مسيرات التضامن مع فلسطين ترفض التهديدات بالمنع
تتواصل مسيرات التضامن مع فلسطين في المملكة المتحدة رغم الانتقادات، حيث أكدت المجموعات المنظمة على حق الاحتجاج. في ظل دعوات بعض السياسيين لحظرها، تبرز أهمية حرية التعبير ورفض الربط بين الاحتجاجات وأعمال العنف.

تواصل التحالف الذي ينظّم مسيرات التضامن مع فلسطين في المملكة المتحدة انتقاداته للمحاولات التي يقوم بها بعض السياسيين ووسائل الإعلام لتشويه صورة هذه المظاهرات، فضلاً عن رفضه التلميحات المتعلقة باحتمال حظرها.
وفي بيانٍ أكّدت فيه أن مسيرة يوم النكبة المقرّرة في لندن ستنطلق في موعدها يوم 16 مايو، أعلنت حملة التضامن مع فلسطين (Palestine Solidarity Campaign - PSC)، وائتلاف وقف الحرب (Stop the War Coalition)، وأصدقاء الأقصى (Friends of Al-Aqsa)، وعدد من المجموعات الأخرى، مساء الجمعة، أنّ «حق الاحتجاج حريةٌ أساسية لا تُمسّ».
وقالت حملة التضامن مع فلسطين: «في أعقاب الهجوم في غولدرز غرين، سارع السياسيون ووسائل الإعلام إلى توصيف مسيرات فلسطين بصورةٍ زائفة، والمطالبة بقمعها».
وأضافت: «هذه الدعوات تخلط بشكلٍ خطير بين اليهود كشعب ودولة إسرائيل، وبين الاحتجاج السياسي السلمي وأعمال العنف المنفصلة عنه تماماً. ونحن نرفض كليهما رفضاً قاطعاً».
وكان مواطن بريطاني من مواليد الصومال يبلغ من العمر 45 عاماً قد اعتُقل مساء الأربعاء، إثر طعنه رجلَين يهوديَّين تتراوح أعمارهما بين 34 و76 عاماً في حي غولدرز غرين شمال غرب لندن، وهو حيٌّ يقطنه عددٌ كبير من اليهود. كما يُتّهم عيسى سليمان بمحاولة قتل إسماعيل حسين، وهو رجل مسلم كان يعرفه منذ نحو 20 عاماً، في وقتٍ سابق من اليوم ذاته.
وفي يوم الجمعة، أعلنت شرطة العاصمة (Metropolitan Police) في لندن أن سليمان الذي أُفرج عنه من مستشفى للأمراض النفسية قبل أيامٍ قليلة فحسب من الهجمات وُجّهت إليه تهمٌ لا علاقة لها بالإرهاب، بل تتضمّن ثلاث تهم بمحاولة القتل العمد، وتهمةً واحدة بحيازة سلاحٍ أبيض في مكانٍ عام.
ستارمر في مرمى الانتقادات
استغلّ عددٌ من السياسيين، في مقدّمتهم رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer، هجمات غولدرز غرين ذريعةً للتنديد بمسيرات التضامن مع فلسطين والمطالبة بتقييدها.
وفي مقابلةٍ مع برنامج Today يوم السبت، قال ستارمر إن الهتافات المرفوعة في المسيرات ينبغي أن تخضع للرقابة، مُلمِّحاً إلى أنّه قد يكون ثمّة مسوّغٌ لحظر المسيرات كلياً.
وصرّح ستارمر: «أعتقد أنّه حين تسمع بعض تلك الهتافات 'عولمة الانتفاضة' هو ما سأختاره تحديداً فمن الواضح أنّ ثمّة حاجةً إلى إجراءاتٍ أكثر صرامة في هذا الشأن».
والجدير بالذكر أنّه لم يُسجَّل في المملكة المتحدة أيّ حادثة معادية للسامية ارتبطت بعبارة «عولمة الانتفاضة». غير أنّ شرطة العاصمة وشرطة مانشستر الكبرى أعلنتا في ديسمبر الماضي أنّهما ستعتقلان كلّ من يهتف بهذه العبارة أو يرفع لافتةً تحملها.
وحين سُئل عن الدعوات بما فيها دعوة Jonathan Hall، المراجع المستقل لتشريعات مكافحة الإرهاب الذي تعيّنه الحكومة إلى فرض «وقفٍ مؤقّت» على مسيرات التضامن مع فلسطين، أجاب ستارمر: «أعتقد أنّ الوقت قد حان للنظر في المشهد الاحتجاجي بمجمله، والأثر التراكمي لهذه المسيرات».
وأضاف رئيس الوزراء: «فيما يخصّ تكرار هذه المسيرات، كثيرٌ من أبناء المجتمع اليهودي قالوا لي إنّ المشكلة تكمن في التكرار، في الأثر التراكمي. وأنا أتقبّل ذلك، ولهذا نعتزم التعامل مع هذا الأثر التراكمي».
وأشار ستارمر إلى أنّ حكومته بحاجةٍ إلى «دراسة الصلاحيات الإضافية التي يمكننا اتّخاذها» بشأن هذه الاحتجاجات، مستدركاً: «لا أقول بالطبع إنّه لا توجد آراءٌ قوية ومشروعة جداً بشأن الشرق الأوسط وغزة. لدينا جميعاً مخاوف عميقة حيال ذلك».
وفي يوم الجمعة، رفض حاخامٌ بارز في شمال لندن أيّ ربطٍ بين مسيرات التضامن مع فلسطين وهجوم الطعن الذي وقع الأربعاء.
وقال Herschel Gluck : «ليست المسيرات بالتأكيد ما أفضى إلى هجمات الطعن يوم الأربعاء في غولدرز غرين».
ورأى أنّ حظر المسيرات بذريعة مكافحة معاداة السامية سيكون نتيجةً عكسية، نظراً لما تضمّه هذه المسيرات من أعدادٍ كبيرة من اليهود الذين يشاركون فيها بانتظام، وقال: «ثمّة يهودٌ كثيرون يشاركون في هذه المسيرات. بالنسبة والتناسب، يمثّل اليهود أعلى نسبةٍ من أيّ مجتمعٍ آخر. وفكرة تقييد حرية الكلام هي فكرةٌ غير يهودية بامتياز».
وأدانت المجموعات المنظِّمة تصريحات ستارمر والتلميح إلى احتمال حظر المسيرات.
وقالت Lindsey German، منسّقة ائتلاف وقف الحرب: «يتحدّث Keir Starmer عن حظر المسيرات والشعارات، مدّعياً زوراً أنّها تُفاقم التهديدات المعادية للسامية. هذه المسيرات هي احتجاجٌ على دور الحكومة الإسرائيلية في هجماتها الإبادية على غزة، وعلى تواطؤ حكومة ستارمر نفسها في دعم إسرائيل». وأضافت: «هذا هجومٌ على حريّة التعبير وحقّ التجمّع الراسخ منذ أمدٍ بعيد، ولن نتنازل عن هذا الحق».
أمّا Nick Dearden، مدير منظمة Global Justice Now، فقال : «مقابلة ستارمر هذا الأسبوع لا تقلّ خطورةً عن كونها انتهازيةً بامتياز». وأضاف: «بدلاً من تهدئة الأجواء وتعزيز الوحدة، يُذكي الانقسام في محاولةٍ يائسة لتفادي الهزيمة الانتخابية»، في إشارةٍ إلى الانتخابات المحلية المقرّرة في 7 مايو. وتابع: «المطالبة بوقف الهجمة الإبادية الإسرائيلية على فلسطين ليست معاداةً للسامية بأيّ حالٍ من الأحوال، وبمحاولته رسم هذه المعادلة، يُهوِّن ستارمر من شأن معاداة السامية الحقيقية. حكومة ستارمر متورّطةٌ تورّطاً كاملاً في جرائم الحرب الإسرائيلية، ودمُ الضحايا على يديه، فيما يخاطر الآن بإذكاء معاداة السامية بدلاً من اتّخاذ الخطوات الجادّة اللازمة للحدّ منها».
وقال Ben Jamal، مدير حملة التضامن مع فلسطين: «من يوظّف أعمال العنف العنصري الفردية لتبرير انتهاك الحريات الديمقراطية الأساسية، بما فيها حق الاحتجاج، إنّما يُضعف النضال ضد العنصرية بدلاً من أن يُعزّزه».
وأدان Daniel Levy، المحلّل البريطاني الإسرائيلي والمستشار السابق للحكومة الإسرائيلية، الدعوةَ إلى تعليق حرية التعبير، واصفاً إياها بأنّها «أمرٌ مثيرٌ للاستهجان».
وقال Levy لقناة Channel 4 News: «هذا يبدو كأنّه سيُشجّع على مزيدٍ من معاداة السامية. لا يمكن أن نقبل بهذه الثنائية الزائفة بين أمن اليهود وحقوق الفلسطينيين». وأضاف: «أوّلاً، سيُقال لنا إنّكم لا تستطيعون الاحتجاج على هذا، ثم لن تتمكّنوا من الاحتجاج على أيّ شيء، وعندها نكون نعيش في مجتمعٍ مختلفٍ جذرياً».
مسيرة النكبة في مواجهة Tommy Robinson
أكّد التحالف المنظِّم للمسيرات في بيانه أنّه في 16 مايو «سنسير في لندن إحياءً للذكرى السنوية للنكبة الكارثة التي حلّت بالفلسطينيين على يد إسرائيل منذ عام 1948»، مشيراً إلى أنّ المسيرة ستنطلق «احتجاجاً على تواطؤ الحكومة البريطانية في التطهير العرقي وسياسة الفصل العنصري والإبادة الجماعية الموثّقة التي تمارسها إسرائيل».
وأضاف التحالف أنّ مسيرة هذا العام ستُعقد أيضاً في مواجهة المحرّض اليميني المتطرّف البريطاني Tommy Robinson وأنصاره، الذين خطّطوا لتنظيم مسيرة «توحيد المملكة» (Unite the Kingdom) في اليوم ذاته.
وأشارت حملة التضامن مع فلسطين إلى أنّ «مسيرتنا ستضمّ كعادتها آلاف اليهود كثيرٌ منهم يُعلنون هويّتهم اليهودية بفخر ضمن الكتلة اليهودية (Jewish Bloc)، سواءٌ كمنظِّمين أو متحدّثين على المنصّة».
وكانت إسرائيل قد شنّت حربها على غزة في أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023 . وتشير السلطات الصحية في غزة إلى أنّ حصيلة الشهداء بلغت ما لا يقلّ عن 72,601 شهيداً، فيما تجاوز عدد الجرحى 172,419 منذ ذلك التاريخ.
وفي أعقاب وقف إطلاق النار المُبرَم في 11 أكتوبر من العام الماضي، استشهد على يد إسرائيل ما لا يقلّ عن 824 شخصاً وأصابت 2,316 آخرين، وفق ما أفادت به السلطات الصحية، فيما انتشلت فرق الإنقاذ 764 جثّةً من تحت الأنقاض.
أخبار ذات صلة

قضاء أمريكي يعيد فتح دعوى جندي مُصاب ضد شركة مقاولات في قضية تفجير انتحاري
