروبا موقفاً صارماً من روسيا، تجلّى في قطع إمدادات الطاقة، وفرض عقوبات غير مسبوقة، وتقديم دعمٍ عسكري واستخباراتي لحكومة كييف. غير أنّ ما غاب عن حسابات صانعي القرار الغربيين أو ما أرادوا تجاهله هو أنّ فرض العقوبات على روسيا، أكبر منتجي السلع الأولية في العالم، كان محكوماً عليه بأن يُلقي بتداعيات اقتصادية وخيمة على اقتصاداتهم أنفسهم.

ثم جاء هجوم 7 أكتوبر 2023 ، وبدأت إسرائيل بحربها على غزة وامتداداتها في لبنان، فزاد المشهد اضطراباً فوق اضطراب. وأخيراً، أضاف وصول إدارة Trump الثانية عام 2025 بمواقفها المتشدّدة في ملفّات التجارة، وتوتّراتها غير المسبوقة مع الحلفاء الأوروبيين حول أوكرانيا وغرينلاند، وصولاً إلى الهجوم المشترك مع إسرائيل على إيران ما يشبه المسمار الأخير في نعش النظام العالمي القائم على قواعد القانون الدولي.

شاهد ايضاً: إيران: استهداف مُنظّم للمنشآت الطبية في الحرب

ولعلّ أكثر ما يبعث على الإحباط في هذا المشهد الجيوسياسي المتداعي هو الدور الهامشي الذي اضطلع به الاتحاد الأوروبي. هذا التهاون الذي يقترب من حدود الانعدام الكامل للتأثير يبدو مستغرباً حين يُقاس بحجم الكتلة الأوروبية وثقلها الفعلي.

فالاتحاد الأوروبي كتلةٌ من 500 مليون نسمة تحكمها ديمقراطياتٌ راسخة، وتلتزم بمبادئ سياسية راسخة، ويجمعها سوقٌ مشتركة ضخمة بعملةٍ موحّدة، وتتميّز بمستوياتٍ معيشية مرتفعة، وتمتلك صلاحياتٍ تجارية وتنظيمية بالغة التطوّر. بعبارةٍ أخرى، هو فاعلٌ عالمي لا يمكن لأحدٍ أن يتجاهله لكنّه يتصرّف وكأنّه يُفضّل تجاهل نفسه.

كلامٌ بلا مضمون

في كلمتها التي ألقتها في 13 أبريل أمام جلسةٍ خاصة لمجلس الأمن الدولي حول التعاون بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أكّدت مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية في بروكسل Kaja Kallas أنّ مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء تُقدّم 42% من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية على مستوى العالم، رغم أنّها لا تمثّل سوى 5% من سكان الكوكب. وأضافت أنّ الدول الأعضاء تموّل ربع الميزانية الاعتيادية للأمم المتحدة بأسرها.

شاهد ايضاً: كير ستارمر يلمّح إلى حظر الحرس الثوري الإيراني في "البرلمان القادم"

هذا رصيدٌ من القوة الناعمة لا يُستهان به. لكنّ المفارقة المؤلمة أنّ الاتحاد الأوروبي لم يتمكّن من توظيف هذا الرصيد على الساحة الدولية للدفاع عن مواقفه أو دفع الحلول السياسية التي تخدم مصالحه. فقد حشد طاقاته في مواجهة روسيا، لكنّه آثر في المقابل أن يُسوّي نفسه أمام الاستخدام المتهوّر وغير المأذون للقوة العسكرية الذي تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل، كلٌّ على حدة وكلتاهما معاً.

وعلى نقيض المبادئ التي التزم بها منذ تأسيسه في خمسينيات القرن الماضي، تخلّى الاتحاد الأوروبي فعلياً عن نظامٍ دولي تُهيمن عليه الدبلوماسية والسياسة، لصالح نظامٍ تتحكّم فيه القوة العسكرية المجرّدة. وهذا موقفٌ يصعب استيعابه في ضوء التداعيات الاقتصادية الباهظة التي يُلقيها هذان الصراعان الكبيران على الاقتصاد الأوروبي.

والمفتاح لفهم هذا الموقف يتجلّى بوضوح حين نُمعن النظر في خطاب Kallas ذاته.

شاهد ايضاً: باكستان تتوسّط لعبة التوازنات الجيوسياسية الهشّة

افتتحت كلامها بعبارةٍ صحيحة في مضمونها: «نشهد اليوم أشدّ انتهاكاتٍ للقانون الدولي وأعمق تفكّكٍ له منذ الحرب العالمية الثانية»، في إشارةٍ إلى «أزمتين عالميتين بارزتين: حرب العدوان الروسية على أوكرانيا، والحرب في الشرق الأوسط».

بيد أنّ خياراتها اللغوية تكشف ضعف حكمها على الأوضاع، وتُجلّي ازدواجيةً في المعايير لا تُخطئها العين. فعلى صعيد أوكرانيا، وصفت روسيا صراحةً بأنّها المعتدي المذنب بانتهاك القانون الدولي، أمّا على صعيد الشرق الأوسط فقد آثرت الغموض، واكتفت بذكر «حرب» دون أن تُحدّد من يتحمّل مسؤوليتها.

أقرّت Kallas بأنّ «الأزمتين في أوروبا والشرق الأوسط تمثّلان أوضح إشارةٍ حتى الآن على التخلّي عن القواعد القديمة، بما فيها ميثاق الأمم المتحدة، وعلى بروز نظامٍ عالمي جديد تهيمن عليه المنافسة وسياسات القوة القسرية، يسعى فيه حفنةٌ من القوى العسكرية إلى تكريس مناطق نفوذها». لكنّها، مرةً أخرى، أحجمت عن تسمية هذه القوى.

شاهد ايضاً: الولايات المتحدة تدرس فصل إسبانيا من الناتو لرفضها دعم عملية عسكرية ضد إيران

ثم انتقلت إلى ادّعاءٍ طموح: «يمكن لأوروبا أن تكون جزءاً من الحلّ... حين تبحث الدول عن شركاء موثوقين ومبدئيين لتعزيز التحالفات والدفاع عن القانون الدولي ودفع التعددية إلى الأمام، فإنّها تتّجه بصورةٍ متزايدة نحو الاتحاد الأوروبي».

وبعد أن لفتت الانتباه إلى أنّ «القانون الدولي يُحدّد الإطار القانوني لاستخدام القوة من قِبَل الدول، ولا يُجيزه إلّا دفاعاً عن النفس أو بتفويضٍ من مجلس الأمن، وأنّ هذه القواعد تُنتهك اليوم دون أيّ محاسبة»، أغفلت تماماً الإشارة إلى حقيقتين لا تقبلان الجدل: الأولى، أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل على الساحة الدولية لا يستند إلى أيّ تفويضٍ من مجلس الأمن. والثانية، أنّ كلتا الدولتين تتحصّنان خلف تفسيرٍ مثيرٍ للجدل لحقّ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

نداءٌ للمساءلة بلا مساواة

طالبت Kallas أيضاً بـ«ضرورة المساءلة»، مستشهدةً بجهود الاتحاد الأوروبي في «المساعدة على إنشاء محكمةٍ لجريمة العدوان ضدّ أوكرانيا». لكنّها لم تُشر بكلمةٍ واحدة إلى أنّ مطالبتها بالمساءلة في الحالة الروسية كان ينبغي أن تشمل بالمنطق ذاته جرائم الحرب التي ترتكبها الولايات المتحدة وإسرائيل.

شاهد ايضاً: إيران تنفي صلة المحتجزات الأمريكيات بقائد الحرس الثوري

ناهيك عن رفض كثيرٍ من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وهي دولٌ أطرافٌ في المحكمة الجنائية الدولية تنفيذَ مذكّرة الاعتقال الصادرة بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بتهمة ارتكاب جرائم حربٍ وجرائم ضدّ الإنسانية.

ولقياس الحجم الحقيقي لهذه الازدواجية في المعايير، يكفي أن نُلاحظ أنّ Kallas ذكرت روسيا 11 مرةً في خطابها، وإيران مرةً واحدة، في حين لم تُشر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ولو مرةً واحدة.

وقد علّقت الأمينة العامة لمنظمة Amnesty International، Agnes Callamard، على هذا الأمر بقولها: «إنّ إحجامها أي Kallas المتعمّد عن ذكر الطرفين الآخرين إلى جانب روسيا المسؤولَين عن أشدّ انتهاكاتٍ للقانون الدولي ليس جبناً فحسب، بل هو جريمة. وهو ما يُفسّر الانتهاكات المتكرّرة للقانون الدولي، وتفكّك ميثاق الأمم المتحدة، وسيادة منظومة الإفلات من العقاب على المستوى العالمي».

شاهد ايضاً: الولايات المتحدة تعرض دعماً مالياً للإمارات في حالة تأثر اقتصادها بصراع إيراني

ويمكن إضافةً إلى ذلك القول: إنّ هذا بالضبط ما يُفسّر الغياب التامّ لمصداقية طموح الاتحاد الأوروبي على حدّ تعبير Kallas نفسها في أن يكون «جزءاً من الحلّ» للأزمات العالمية الكبرى.

خيارٌ مُخزٍ

وكأنّ ما سبق لم يكن كافياً، جاء اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لكسمبورغ في 21 أبريل ليُضيف فصلاً جديداً إلى هذا المسلسل. فقد فشل الوزراء في تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وهي خطوةٌ كانت ستُشكّل رسالةً ضغطٍ حقيقية في مواجهة العنف الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وما يمتدّ إلى أبعد منها.

كان هذا تقصيراً مُخزياً تجاهل نداءات أكثر من مليون مواطنٍ أوروبي، وطلبات 350 دبلوماسياً سابقاً، و60 منظمةً غير حكومية، ومقرّراً خاصاً تابعاً للأمم المتحدة. ولا يخفى على أحدٍ أنّ تعليق الاتفاقية كان سيُمثّل ورقة ضغطٍ بالغة الأثر، إذ يُعدّ الاتحاد الأوروبي الشريكَ التجاري الأول لإسرائيل.

شاهد ايضاً: إيران والحرب المقبلة: لماذا إسرائيل والولايات المتحدة الخاسران الأكبران

بإخفاقهم في اتّخاذ هذا القرار، تناقض وزراء الخارجية الأوروبيون مع مبادئهم المُعلنة في الدفاع عن حقوق الإنسان. فالاتفاقية، شأنها شأن غيرها من الاتفاقيات مع دولٍ ثالثة، تتضمّن في مادّتها الثانية بنداً صريحاً يُقرّر أنّ «التعاون يقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية».

وكانت كلٌّ من إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا قد دفعت باتّجاه هذا الإجراء في رسالةٍ مشتركة إلى المسؤولة الأوروبية عن السياسة الخارجية، غير أنّ ألمانيا وإيطاليا والنمسا وجمهورية التشيك وقفت في وجه ذلك.

وقد لخّص المحلّل الأوروبي Eldar Mamedov هذا المشهد بدقّةٍ حين قال: «لا يمكن أن تكون الازدواجية أكثر وضوحاً من هذا. العواصم الأوروبية ذاتها التي هرولت لفرض العقوبات على روسيا في غضون أيامٍ من غزوها لأوكرانيا، قضت سنواتٍ تبحث عن مبرّراتٍ لتتجنّب اتّخاذ أيّ إجراءٍ ضدّ إسرائيل. الرسالة التي يُرسلها الاتحاد الأوروبي لا تحتاج إلى تفسير: بعض الانتهاكات لا تُحتمل، وبعضها الآخر مجرّد أمرٍ مؤسف».

شاهد ايضاً: إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز ترفضاً لنقل اليورانيوم

قبل عقودٍ، صاغ وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق Abba Eban مقولةً شهيرة لوصف موقف الفلسطينيين من الحوار: «إنّهم لا يُفوّتون أبداً فرصةً لتفويت الفرصة». واليوم، يمكن إعادة توظيف هذه المقولة لتنطبق تماماً على سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الشرق الأوسط: «إنّهم لا يُفوّتون أبداً فرصةً لتفويت الفرصة... في تقديم سياسةٍ خارجية موثوقة ومتماسكة، خاليةٍ من الازدواجية في المعايير، وفيّةٍ لمبادئها المُعلنة».

ما قد لا يظهر في العنوان هو الثمن الاستراتيجي الحقيقي لهذا الإخفاق: فالاتحاد الأوروبي لا يخسر فقط مصداقيته في الشرق الأوسط، بل يُسرف في استهلاك رصيده من القوة الناعمة الذي بنته عقودٌ من الالتزام بالقانون الدولي وهو رصيدٌ لا يُعاد بناؤه بسرعة. أوروبا كتبت صفحةً أخرى حزينة في سجلّ غيابها المُثير للاستغراب عن المشهد العالمي.

أخبار ذات صلة

Loading...
مجموعة من الجنود الإيرانيين خلال حرب إيران والعراق، يقفون في حقل أخضر، مع خلفية جبلية، يعكسون روح المقاومة والصمود في تلك الفترة.

إرث الحرب الإيرانية العراقية: دروسٌ تشكّل سياسة إيران اليوم

في خضم صراع إيران والعراق، تتجلى دروسٌ عميقة حول العزلة. كيف شكلت الحرب هوية النظام الإيراني؟ اكتشفوا كيف أثرت تلك التجارب على استراتيجيات اليوم. تابعوا القراءة لتفهموا المزيد عن تأثير التاريخ على الحاضر .
Loading...
صورة لشي جين بينغ، الرئيس الصيني، أمام خلفية حمراء تحمل شعار الحزب الشيوعي، تعكس السياسة الخارجية الصينية ومبدأ عدم التدخل.

تسليح إيران: لماذا التكهنات الغربية تفتقد الأساس

بينما تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تتجلى حقائق مثيرة حول دور الصين في الصراعات الإقليمية. هل حقًا تدعم بكين إيران عسكريًا؟ اكتشفوا الأسباب وراء هذا الادعاء وكيف تتجنب الصين الانزلاق في صراعات الآخرين. تابعوا القراءة!
Loading...
شخصيات تتجمع لمشاهدة نشرة إخبارية على شاشة تلفاز تعرض أخبارًا عن إيران والولايات المتحدة، مع العلم بأن الهدنة قد تُعقد في إسلام آباد.

هل تنهي محادثات إسلام آباد 48 عاماً من العداء بين واشنطن وطهران؟

بعد 40 يوماً من الصراع العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تبرز هدنة أسبوعين كعلامة فارقة. هل تمثل هذه الهدنة بداية حوار جدي أم مجرد استراحة مؤقتة؟ انضم إلينا لاستكشاف الأسباب وراء هذا التحول الدراماتيكي.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية