مفاوضات لبنان وإسرائيل تكشف عن تنازلات مؤلمة
لبنان وإسرائيل في جولة جديدة من المحادثات برعاية أمريكية، لكن الشروط تشير إلى تنازلات لبنانية خطيرة. هل تؤدي هذه المفاوضات إلى السلام أم تصعيد الصراع؟ اكتشف المزيد عن تداعيات هذه التطورات على لبنان وصراع المنطقة.

هذا الأسبوع، من المقرّر أن يعقد لبنان وإسرائيل جولةً ثانية من المحادثات المباشرة في واشنطن برعاية إدارة Trump.
في أعقاب الجولة الأولى التي انعقدت في 14 أبريل، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً أعلنت فيه وقفاً لمدّة عشرة أيام لإطلاق النار، بهدف العمل نحو «ظروف مواتية لسلامٍ دائم».
غير أنّ السياق السياسي للمحادثات وشروط الهدنة تشير إلى مسارٍ يقود نحو الاستسلام لا نحو السلام. ومن المرجّح أن تؤدّي المفاوضات الإضافية على هذا المسار الأمريكي الرعاية إلى تأجيج الصراع الداخلي وعرقلة التحرّر من الاحتلال الإسرائيلي.
شاهد ايضاً: غزة وإيران: هل يكرّر التاريخ نفسه؟ نتنياهو وترامب والدروس المنسيّة من الحرب العالمية الثانية
والأسباب كثيرة.
فالشروط الواردة في البيان تُشكّل في مجملها تنازلاً عن السيادة اللبنانية وإقراراً بالتفوّق الإسرائيلي.
ويجري هذا التنازل عن السيادة بالتوازي مع خطابٍ سيادي دولتي يتداوله المسؤولون اللبنانيون ووسائل الإعلام السائدة، يستهدف نزع سلاح حزب الله بدلاً من مقاومة الاحتلال الأجنبي. وقد عمليات العسكرية والأمنية للحزب.
شاهد ايضاً: الإمارات: الأكاديمي الإماراتي البارز يصف القواعد الأمريكية بأنها باتت "عبئاً لا أصلاً استراتيجياً"
وتمنح أحكام البيان إسرائيل «الحقّ الطبيعي في الدفاع عن النفس، في أيّ وقت، في مواجهة أيّ هجمات مخطّطة أو وشيكة أو جارية»، دون أن يرد أيّ ذكرٍ مماثل للبنان.
كما يُعلن البيان أنّ البلدَين لم يعودا في حالة حرب، وهو ادّعاءٌ عبثي في خضمّ استمرار القتال، فضلاً عن كونه اغتصاباً للصلاحيات الدستورية اللبنانية التي تشترط موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الوزراء على القرارات المتعلّقة بالحرب.
وتطالب الترتيبات أيضاً الحكومة اللبنانية بمنع حزب الله من مهاجمة إسرائيل، في حين لا تتضمّن أيّ إشارةٍ إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي تحتلّها.
إهانةٌ للبنان
مجتمعةً، هذه الشروط أسوأ ممّا توصّل إليه الطرفان عبر المفاوضات غير المباشرة في نوفمبر 2024، حين مُنحت إسرائيل مهلة 60 يوماً للانسحاب إلى الحدود المعترف بها دولياً.
أعادت تل أبيب انتشار قواتها جنوباً وأبقت على عدّة مواقع استراتيجية تحت سيطرتها. واليوم، أعادت إسرائيل اجتياح مناطق جديدة واستولت على أراضٍ إضافية تمتدّ لكيلومترات عدّة داخل الحدود على طول الشريط الحدودي بأكمله.
وتعتزم إقامة ما تسمّيه «منطقة أمنية» خلف «خطٍّ أصفر» على غرار نموذج غزة، وقد شرعت في تفجير القرى وتسويتها بالأرض ضمن حملتها للتطهير العرقي.
بإصرارها على رفض الانسحاب واحتفاظها بحقّ التدخّل العسكري في عموم لبنان، تستدعي إسرائيل استمرار المقاومة المسلّحة.
أطلق حزب الله هذه الجولة الأخيرة من القتال في 2 مارس رداً على 15 شهراً من ضبط النفس في مواجهة ما يزيد على 10,000 انتهاك إسرائيلي.
إنّ التغاضي عن الانتهاكات الإسرائيلية من شأنه أن يُشكّك في مبرّرات خوض المعركة أصلاً، ويُقوّض أيّ ثقةٍ شعبية استُعيدت من قِبَل القاعدة الاجتماعية لـحزب اللهBold في قدرته على الدفاع عن الجنوب.
وهذا ما أكّده الأمين العام لحزب الله صراحةً.
ففي بيانٍ أصدره السبت، أكّد نعيم قاسم أنّ حزب الله لن يتسامح أبداً مع الانتهاكات الإسرائيلية وسيتصرّف وفق ذلك. وقد ردّ مقاتلو الحزب بالفعل وألحقوا خسائر فادحة في صفوف قوات الاحتلال.
وانتقد قاسم أيضاً شروط الهدنة، واصفاً الإعلان الأحادي الجانب الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية باسم الحكومة اللبنانية بأنّه لا قيمة له على الصعيد العملي، وأنّه «إهانةٌ لبلدنا ووطننا».
شاهد ايضاً: إيران: أحزاب كردية معارضة في المنفى ترفض الهدنة
وأبدى قاسم انفتاحه على التعاون مع السلطات اللبنانية شرط أن تسعى إلى تطبيق برنامجٍ من خمس نقاط يشمل: وقفاً دائماً للعدوان الإسرائيلي براً وبحراً وجواً، وانسحاب القوات الإسرائيلية خلف الحدود الدولية، والإفراج عن الأسرى، وعودة النازحين، وإعادة إعمار ما دُمِّر بدعمٍ عربي ودولي.
تعمّق الشرخ
الخلاف حول المفاوضات يتجاوز تأثيره على الميدان العسكري.
إنّه يعكس الشرخ المتّسع بين حزب الله والرئيس اللبناني جوزيف عون حول أنجع السبل لمواجهة إسرائيل، أي المقاومة المسلّحة في مقابل الدبلوماسية، وحول الانتماء الجيوسياسي للبنان بين إيران ودول الخليج.
وخلافاً لاعتراف قاسم بدور إيران في تسهيل التوصّل إلى هدنةٍ في لبنان، أحال عون الفضل إلى Trump وإلى الحلفاء العرب في وقف إطلاق النار المؤقّت.
وبدلاً من توظيف الموقف الإيراني المؤيّد للبنان، سعى عون إلى فصل الجبهتَين مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، وهو مطلبٌ إسرائيلي بامتياز.
وفي إيماءةٍ تستحضر خطوة أنور السادات حين سوّغ تطبيعه مع إسرائيل، تعهّد عون بالذهاب إلى أيّ مكانٍ في سبيل المصلحة الوطنية اللبنانية.
غير أنّ الطريق الدبلوماسية لعون نحو تل أبيب لا تزال بعيدة عن الاكتمال، خلافاً للسادات. فـحزب الله وحلفاؤه يعارضون المفاوضات المباشرة معارضةً شديدة. وإسرائيل من غير المرجّح أن تمنحه أيّ تنازلاتٍ إقليمية دون نزع السلاح والتطبيع الكامل.
وهذا الأخير قد يكون عسيراً.
فقرابة 90 بالمئة من اللبنانيين، وفق استطلاعاتٍ حديثة، يرفضون التطبيع. وقد بدأت بالفعل احتجاجاتٌ شعبية ضدّ مساعي الحكومة نحو إسرائيل.
في ظلّ هذه المعطيات، فإنّ إصرار عون وسلام على مواصلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعايةٍ أمريكية دون بناء توافقٍ وطني حول شروط التفاوض وحدوده وأهدافه سيُفضي إلى أزمة ثقةٍ في الرئاسة والحكومة معاً.
التحرير الكامل
لبنان ليس غريباً على الشلل السياسي المطوّل، لكنّ الحرب ستدفع المواجهة نحو حسمٍ لا مفرّ منه.
ما لا يُحسم سياسياً سيُحسم في نهاية المطاف على أرض الواقع.
فما لم يُتوصَّل إلى صفقةٍ أمريكية إيرانية تشمل لبنان، فإنّ أيّ اتفاقيات تطبيعٍ جانبية تعقدها الدولة اللبنانية مع إسرائيل ستُقابَل إمّا بالتجاهل أو بالانزلاق نحو فتنةٍ داخلية.
في غضون ذلك، ستستأنف حرب العصابات ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
في مواجهة الأساليب الإبادية الإسرائيلية وتفوّقها التكنولوجي، سيكون لهذا ثمنٌ باهظ.
لكنّ تعلّق أهل جنوب لبنان بأرضهم وإرث نضالهم الممتدّ لعقودٍ في مواجهة التوسّع الإسرائيلي والعدوان، ضمانةٌ بأنّ أيّ ثمنٍ كهذا لن يَحول دون سعيهم نحو التحرير الكامل.
أخبار ذات صلة

الولايات المتحدة تعرض دعماً مالياً للإمارات في حالة تأثر اقتصادها بصراع إيراني

الحرب على إيران: لماذا فشلت محادثات إسلام آباد
