وورلد برس عربي logo

بطل الإنسانية في مستشفى تحت القصف بالسودان

في مستشفى النهضة، يواجه الدكتور جمال الطيّب تحديات مروّعة لإنقاذ الأرواح وسط الحرب في السودان. رغم القصف ونقص الإمدادات، يظل مخلصًا لمرضاه. تعرف على قصته الملهمة وكيف يواصل العمل في ظروف لا تُحتمل.

مشهد من مستشفى النهضة في أم درمان، يظهر مجموعة من الرجال والنساء عند مدخل المستشفى، مع وجود لافتات تحذيرية.
يترقب المرضى في مستشفى النعمة بأم درمان، على أطراف الخرطوم، يوم السبت، 18 أبريل 2026.
غرفة عمليات في مستشفى النهضة بأم درمان، حيث يقوم الجراح الدكتور جمال الطيب بإجراء عملية جراحية على مريض، وسط فريق طبي يرتدي معدات الوقاية.
يجري الدكتور جمال الطيب عملية جراحية لمريض في مستشفى النور بأم درمان، في ضواحي الخرطوم، يوم الاثنين 20 أبريل 2026.
طفلة تبكي أثناء تلقي العلاج في مستشفى النهضة بأم درمان، بينما تراقبها شقيقتها وامرأة أخرى، وسط أجواء من الضغط الطبي.
ممرضة تضع ضمادة على مريض شاب أصيب بانفجار ذخيرة غير منفجرة في مستشفى النعمة بأم درمان، في ضواحي الخرطوم، يوم السبت، 18 أبريل 2026.
الدكتور جمال الطيّب يجري فحصًا لمريض في مستشفى النهضة بأم درمان، مع وجود معدات طبية وأجواء تعكس تحديات الحرب.
الدكتور جمال الطيب يفحص مريضًا في مستشفى النور بأم درمان، في ضواحي الخرطوم، يوم السبت، 18 أبريل 2026.
غرفة عمليات في مستشفى النهضة بأم درمان، تظهر الفوضى والأضرار، مع أدوات طبية مبعثرة، بينما يقف شخص يحمل مصباحًا.
يمشي حارس في قسم متضرر من الحرب في مستشفى الشعبي في الخرطوم، يوم السبت، 18 أبريل 2026.
التصنيف:العالم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مستشفى النهضة بأمّ درمان، كان الدكتور جمال الطيّب يواجه كلّ يومٍ أسئلةً لا تحتمل إجاباتٍ سهلة: من يُنقَذ ومن يُترَك؟ هل يُجري العملية الجراحية دون الأدوية اللازمة إذا كان ذلك قد يُنقذ حياةً إنسانية؟ ومن أين يأتي بالوقود ليُبقي أضواء المستشفى مضاءة؟

على مدى ثلاث سنوات، كانت الحرب في السودان تشتعل من حوله، ولم يكن ثمّة سوى قرارٍ واحد لم يتردّد فيه لحظةً واحدة: الاستمرار في العمل.

جرّاح العظام هذا كان يقود مستشفى النهضة في أمّ درمان، على مشارف الخرطوم، في الوقت الذي كانت فيه السيطرة على المنطقة الحضرية تتنقّل بين الجيش السوداني وقوّات الدعم السريع شبه العسكرية. ومع اقتراب خطوط المواجهة وامتلاء المستشفى بالمرضى فوق طاقته، فقد بعض الزملاء أعصابهم وغادروا.

شاهد ايضاً: بيلاروس تفرج عن الصحفي أندريه بوتشوبوت في تبادل أسرى

بقي الطيّب، ذو الصوت الهادئ والطباع الرزينة، واحداً من القلائل النادرين من الجرّاحين الذين لم يغادروا. بقي حتى حين قُصف المستشفى أكثر من مرّة. وبقي حتى حين نفدت معظم المستلزمات الطبية.

قال: "وازنتُ بين خيار البقاء هنا والاعتناء بمرضاي ومساعدة الآخرين الذين يحتاجون إلى جرّاح ماهر، وبين أن أختار سلامتي الشخصية."

هو واحدٌ من سودانيّين لا يُحصَون أسهموا في إبقاء الحياة مستمرّة بينما يتطلّع العالم في معظمه إلى مكانٍ آخر، مشغولاً بنزاعات الشرق الأوسط وأوكرانيا. رأى الطيّب الجثث التي تقف وراء تقديرات عشرات الآلاف من الشهداء، وعاش معنى ما يقوله الأمم المتحدة حين تُحذّر من أنّ المنظومة الصحية في بلاده على حافّة الانهيار يوماً بيومٍ، وساعةً بساعة.

شاهد ايضاً: بحّارة عالقون في الخليج: أسابيع من الإرهاق والقلق

ما يقارب 40% من مستشفيات السودان لم تعد تعمل. كثيرٌ منها جُرِّدت من معدّاتها أو تحوّلت إلى قواعد للجماعات المسلّحة. استعاد الجيش السوداني منذ ذلك الحين السيطرة على العاصمة، ولا يزال مستشفى النهضة أحد المرافق الصحية القليلة العاملة في المنطقة.

عمليات جراحية على أرضية المستشفى

حين جال الطيّب، البالغ من العمر 54 عاماً، في أرجاء المجمّع الطبي، كان يرى بقايا أشدّ أشهر حياته قسوةً.

هناك نافذةٌ أصابتها شظايا القصف فأردت قريبَ أحد المرضى قتيلاً. وفي الفناء الداخلي، الخيمة الأخيرة التي لا تزال واقفة من بين الخيام العديدة التي نُصبت في ذروة الصراع لاستيعاب أعداد الجرحى الغفيرة.

شاهد ايضاً: رغم الحرب الروسية على المدن الأوكرانية لا يزال الناس يتجمعون للوقفة الاحتجاجية في منتصف الليل بشأن تشيرنوبيل

قال: "كنّا نعمل في كلّ مكان، في الخيام، في الخارج، على الأرض، نفعل كلّ شيءٍ لإنقاذ أرواح المرضى."

هذا العمل أهّل الطيّب لنيل جائزة Aurora Prize for Awakening Humanity بقيمة مليون دولار، التي تُكرّم الأفراد الذين يُخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين. وقد تبرّع بجزءٍ من المبلغ لمنظّمات طبية وإنسانية حول العالم.

قبل الحرب، كان مستشفى النهضة بحسب ما أفاد به العاملون فيه مرفقاً هادئاً تظلّ أسرّته التي تناهز المئة شاغرةً في معظم الأوقات. لكن حين اندلع القتال في الخرطوم وسيطرت قوّات الدعم السريع على مساحاتٍ واسعة من المدينة، تدفّق المرضى إليه بأعداد غير مسبوقة.

شاهد ايضاً: سباق الأمين العام: أربعة مرشحين يسعون لتمييز أنفسهم مع اشتداد المنافسة

أغلق مستشفى الطيّب الخاص أبوابه بُعيد اندلاع الحرب في أبريل 2023، فانتقل إلى مستشفى النهضة. وبحلول يوليو، كان معظم الكادر الطبي قد فرّ، تاركاً إياه مسؤولاً وحده عن إدارة المكان.

ناضل الطيّب مع حفنةٍ من الموظّفين والمتطوّعين للإبقاء على المستشفى في حالة عمل. انقطعت الكهرباء لأسابيع، وبات المستشفى يعتمد على الجيش لتأمين الوقود اللازم للمولّدات. ونفدت الأدوية كالمضادّات الحيوية والمسكّنات.

"من تلك اللحظة، عرفنا أنّنا هدف"

في أغسطس، بعد شهرٍ واحد من تولّي الطيّب قيادة المستشفى، تعرّض المبنى للقصف للمرّة الأولى.

شاهد ايضاً: روسيا تقصف دنيبرو الأوكرانية.. 5 قتلى و 40 جريحاً وامرأة واحدة قتلت في الأراضي الروسية

قال: "من تلك اللحظة، عرفنا أنّنا هدف... ومن ذلك الوقت، لم يتوقّفوا عن استهدافنا." وقد ضربت قوّات الدعم السريع المستشفى ثلاث مرّاتٍ أخرى بعد ذلك.

تداعى كلّ شيءٍ كان يُشبه الحياة الطبيعية. الطيّب، أبٌ لثلاثة أطفال، كان يجلس في مكتبه يوزّع الحلوى على موجاتٍ متتالية من المرضى والعاملين يتنافسون على استقطاب انتباهه.

كانت القرارات تكاد تستحيل. في يومٍ بالغ القسوة من أواخر عام 2024، سارع هو وفريقه إلى فرز أكثر من 100 جريح في أعقاب ضربةٍ استهدفت سوقاً مجاوراً. استشهدثمانيةٌ منهم .

شاهد ايضاً: محكمة كوسوفو تحكم بالسجن المؤبد والمؤقت على صرب بتهم اشتباكات 2023

قال: "تختار... كأنّك تستطيع أن تختار من سيعيش ومن سيموت."

ولم يكن ذلك اليوم قد بلغ ذروة قسوته بعد. اضطرّ الطيّب إلى اتّخاذ قرار بتر أطراف أطفالٍ دون تخدير كامل، لأنّهم كانوا ينزفون بشدّة ولم يكن ثمّة وقتٌ لنقلهم إلى غرفة العمليات.

باستخدام التخدير الموضعي، بتر ذراع ولدٍ يبلغ 9 سنوات وساقه، وبتر ساق أخته البالغة 11 عاماً.

شاهد ايضاً: قوة هايتي الجديدة لمكافحة العصابات تتجاوز التوقعات المالية

يتصفّح الطيّب اليوم صور تلك العمليات على هاتفه، في محاولةٍ لإيصال هولٍ لا يستطيع كثيرون استيعابه.

متطوّعون يوصلون الإمدادات بالدراجات

اعتمد المستشفى على المتطوّعين لضمان استمرار تدفّق الإمدادات. كانوا ينشرون احتياجاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، فيمنح الصيادلة مفاتيح محلّاتهم المغلقة منذ أمد، ويسمحون للمتطوّعين بأخذ الأدوية والمستلزمات مجّاناً.

أحد هؤلاء المتطوّعين، نزار محمد، أمضى أشهراً يجوب أمّ درمان، في الغالب على دراجةٍ هوائية، يوصّل الإمدادات ودويُّ الانفجارات يملأ الأجواء من حوله.

شاهد ايضاً: تنزانيا: تحقيق ما بعد الانتخابات يكشف مقتل 518 شخصاً في أعمال العنف

وجاءت تبرّعاتٌ أخرى من منظّمات وأفراد في الخارج. وأسهمت شبكةٌ من الأطباء السودانيّين في المهجر بتقديم استشاراتٍ عن بُعد حول كيفية التعامل مع الإصابات الجماعية، وما يمكن فعله حين تنفد المضادّات الحيوية أو مواد التخدير.

لجأ الكادر الطبي المتبقّي إلى الابتكار، فصنعوا الأسرّة والعكّازات من الخشب، واستعاضوا عن الشاش بالملابس لصنع جبائر بدائية.

الحرب تنتقل وكذلك الدعم

انتقل القتال بعيداً عن منطقة الخرطوم. وبعض المنظّمات التي كانت تدعم مستشفى الطيّب باتت تعاني ضائقةً في التمويل، وحوّلت دعمها إلى مناطق أشدّ احتياجاً.

شاهد ايضاً: اتفاق بريطاني فرنسي لثلاث سنوات لمكافحة عبور المهاجرين

قال الطيّب إنّ ثمّة ما يكفي من الأموال حتى يونيو لصرف الرواتب وتشغيل المولّدات، غير أنّ المستشفى يحتاج نحو 40,000 دولار شهرياً ليستمرّ في العمل.

وبينما تعهّدت بعض الدول بدعم إعادة إعمار السودان، تسود مخاوف من أن يُحوّل الصراع مع إيران الأنظار والموارد، لا سيّما من دول الخليج التي أعلنت التزامها بمساعدة البلاد على النهوض.

والمستشفيات التي تضرّرت أكثر من مستشفى النهضة تقبع في حالةٍ من الدمار الشامل وتحتاج إلى موارد أضخم بكثير.

شاهد ايضاً: هيئة الرقابة بهونغ كونغ تفرض غرامة 166 مليون دولار على PwC لتقصيرها في تدقيق Evergrande

في منطقةٍ أخرى من المدينة، قال الدكتور عثمان إسماعيل عثمان، مدير مستشفى الشعبي، إنّ مئات الآلاف من الدولارات التي رصدتها الحكومة لا تعدو كونها قطرةً في بحر الاحتياجات. فقد احتلّت قوّات الدعم السريع مستشفاه طوال فترة الحرب، وبات المكان اليوم مكتظّاً بمعدّاتٍ طبية مكسورة مغبرّة تُقدَّر قيمتها بالملايين، فيما تتناثر كتلٌ من الخرسانة بين الأسرّة المعدنية.

الهدف المُعلَن بفتح هذا المستشفى المتضرّر بشدّة لاستقبال حالات الطوارئ خلال أسابيع يبدو طموحاً بامتياز لكنّ أمثال الطيّب من العاملين في الميدان الطبي تعلّموا كيف يُقاربون المستحيل.

قال الجرّاح: "أعتقد أنّني بذلتُ قصارى جهدي بوصفي طبيباً وسودانياً."

أخبار ذات صلة

Loading...
كندا تُعلن عن اختيارها مقرّاً لبنك الدفاع والأمن والصمود التابع لـ NATO، مع مسؤول حكومي يتحدث عن أهمية هذا القرار في تعزيز الإنفاق الدفاعي.

كندا ستستضيف مقرّ مؤسسة مالية مرتبطة بـ NATO المستقبلية

في خطوة تاريخية، اختيرت كندا مقرّاً لبنك الدفاع والأمن والصمود التابع لـ NATO، مما يعزز دورها في التمويل العسكري. هل ترغب في معرفة كيف ستؤثر هذه الخطوة على الأمن العالمي؟ تابع القراءة!
العالم
Loading...
مجموعة من الرجال يجلسون في غرفة مغلقة، يظهر عليهم القلق والتوتر، في سياق حملة أمنية ضد الهجرة غير النظامية في أوغندا.

أوغندا تعتقل 231 أجنبياً في حملة ضد الاتجار بالبشر

في كمبالا، تتصاعد الأضواء على حملة أمنية غير مسبوقة تستهدف الهجرة غير النظامية، حيث تم احتجاز 231 أجنبياً. هل أنت مستعد لاكتشاف التفاصيل المثيرة وراء هذه الأحداث؟ تابع القراءة لتعرف المزيد عن هذه القضية الشائكة.
العالم
Loading...
رئيسة المفوضية الأوروبية تتحدث خلال مؤتمر صحفي حول حزمة القروض لأوكرانيا، مع العلم الأزرق والأصفر للاتحاد الأوروبي خلفها.

لماذا يعتبر قرض الاتحاد الأوروبي في زمن الحرب شريان حياة حيوي لأوكرانيا التي تعاني من ضائقة مالية

في تحولٍ تاريخي، وافق الاتحاد الأوروبي على حزمة قروض بقيمة 90 مليار يورو لدعم أوكرانيا في مواجهة التحديات المالية. هل ستتمكن كييف من تعزيز قدراتها الدفاعية واستئناف النمو الاقتصادي؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد.
العالم
Loading...
افتتاح جسر Senqu في ليسوتو، حيث يتصافح رئيس وزراء ليسوتو مع الرئيس الجنوب أفريقي، مع خلفية الجسر المعلق.

جسرٌ جديد يعزّز دور ليسوتو كمصدرٍ حيويّ للمياه لمركز جنوب أفريقيا الاقتصادي

هل تعلم أن 60% من مياه جوهانسبرغ تأتي من ليسوتو؟ جسر Senqu الجديد يعزز هذه العلاقة المائية، ويعدّ خطوة حيوية نحو تنمية اقتصادية مستدامة. اكتشف كيف يساهم هذا المشروع في تحسين حياة المواطنين.
العالم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية