آلاف البحّارة عالقون في الخليج وسط الأزمات
نحو 20,000 بحّار عالقون في الخليج، يواجهون ظروفًا قاسية وسط تصاعد التوترات. شهادات مؤثرة من الطواقم تكشف عن معاناتهم، الخوف، والأمل في العودة. اقرأ كيف يتعامل البحّارة مع الضغوط النفسية والاقتصادية في ظل الحرب.




نحو 20,000 بحّار عالقون في الخليج شهادات من قلب الأزمة
{{MEDIA}}
يقضي الربّان الهندي راهول دهار وطاقمه نحو ثمانية أسابيع عالقين على متن ناقلتهم في الخليج العربي، يراقبون أحياناً انفجار الطائرات المسيّرة والصواريخ في الأفق، فيما لا تزال مضيق هرمز مغلقةً فعلياً في ظلّ استمرار الحرب مع إيران.
قال دهار إنّ معنويات الطاقم تصمد في ظلّ تمسّكهم بروتينهم اليومي، غير أنّ آثار الإجهاد باتت واضحة. وأضاف أنّ وقف إطلاق النار الهشّ بين الولايات المتحدة وإيران أشاع «شعوراً حذراً بالأمل» لدى أفراد الطاقم، إلّا أنّ نهاية الحرب لا تبدو في الأفق بعد. وقال: «نحاول يوماً بيوم أن نحافظ على الأجواء الطبيعية، عبر الحوار المفتوح والأنشطة الجماعية الصغيرة التي ترفع الروح المعنوية».
وأكد دهار أنّ الطاقم رصد طائرات مسيّرة وعمليات اعتراض صاروخي مرّات عدّة، سواء بالقرب من السفينة أو على امتداد الأفق خلال فترات المناوبة. وأضاف: «كانت تلك اللحظات عصيبة وأوجدت توتّراً حقيقياً لدى الطاقم»، مشيراً إلى أنّ الاتصال بالإنترنت كان عاملاً مهمّاً في الإبقاء على تواصلهم مع ذويهم. وقال: «تلك المكالمات والرسائل هي ما يُثبّتنا ويمنحنا القوّة».
نحو 20,000 بحّار عالقون في الخليج
يرزح نحو 20,000 بحّار على متن مئات السفن من ناقلات النفط والغاز إلى السفن التجارية عالقين في الخليج، عاجزين عن اجتياز مضيق هرمز. وفي الأحوال الطبيعية، يمرّ عبر هذا المضيق ما يعادل خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.
وبحسب بيانات شركة Lloyd's List Intelligence المتخصّصة في الرصد البحري، فقد اجتازت المضيق نحو 80 سفينة فقط خلال الأسبوع الممتد بين 13 و19 أبريل، مقارنةً بنحو 130 عبوراً يومياً أو أكثر قبل اندلاع الحرب. وتعرّضت عشرات السفن للهجوم منذ بدء النزاع، وأعلنت الأمم المتحدة مقتل 10 بحّارين على الأقل.
وحتى بعد أن مدّد الرئيس الأمريكي Donald Trump وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمّى، أبقت الولايات المتحدة على حصارها للموانئ الإيرانية، فردّت إيران بإطلاق النار على سفن في المضيق واحتجاز اثنتين منها.
وقال الربّان ArunKumar Rajendran، الذي يقبع هو الآخر مع طاقمه على متن ناقلة منذ نحو ثمانية أسابيع: «البحّارة هم العمود الفقري للتجارة العالمية، ومع ذلك نحن في الغالب الأكثر تضرّراً من النزاعات الجيوسياسية الإقليمية».
«كانوا يشاهدون الانفجارات من أسطح السفن»
أفاد Manoj Kumar Yadav من نقابة Forward Seamen's Union of India بأنّ آلاف البحّارة الهنود موجودون على متن السفن العالقة، يعيشون أياماً من الخوف والعزلة وهي راسية قرب موانئ إيرانية كبندر عباس وخرمشهر، حيث كانت الانفجارات تقع أحياناً على بُعد بضع مئات من الأمتار فحسب.
وقال: «كانوا يشاهدون الانفجارات من أسطح سفنهم»، مضيفاً أنّ نقابته تتلقّى اتصالات استغاثة يومية من الطواقم وذويهم. وأضاف: «كثيرٌ منهم كانوا على متن سفينة للمرّة الأولى في حياتهم، ويمكنك أن تتخيّل الحالة النفسية التي مرّوا بها».
وتُعدّ الهند من أكبر مورّدي العمالة البحرية في العالم، إذ يعمل أكثر من 20,000 هندي على سفن ترفع أعلاماً أجنبية في المنطقة، كثيرٌ منهم بعيدون عن أيّ جهود منظّمة للإجلاء. وأعلنت وزارة الشحن الهندية في الأسبوع الماضي أنّ ما لا يقلّ عن 2,680 بحّاراً جرى إجلاؤهم منذ بدء النزاع.
وأشار Yadav إلى أنّ كثيراً من البحّارة أبلّغوا عن نقص حادّ في الغذاء ومياه الشرب، مع اضطرار بعض السفن إلى تقنين الإمدادات. وكان التواصل مع الأسر في الهند متقطّعاً بسبب اضطرابات الإنترنت والتشويش على الإشارات، وحين كان الاتصال ممكناً، كان البحّارة يدفعون أحياناً رسوم تجوال مرتفعة مقابل دقائق معدودة من الحديث.
ويتصاعد قلق أسر البحّارة يوماً بعد يوم، وهي تطالب بعودة ذويها سالمين. وقال Mohamed Arrachedi، منسّق شبكة الشرق الأوسط في الاتحاد الدولي لعمّال النقل (ITF)، إنّ الاتحاد تلقّى مئات طلبات الإغاثة من البحّارة، بما فيها طلبات للحصول على الغذاء.
الطاقم في مواجهة الطائرات المسيّرة وضبابية المستقبل
يقبع Reza Muhammad Saleh، الضابط الأوّل الإندونيسي على متن سفينة شحن يونانية الملكية، عالقاً قبالة سواحل عُمان منذ أكثر من شهر. وقال إنّ طائرة مسيّرة انفجرت قرب الميناء بُعيد وصولهم في 3 مارس، وتلت ذلك حادثتان على الأقل، اضطرّت الطاقم إلى الاحتماء في الملاجئ مرّات عدّة، دون وقوع إصابات.
وقال Saleh : «المشكلة الكبرى هي الضبابية. لا نعرف متى سيُفتح مضيق هرمز من جديد».
وتضمّ السفينة 24 فرداً من إندونيسيا والدول العربية والهند وإثيوبيا، وهي تنقل عادةً خام الحديد عبر دول الخليج مارّةً بمضيق هرمز مرّةً أو مرّتين شهرياً. غير أنّها باتت اليوم تحتاج إلى تصريح خطّي من إيران للمرور. وقال: «لا توجد شركة تريد المجازفة بدونه».
ورغم خبرة الطاقم في مناطق النزاع، فقد أربكته الضربات الصاروخية واضطرابات نظام تحديد المواقع (GPS) التي أجبرته على اللجوء إلى الملاحة اليدوية. وختم Saleh بالقول: «أحياناً نظنّ أنّ الوضع آمن، ثمّ فجأةً لا يكون كذلك. اليوم نحن بأمان. أمّا الغد، فلا أحد يعلم».
تبديل الطواقم أصبح أمراً عسيراً
أفاد الربّان Rajalingam Subramaniam، الرئيس التنفيذي لشركة Fleet Management Limited، بأنّ شركته تتواصل عدّة مرّات يومياً مع عشرات السفن العالقة التي تضمّ أكثر من 400 بحّار. وأوضح أنّ مخزون الغذاء يُراقَب بانتظام، وأنّ الشركة رتّبت لنقل السفن إلى أقرب نقاط يمكنها فيها استلام المؤن الطازجة والجافة.
وأشار إلى أنّ تبديل بعض أفراد الطاقم لا يزال يجري، لكن بأعداد محدودة، وتساءل: «من يريد الصعود إلى السفينة؟ الطاقم القادم له الحقّ في الرفض ونحن نحترم ذلك». وأضاف أنّ البحّارة الذين لم يوقّعوا عقوداً للعمل في مناطق حرب «يستحقّون أيضاً أن يُحترَموا حتى لا يصبحوا ضحايا عرضيين غير مقصودين».
وتعرّضت عدّة سفن حاولت اجتياز مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار لإطلاق النار عليها، فيما اضطرّت أخرى إلى الارتداد. وأكد Subramaniam أنّ سفن Fleet Management لم تحاول العبور.
أمّا Hapag-Lloyd، أكبر شركات الشحن الألمانية، فقد أفصح المتحدّث باسمها Nils Haupt في وقت سابق من هذا الشهر عن وجود نحو 150 بحّاراً من موظّفيها عالقين على ستّ سفن قرب المضيق. وقال: «هذه أيّام وأسابيع عسيرة»، مضيفاً أنّ الشركة تتواصل مع الربّابين والطواقمِ مرّةً على الأقلّ يومياً. وأشار إلى أنّ الشركة تمكّنت من تدوير بعض أفراد الطاقم في غضون ذلك، «لكن يمكنك بسهولة أن تتخيّل أنّه بعد كلّ هذا الوقت، يتسرّب الروتين الممل إلى أجواء السفينة بصورة طبيعية».
أزمة نقص البحّارة المهرة تتفاقم
طالبت المنظّمة البحرية الدولية (IMO)، وهي الوكالة الأممية المعنية بالشحن البحري، إلى جانب جهات أخرى، بإنشاء ممرّ آمن للسفن التجارية في المضيق. ولا تزال غالبية السفن عاجزة عن المرور، رغم إعلان إيران أنّ المضيق مفتوح أمام السفن التي لا تعدّها معادية، مع فرضها رسوم عبور.
وتشير التقارير إلى أنّ إيران زرعت ألغاماً في المضيق، وأعلن Trump الأسبوع الماضي أنّ الولايات المتحدة تعمل على إزالة الألغام الإيرانية، وأنّها ستُطلق النار على أيّ قوارب تضع ألغاماً في المنطقة. وفي ظلّ هذه المخاطر المتصاعدة، أكّد الأمين العام للمنظّمة البحرية الدولية Arsenio Dominguez أنّه «لا يوجد عبور آمن في أيّ نقطة من مضيق هرمز».
وقد أسفرت أزمات متعاقبة في السنوات الأخيرة عن تكرار ظاهرة احتجاز البحّارة في عرض البحر، من بينها جائحة COVID-19، والغزو الروسي لأوكرانيا، وهجمات الحوثيين اليمنيين على السفن في البحر الأحمر. ويُعرب Subramaniam عن قلقه من أنّه حتى بعد انتهاء الحرب مع إيران، سيُحجم كثيرون عن الانضمام إلى هذه المهنة في وقت تعاني أصلاً من شحّ في الكوادر البحرية المتمرّسة.
أخبار ذات صلة

ميانمار: الجيش يتحضّر لاستئناف هجومه بعد تراجعٍ استراتيجي

كندا ستستضيف مقرّ مؤسسة مالية مرتبطة بـ NATO المستقبلية
