وورلد برس عربي logo

فلسطين في قلب الصراع الإقليمي المتجدد

تتعمق المقالة في تأثير الصراع الإقليمي على القضية الفلسطينية، مشيرةً إلى تهميش فلسطين في ظل الأحداث المتسارعة. تناقش ضرورة إعادة تقييم الاستراتيجيات السياسية، وتبرز حل الدولة الواحدة كخيار عادل ومستدام لمستقبل فلسطين.

نساء فلسطينيات يقفن على أنقاض مبنى مدمّر، يحملن علم فلسطين، مما يعكس تأثير النزاع المستمر على المجتمع الفلسطيني.
علم فلسطيني يتدلى من مبنى دمرته القصف الإسرائيلي في خان يونس، جنوب قطاع غزة، 2 ديسمبر 2025 (بشار طالب/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ إعلان ما يُسمّى بوقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل في أكتوبر 2025 الذي انتُهك أكثر من 2000 مرة ومنذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير، باتت فلسطين تُهمَّش تدريجياً من مركز الاهتمام الدولي في مشهدٍ يزداد تعقيداً.

حين أعلنت الولايات المتحدة وإيران هدنةً لأسبوعين في 8 أبريل، شنّت إسرائيل في الوقت ذاته أوسع موجة ضربات على لبنان، أودت بحياة ما لا يقلّ عن 303 شهيد. وفي غزة، كانت قد قصفت القطاع في 36 يوماً من أصل 40 يوماً سابقة، ما أسفر عن استشهاد ما لا يقلّ عن 736 فلسطينياً منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر وحده.

في اليوم نفسه، حذّرت لجنة التحقيق الأممية من أنّ الحرب على إيران قد طغت على تصاعدٍ خطير في انتهاكات حقوق الإنسان بحقّ الفلسطينيين.

شاهد ايضاً: نتنياهو يكشف عن تلقيه علاجاً من سرطان في مراحله الأولى

هذا هو حصاد مسارٍ سياسي مدروس، يعمل على إعادة تأطير المشهد من قِبَل مهندسيه الذين يُقدّمون عسكرتهم المتوحّشة في المنطقة باعتبارها حرباً ضدّ الانتشار النووي ودفاعاً عن النظام الدولي. بيد أنّ هذا التأطير لا يعدو كونه غطاءً لوظيفته الحقيقية: استراتيجية إمبريالية أشمل تستهدف إعادة هيكلة المنطقة وترسيخ النظام الصهيوني الإبادي بوصفه قوّةً مهيمنة عليها.

ويسير بالتوازي مع ذلك مسارٌ سياسي مقصود، يتمثّل في تعميق التطبيع بين إسرائيل والأنظمة العربية. ويُشكّل هذان المساران معاً استراتيجيةً متماسكة الأركان، غايتها الفعلية دفن الحقّ الفلسطيني في تقرير المصير.

وفلسطين في صميم هذه المواجهة. فرئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu يُقدّم باستمرار العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان وإيران باعتباره حملةً واحدة، يسعى فيها النظام إلى إقامة «أحزمة أمنية» على الجبهات الثلاث. وعلى المنوال ذاته، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي Israel Katz بأنّ مصير غزة سيتحدّد بنتيجة الحرب على إيران وحلفائها وهو اعترافٌ استراتيجي يربط مستقبل فلسطين بتلك الحرب بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أعلن أخيراً أنّ قرى جنوب لبنان ستُدمَّر وفق «نموذج رفح وخان يونس» في غزة.

شاهد ايضاً: اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن، في سوريا

وقد أطّرت القيادة الإيرانية بدورها هذه المواجهة بوصفها تتجاوز حدود الدفاع عن النفس، معلنةً التزامها بالقضية الفلسطينية جزءاً من مسوّغات الحرب، مما يعكس مدى انغراس فلسطين في موازين القوى الإقليمية.

ومهما تكن تناقضات النظام الإيراني، فإنّ استهدافه المتواصل من قِبَل التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يمكن فصله عن موقعه السياسي في ما يتعلّق بفلسطين وتحدّيه للهيمنة الأمريكية.

من هنا، فما يجري اليوم هو مسرحٌ واحد متوسّع من الصراع، تقف فيه فلسطين هدفاً مركزياً وخطّاً فاصلاً حاسماً في آنٍ معاً.

شاهد ايضاً: المستوطنون الإسرائيليون يتوغّلون في سوريا ولبنان ويدعون لإقامة مستوطنات جديدة

يستوجب هذا الواقع إعادة تقييم جذرية للقضية الفلسطينية لا بوصفها نزاعاً محلياً، بل ركيزةً أساسية في مواجهةٍ إقليمية وعالمية أشمل، تطرح أسئلةً استراتيجية ملحّة أمام النخب والقيادات والناشطين الفلسطينيين في لحظةٍ بالغة الاضطراب وحربٍ مفتوحة النهايات.

ضرورة الدولة الواحدة

عادت مسألة حلّ الدولة الديمقراطية الواحدة إلى صدارة الفكر السياسي الفلسطيني، مدفوعةً بأزمةٍ هيكلية عميقة وبالقناعة بأنّها الحلّ الأكثر عدلاً وديمومة.

فانهيار نموذج الدولتين، وتشرذم الحركة الوطنية الفلسطينية، والحرب الإبادية على غزة، دفعت مجتمعةً نحو إعادة النظر في الاستراتيجية والأفق السياسي.

شاهد ايضاً: الجنود الإسرائيليون ينهبون منازل لبنانية على نطاق واسع

غير أنّ النخب الفلسطينية لم تتوصّل بعد إلى توافقٍ حول كيفية المضيّ قُدُماً من هذه اللحظة نحو ما يشبه ما صاغته منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) في أعقاب النكبة، حين تطوّر برنامجها السياسي القائم على العودة والتحرير إلى رؤية دولةٍ علمانية ديمقراطية واحدة.

وقد أدخل العدوان الأمريكي الصهيوني على المنطقة متغيّراً جديداً بالغ الأهمية. فسواءٌ أسفرت الحرب على إيران عن إضعاف القوى المناهضة للهيمنة الإسرائيلية أم عن تعزيزها، فإنّ ذلك سيُلقي بظلاله المباشرة على جدوى أيّ مشروعٍ سياسي في فلسطين وتوقيته ومساره بما في ذلك حلّ الدولة الواحدة.

ومن الجليّ أنّ فلسطين تقع في صميم الحرب غير المشروعة والوحشية على إيران. فالتحالف الإمبريالي ينظر إلى إيران باعتبارها العقبة الأخيرة أمام تصفية القضية الفلسطينية وإرساء الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية الكاملة على المنطقة.

شاهد ايضاً: العنف الجنسي من المستوطنين والجنود الإسرائيليين يُسرّع نزوح الفلسطينيين

وحتى بعد الهدنة الأمريكية الإيرانية المُعلنة، أوضحت إسرائيل أنّها تعتزم خوض حروب لا نهاية لهاضدّ كلّ من يهدّد طموحاتها التوسّعية.

تبقى نتيجة المواجهة مع إيران رهينة الغموض، وقد تُعيد تشكيل البيئة الإقليمية بأساليب تُضيّق الخيارات الاستراتيجية الفلسطينية أو توسّعها. وثمّة توافقٌ بين المحلّلين والخبراء على أنّ المعتدين الإمبرياليين وقعوا في فخّ حرب اختاروها بأنفسهم، فيما يدافع النظام الإيراني والمجتمع الإيراني عن وجودهما في حرب فُرضت عليهما.

وللشعب الإيراني الحقّ في أن يعيش ويزدهر في وطنٍ حرٍّ ديمقراطي، بمنأى عن التهديدات والعدوان المتواصل من القوى الاستعمارية الإقليمية والدولية، التي تتظاهر بالدفاع عن الإيرانيين بينما تُمطر بنيتهم التحتية المدنية بالدمار.

سيناريوان محتملان

شاهد ايضاً: إسرائيليون يفجّرون منزلاً في جنوب لبنان "تكريماً" لجندي قتيل

إن أخفقت الحملة الأمريكية الإسرائيلية، سواءٌ على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، فمن المرجّح أن تترتّب على ذلك جملةٌ من النتائج: تآكل قدرة الردع الأمريكية الإسرائيلية، وفقدان ملوك الخليج ثقتهم بالولايات المتحدة ضامنةً لأمنهم مما قد يدفعهم إلى التراجع عن التطبيع مع إسرائيل، وتعزيز مكانة الأطراف الإقليمية الرافضة للهيمنة الإسرائيلية.

في سياقٍ كهذا، قد يكتسب النضال الفلسطيني عمقاً استراتيجياً ورافعةً تفاوضية. ويصبح حلّ الدولة الواحدة بوصفه إطاراً شاملاً لإنهاء الاستعمار أكثر قابليةً للتحقيق مشروعاً طويل الأمد ذا مصداقية، يتوافق مع موازين القوى المتحوّلة.

كما أنّ تراجع النظام الهيمني سيُسرّع التحوّلات العالمية نحو التعددية القطبية، فاتحاً آفاقاً دبلوماسية وقانونية جديدة أمام المطالب الفلسطينية. وقد يُعيد رسم العلاقة بين الأنظمة العربية وشعوبها التي قُمعت تطلّعاتها في العدالة والحرية بالقوّة.

شاهد ايضاً: مستوطنون إسرائيليون يقتلون طالباً وفلسطينياً آخر في هجوم على مدرسة برام الله

في المقابل، إن نجحت الحملة في إضعاف إيران إضعافاً جوهرياً، فستكون التداعيات على الفلسطينيين وخيمة. سترسخ الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية مع استمرار الإفلات من العقاب على الجرائم الإبادية. وسيواجه المقاومون الفلسطينيون مزيداً من التهميش، مطوِّلاً معاناة الفلسطينيين واللبنانيين وسائر الشعوب العربية. وسيتعمّق التطبيع والتحالف الاستبدادي في المنطقة العربية، مُجهضاً أيّ أفقٍ للعدالة أو سلامٍ حقيقي.

في ظلّ هذه الشروط، قد تجد الحركة الفلسطينية نفسها في عزلةٍ متزايدة وقمعٍ متصاعد، فيما تنحاز موازين القوى بشكلٍ حاسم لصالح نظام الفصل العنصري الاستعماري مما قد يُمهّد لمزيدٍ من الضمّ والتهجير وترسيخ الأبارتهايد.

حتى في هذه الحالة، فإنّ القضية الفلسطينية والحقّ في تقرير المصير لن يزولا.

شاهد ايضاً: غارات إسرائيلية على قوات الأمن بغزة عقب هجوم عناصر مسلحة

ينبغي إعادة تأكيد حلّ الدولة الواحدة بوصفه أفقاً تحرّرياً بعيد المدى، حتى حين يبدو أقلّ قابليةً للتحقيق على المدى المنظور، فيما يُقدّم الفلسطينيون الصمود والمقاومة الشعبية والحفاظ على الهوية الوطنية والوحدة. ولا يمكن تفادي الاستسلام السياسي إلا بالحفاظ على وضوح الرؤية.

إعادة بناء الحركة

بصرف النظر عن الديناميكيات الإقليمية، يبقى التحدّي الجوهري داخلياً: أزمة التمثيل الفلسطيني. فغياب قيادةٍ موحّدة وديمقراطية يُقوّض كلّ الرؤى الاستراتيجية، سواءٌ تعلّق الأمر بالدولة الواحدة أو بغيرها.

وإعادة بناء الحركة الوطنية تستلزم إعادة تأسيس إطارٍ سياسي تمثيلي، يضمّ الفاعلين الشعبيين وأبناء الشتات ومنظمات المجتمع المدني، ويُعيد إحياء برنامجٍ سياسي ذي توجّه تحرّري.

شاهد ايضاً: القوات الإسرائيلية تحاصر احتجاج طلابي فلسطيني بعد منع الوصول للمدرسة

يمكن لحلّ الدولة الواحدة أن يُشكّل سرديةً جامعة، لكن شريطة أن يكون مُدمجاً في مسارٍ أشمل من التجديد السياسي، مقروناً باستراتيجية مقاومة مفصّلة تأخذ في الحسبان قدرة الشعب على التحمّل.

وتغدو المقاومة الشعبية المدنية، داخل فلسطين وخارجها، محوريةً في هذا السياق. ويمثّل الدعوة المستمرّة للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) استراتيجيةً قانونية ومشروعة وفعّالة. وستشمل المقاومة المدنية كلّ الجغرافيات الفلسطينية، بما فيها الفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1948. كما سيتمكّن اليهود المناهضون للاستعمار من الانخراط في استراتيجية مقاومةٍ مشتركة، في مقابل نموذج التعايش المُضلّل.

في نظامٍ إقليمي وعالمي يشهد تحوّلات متسارعة، ما هو على المحكّ ليس مصير مشروعٍ سياسي فحسب، بل مستقبل فلسطين ذاتها.

شاهد ايضاً: الضربة الإسرائيلية تقتل أكاديمية فلسطينية في لبنان

فالحرب على إيران ليست مواجهةً معزولة، بل جزءٌ من هجومٍ إمبريالي أشمل يستهدف ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية وتعميق التطبيع مع الأنظمة العربية وإغلاق أيّ أفقٍ لتقرير المصير الفلسطيني.

وحلّ الدولة الديمقراطية الواحدة رؤيةٌ استراتيجية ضرورية تصون النزاهة السياسية والأخلاقية للنضال الفلسطيني. إنّ التخلّي عنها تحت وطأة الضغط والهزيمة يعني الاستسلام قبولاً بالتشرذم والخضوع والتجريد الدائم من الحقوق.

ومقاومة ذلك تستلزم حركةً وطنية تُصرّ على أنّ النضال ليس من أجل حقوقٍ جزئية أو حكمٍ ذاتي مُدار، بل من أجل التحرّر الكامل من الاستعمار والمساواة والعدالة التاريخية.

شاهد ايضاً: إسرائيل وعجزها عن هزيمة حزب الله

بهذا المعنى، يبقى حلّ الدولة الواحدة ضرورةً لا غنى عنها بوصلةً سياسية في لحظة تشرذمٍ وحربٍ إمبريالية: التزاماً بمستقبلٍ لا تُمحى فيه فلسطين ولا تُستتبع، بل تتحرّر تحرّراً كاملاً في ظلّ نظامٍ ديمقراطي يقوم على المساواة بين جميع من يعيشون على أرضها.

أخبار ذات صلة

Loading...
صحفية لبنانية تحمل ميكروفون، تبتسم في حقل زراعي، مع خلفية من الأشجار والتلال، تعكس مشهد الحياة اليومية في لبنان.

إسرائيل تستهدف صحفية لبنانية رغم الهدنة

في ظل تصاعد العنف، أودت غارة جوية إسرائيلية بحياة الصحفية آمال خليل، مما أثار استنكاراً دولياً واسعاً. هل ستبقى هذه الجرائم بلا عقاب؟ تابعوا تفاصيل الحادثة المأساوية التي تعكس واقع الصحافة في مناطق النزاع.
الشرق الأوسط
Loading...
الحاخام زاربيف مبتسمًا أمام جرافة عسكرية، مع خلفية من المباني المدمّرة، يعكس دوره في هدم المنازل خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.

الحاخام الذي أصبح وجهاً لإبادة غزة يُكرّم في عيد استقلال إسرائيل

في قلب الجدل الإسرائيلي، يبرز الحاخام Avraham Zarbiv كشخصية مثيرة للجدل، حيث تم تكريمه في احتفالية يوم الاستقلال رغم انتهاكه لحقوق الفلسطينيين. اكتشف المزيد عن قصته المثيرة للجدل وتأثيرها على المجتمع.
الشرق الأوسط
Loading...
جندي إسرائيلي يستخدم مطرقة هوائية لتحطيم تمثال للسيد المسيح في قرية دبّل بجنوب لبنان، مما أثار ردود فعل غاضبة على الإنترنت.

جندي إسرائيلي يحطّم تمثال المسيح في لبنان

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صورة لجندي إسرائيلي يحطم تمثال المسيح في لبنان، مما أثار موجة غضب عالمية. كيف ستؤثر هذه الحادثة على صورة إسرائيل في الغرب؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
رجل يجلس على الأرض في غزة، يبدو عليه القلق والتفكير، بينما خلفه مجموعة من الرجال يجلسون في انتظار. تعكس الصورة التوتر والضغط في سياق المفاوضات السياسية.

حماس ترفض خطة نزع السلاح وانتهاكات إسرائيلية تعطّل المسار

في قلب الأزمات المتصاعدة، ترفض حركة حماس مقترح نزع السلاح المدعوم أمريكياً، معتبرةً إياه فخاً يهدد استقرار غزة. تعرّف على التفاصيل الكاملة وراء هذا الرفض. تابعنا لمزيد من المعلومات.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية