هدنة أمريكا وإيران بين الأمل والواقع الصعب
تتساءل المقالة عن مدى صمود الهدنة الأمريكية الإيرانية في ظل التوترات المتزايدة. تستعرض تأثير الحرب على الاقتصاد الإيراني والضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة، مع تحليل عميق للوضع الراهن. اكتشف التفاصيل الآن!

-هشاشةٌ وأمل: هل تصمد الهدنة الأمريكية الإيرانية أمام اختبار الواقع؟
تمثّل الهدنة التي بدأت في 8 أبريل بين إيران والولايات المتحدة انفراجاً دبلوماسياً من جهة، واختباراً حقيقياً لإمكانية التوصّل إلى اتفاق دائم يُنهي هذه الحرب المدمّرة من جهة أخرى.
يُقيّم الرئيس الأمريكي Donald Trump، الذي أطلق الحرب إلى جانب إسرائيل، مدى استعداد إيران لفتح مضيق هرمز، واستئناف تدفّق النفط، والوصول في نهاية المطاف إلى اتفاق يستطيع تقديمه انتصاراً يحفظ ماء وجهه.
كشف تقرير نشرته صحيفة New York Times عن الكيفية التي أقنع بها الإسرائيليون Trump بالدخول في حرب مع إيران، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu "حدّد شروطاً قدّمها على أنها تُشير إلى نصرٍ شبه مؤكّد: يمكن تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية في غضون أسابيع قليلة، وسيكون النظام مُنهَكاً لدرجة تعجزه معها عن إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن أن احتمال توجيه إيران ضربات لمصالح أمريكية في الدول المجاورة كان يُقدَّر بأنه ضئيل للغاية".
وأضاف التقرير نقلاً عن تقييم جهاز الموساد أن "الاحتجاجات الشعبية داخل إيران ستعود للاندلاع، وأن حملة قصف مكثّفة تُغذّيها مساعدة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في تأجيج أعمال الشغب والتمرّد يمكن أن تُهيّئ الظروف لإسقاط النظام على يد المعارضة الإيرانية".
واللافت أنه بعد ستة أسابيع من الحرب، وعقب حملة قصف مكثّفة، وفيما كان Trump يُهدّد إيران بمحو حضارتها إن لم تستسلم في غضون ساعات في 7 أبريل، كان البيت الأبيض في الوقت ذاته يحثّ باكستان على الوساطة لتحقيق وقف إطلاق النار، وفق ما أفادت به صحيفة Financial Times.
شاهد ايضاً: غزة وإيران: هل يكرّر التاريخ نفسه؟ نتنياهو وترامب والدروس المنسيّة من الحرب العالمية الثانية
في كل الأحوال، تبقى الحملة العسكرية الأمريكية التي أخفقت في تحقيق أي هدف استراتيجي واضح نموذجاً صارخاً على نظرية العالم Robert Jervis حول كيف تنشأ الحروب من خلال سوء تقدير القادة.
على الجانب الإيراني، جاء إصرار المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لقي حتفه في الموجة الأولى من الضربات في 28 فبراير على تخصيب اليورانيوم بثمنٍ باهظ للغاية. فوفقاً لحسين سلاحورزي، الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية، أدّت العقوبات إلى استنزاف ما يقارب 1.2 تريليون دولار من الاقتصاد الإيراني بين عامَي 2011 و2022.
وقد ثبت أن التخصيب لم يُجدِ رادعاً، ولم يُسهم في توليد الكهرباء، ولم يُفضِ في نهاية المطاف إلى امتلاك سلاح نووي.
الاضطراب الاقتصادي
تكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة جرّاء الحرب. فقد أشارت دراسة صادرة عن موقع تابع للتلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن 70 بالمئة من صناعتَي الصلب والبتروكيماويات في البلاد قد تضرّرتا. وتُصنَّف إيران ضمن أكبر 10 منتجين للصلب في العالم، ما يجعل حجم هذا الاضطراب بالغ الأثر.
تُغذّي هذان القطاعان آلاف الصناعات المرتبطة بهما، وقد يُلقي تعطّلهما بظلاله على ملايين فرص العمل. كذلك تضرّر الاقتصاد الرقمي بشدّة، لا سيما في أعقاب الإغلاق الشامل للإنترنت الذي فُرض فور اندلاع الحرب.
الضغوط تطال الأمريكيين أيضاً. فقُبيل الإعلان عن الهدنة، قفزت أسعار النفط الفوري إلى مستويات قياسية اقتربت في بعض الحالات من 150 دولاراً للبرميل. وتأرجح Trump بين الإنكار إذ ادعى أن "أمريكا لا تحتاج إلى نفط، فلديها ما يكفيها"، في حين تستورد الولايات المتحدة فعلياً نحو ستة ملايين برميل يومياً،والتصعيد الصريح، الذي تجلّى في مطالبته إيران بفتح المضيق، وتحذيراته بأن "الحضارة الإيرانية ستموت".
ومع ارتفاع أسعار النفط، ازدادت تكلفة الوقود في الولايات المتحدة بنسبة 35 بالمئة منذ بداية الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً في الانتخابات المقبلة. وأفادت Politico بتنامي مخاوف الجمهوريين من ردّ فعل الناخبين على خلفية ضغوط تكاليف المعيشة، حيث قال أحد المقرّبين من البيت الأبيض: "هذه الحرب في إيران تكاد تُرسّخ حقيقة أننا سنخسر انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر مجلسَي الشيوخ والنواب معاً".
وقد يُفسّر ذلك جزئياً حدّة غضب Trump المتصاعدة. ففي مثل هذا السيناريو، يملك مجلس النواب صلاحية إطلاق إجراءات العزل، فيما يتطلّب إتمامه أغلبية ثلثَي أعضاء مجلس الشيوخ. وقادة الحزب الديمقراطي واستراتيجيّوه يدرسون علناً سيناريوهات العزل في حال استعادتهم السيطرة على الكونغرس.
وتمتدّ تداعيات هذه الحرب لتتخطّى الضغوط الاقتصادية الآنية؛ إذ يمكن أن تُسرّع وتيرة التضخّم، وتُرغم بنك الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يرفع تكاليف الاقتراض في شتى القطاعات من الرهن العقاري إلى بطاقات الائتمان ويُبطئ النموّ الاقتصادي في المحصّلة.
شاهد ايضاً: إيران: أحزاب كردية معارضة في المنفى ترفض الهدنة
وبحسب تحليل نشرته Bloomberg، فإن منظومة البترودولار تتعرّض لضغوط متزايدة، إذ دفعت أسعار النفط المرتفعة بعض الدول المستوردة إلى بيع سنداتها الخزينة الأمريكية للحصول على السيولة الدولارية، فيما يُعيد المُصدِّرون تدوير قدرٍ أقلّ من عائدات البترودولار في الأصول الأمريكية.
والسؤال الملحّ الآن: هل تستطيع هذه الهدنة ذات الأسبوعَين أن تُفضي إلى اتفاق سلام وإنهاء دائم للحرب؟
Netanyahu تحت الضغط
تبرز إسرائيل بوصفها أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية. فبعد وقتٍ قصير من الإعلان عن الهدنة، صرّح Netanyahu بأن وقف إطلاق النار لن يُمثّل نهاية الحملة الإسرائيلية على إيران، قائلاً: "نحن مستعدّون للعودة إلى القتال في أي لحظة تستدعي ذلك. أصابعنا على الزناد."
وبعد ساعاتٍ قليلة فحسب، شنّت إسرائيل 100 غارة في غضون 10 دقائق على لبنان، قد استشهد فيها أكثر من 300 شخص وخلّفت 1100 مصاب. وقد أدانت الأمم المتحدة هذه الضربات ووصفتها بأنها "مروّعة".
يواجه Netanyahu اليوم ضغوطاً من جبهتَين: أولاهما أن شرائح من وسائل الإعلام الإسرائيلية صوّرته خاسراً للحرب وعاجزاً عن تحقيق أهدافه الرئيسية، ولا سيما إسقاط الحكومة الإيرانية. وثانيتهما، كما أشارت إليه صحيفة Haaretz، أن الشروط التي تُرسي الهدنة "قد تُعزّز النظام الإيراني الحالي وتُقيّد الحملة الإسرائيلية على حزب الله".
وحين هدّدت إيران بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً انتقاماً للضربات الإسرائيلية على لبنان الذي تعتبره جزءاً لا يتجزّأ من إطار الهدنة تمسّك Netanyahu، بدعمٍ من Trump ونائب الرئيس JD Vance، بأن الاتفاق لا يشمل لبنان. ولا شكّ أن Netanyahu يمتلك القدرة على تعقيد مسار التهدئة، وهو يُدرك ذلك جيّداً.
في المقابل، أعلنت باكستان صراحةً أن اتفاق الهدنة يسري على لبنان، حيث أشار رئيس الوزراء Shehbaz Sharif إلى أن إيران والولايات المتحدة، "إلى جانب حلفائهما، اتفقتا على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وسواه". وبحسب تقرير لصحيفة New York Times، فإن البيت الأبيض كان "منخرطاً مباشرةً" في صياغة تصريحات Sharif بشأن هذه المسألة.
وأفادت التقارير لاحقاً بأن Trump قال: "تحدّثت مع بيبي وسيُخفّف من حدّة التصعيد. أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون أكثر هدوءاً بعض الشيء" وهو ما يُترجم في جوهره إلى ضغطٍ دبلوماسي لوقف العمليات العسكرية.
يبقى Trump اليوم العامل الأكثر حسماً في تحديد إمكانية تحقيق سلامٍ دائم. والاختبار الحقيقي هو إجبار إسرائيل على وقف ضرباتها في لبنان؛ فإن أهملت الإدارة هذا الملف، فلن تكون ثمّة فرصة تُذكر لصمود الهدنة.
شاهد ايضاً: الحرب على إيران: كيف يشكل الغرب حقبة بائسة
سيراقب المراقبون عن كثب ما إذا كان Trump قادراً على كبح جماح Netanyahu في سعيه للتوصّل إلى تسوية مع إيران، بينما يحثّ Vance على مفاوضات بحسن نيّة. الرهانات ضخمة لكلا الطرفَين، وعلى الرغم من الطريق الوعر المحفوف بالعقبات، فإن التوصّل إلى اتفاق يشبه المعجزة لا يزال ممكناً.
أخبار ذات صلة

الحرب على إيران: لماذا لا تستطيع مصر اختيار طرفاً

حصار هرمز من ترامب: هدفٌ في مرماه الخاص بحرب إيران
