وورلد برس عربي logo

محادثات إسلام آباد تكشف عن استراتيجيات معقدة

انهارت محادثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران بعد إنذار نهائي من واشنطن. تراجع الموقف الأمريكي لصالح الأولويات الإسرائيلية، مما أثار تساؤلات حول الأجندة الحقيقية. ما هي تداعيات هذا التحول على المنطقة؟

رجل يرتدي زيًا عسكريًا يسير بجانب لافتة تحمل شعارات الولايات المتحدة وباكستان وإيران، تشير إلى محادثات إسلام آباد في أبريل 2026.
يمر أحد أفراد حرس الحدود الباكستاني بجوار لوحة إعلانات تتعلق بمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد بتاريخ 12 أبريل 2026 (فاروق نعيم/وكالة الصحافة الفرنسية)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-لم تنهَر محادثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران لأنّ الدبلوماسية أخفقت. انهارت لأنّ واشنطن جاءت بإنذارٍ نهائي، لا بنيّةٍ للتفاوض.

في الأيام التي سبقت الاجتماع، برزت مؤشّراتٌ على أنّ الولايات المتحدة وافقت في البداية على إطارٍ أشمل لوقف إطلاق النار يمتدّ ليشمل لبنان. غير أنّ هذا الموقف سرعان ما تبدّل حين رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu أيّ ترتيبٍ من هذا القبيل.

تراجعت واشنطن عن موقفها، وضيّقت نطاق التفاوض، وانحازت فعلياً إلى الأولويات الإسرائيلية. هذا التحوّل رسم مسار ما تلاه، وأثار تساؤلاً جوهرياً: هل كان الوفد الأمريكي يتفاوض باسم المصالح الاستراتيجية الأمريكية، أم باسم الأجندة الإسرائيلية؟

شاهد ايضاً: بوش وبلير والعدالة الضائعة: كيف أفلت معماران الحرب على العراق من العقاب

ما جرى في إسلام آباد ليس حدثاً معزولاً، بل حلقةٌ في سلسلة استراتيجية أمريكية أطول أمداً في المنطقة.

فالحرب الأمريكية الصهيونية على إيران لم تنشأ في فراغ. هي امتدادٌ مباشر لاستراتيجية تسارعت وتيرتها بعد أكتوبر 2023، حين كشف إخفاق إسرائيل في تحقيق نتائج حاسمة في غزة عن حدود القوة العسكرية والردع. لم تردّ واشنطن بمراجعة موقفها الإقليمي، بل ضاعفت المواجهة، ووسّعت نطاق العقوبات، وشدّدت الحصار الاقتصادي، وانتهت إلى التحرّك نحو عدوانٍ عسكري مباشر على إيران.

دخلت إيران المحادثات بموقفٍ منظّم. قدّمت عبر الوسطاء الباكستانيين مقترحاً من عشر نقاط يرسم إطاراً للتفاوض. لم تُكشَف تفاصيله كاملةً للرأي العام، لكنّ ملامحه كانت واضحة: وقفٌ لإطلاق النار، والاعتراف بحقوق إيران بموجب القانون الدولي، ورفعٌ تدريجي للعقوبات، وضماناتٌ أمنية متبادلة.

شاهد ايضاً: هل تنهي محادثات إسلام آباد 48 عاماً من العداء بين واشنطن وطهران؟

في البداية، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنّ المقترح قد يكون أساساً للحوار. تبيّن أنّ هذه الإشارة كانت مضلِّلة. فالوفد الأمريكي لم يتعامل مع المقترح بوصفه إطاراً تفاوضياً، بل أسرع إلى فرض منظومة مطالب مغايرة.

مطالب تعجيزية

في غضون ساعات، جرى تجاهل المقترح الإيراني فعلياً. وتشير تقارير من داخل الاجتماع إلى أنّ ترامب رفض شخصياً هذا الإطار، وأوعز لفريقه بالمضيّ وفق الشروط الأمريكية. ما تلا ذلك لم يكن تفاوضاً، بل إملاءً للمطالب الأمريكية.

توقّفت المحادثات عند تلك النقطة، وأُنفقت الساعات المتبقية في محاولة ردم هوّةٍ باتت بلا جسر.

شاهد ايضاً: ستارمر يواجه محاسبة على دعمه حرب ترامب غير الشرعية على إيران

لم يصل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بعرضٍ دبلوماسي معدَّل، بل بمجموعة مطالب أمريكية موحَّدة. واستناداً إلى مصدرٍ مباشر داخل الوفد الإيراني، تمحور الموقف الأمريكي حول أربعة مطالب صريحة وتعجيزية.

أوّلاً: إعادة فتح مضيق هرمز فوراً، دون ربطه بأيّ تسوية شاملة. قدّمت واشنطن المضيق بوصفه شرياناً اقتصادياً عالمياً لا يجوز استخدامه ورقةَ ضغط، متجاهلةً الموقف الإيراني القائل بأنّ إغلاقه جاء رداً مباشراً على العدوان العسكري.

ثانياً: نقل جميع اليورانيوم المخصَّب خارج الأراضي الإيرانية. تجاوز هذا المطلب الأطر النووية السابقة كلّها؛ إذ لم يكن يتعلّق بالرقابة أو التحديد، بل كان يعني إزالة عنصرٍ جوهري من السيادة التكنولوجية الإيرانية، بتصدير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد.

شاهد ايضاً: "سخرية ترامب من البابا تكشف عن صدام بين عوالم أخلاقية"

ثالثاً: تبنّي سياسة دائمة تقضي بصفر تخصيب للأورانيوم، دون أيّ اعترافٍ بحقّ إيران في التخصيب على أيّ مستوى. هذا الموقف يتعارض مع الاتفاقيات الدولية السابقة التي قبلت بالتخصيب المحدود تحت الرقابة، بما فيها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تُعدّ إيران طرفاً فيها.

رابعاً: إنهاء التحالفات الإقليمية الإيرانية، بما فيها الروابط مع أطرافٍ في لبنان وفلسطين والعراق واليمن. لم يُقدَّم هذا المطلب باعتباره خفضاً للتصعيد، بل تفكيكاً كاملاً.

لم يطرح فانس هذه النقاط بوصفها مواقف قابلة للتفاوض، بل قدّمها شروطاً لأيّ اتفاق.

شاهد ايضاً: لبنان: عون يرفض الاتصال بنتنياهو وإسرائيل تقطع آخر جسر للجنوب

في المقابل، عرضت الولايات المتحدة الإفراج عن نحو 27 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمَّدة الموزَّعة على ولاياتٍ قضائية متعدّدة. لكنّ العرض استثنى المسألة الجوهرية: رفع العقوبات. فواشنطن لم ترفض فحسب رفعَ العقوبات الأوّلية والثانوية ، بل رفضت أيضاً إعادة وصول إيران إلى نظام Swift أو الالتزام بإعادة دمجها في المنظومة المالية الدولية، واكتفت بالقول إنّ هذه المسائل يمكن مراجعتها في مرحلة لاحقة.

تجاوز الحدود الأمريكي

كان هيكل العرض واضحاً: تنازلاتٌ إيرانية فورية مقابل تخفيفٍ مالي محدود وقابل للتراجع. رفضت إيران هذا العرض.

وبات جلياً خلال المناقشات أنّ الوفد الإيراني كان منشغلاً بالمصالح الوطنية الإيرانية، بينما كان الوفد الأمريكي يُقدّم في معظمه مواقف تتقاطع مع الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية.

شاهد ايضاً: السعودية تضغط على واشنطن لوقف النار في لبنان حفاظاً على محادثات إيران

إذا كان عرض فانس قد حدّد مضمون المحادثات، فإنّ تصريحات ترامب حدّدت مسارها. فبعد الاجتماع، أعاد ترامب التأكيد علناً على الموقف الأمريكي، ووصف المطالب بأنّها غير قابلة للتفاوض، وفسّر رفض إيران باعتباره دليلاً على التعنّت لا استجابةً للإكراه. والأخطر من ذلك أنّه صعّد الخطاب.

هدّد ترامب باستخدام القوة العسكرية لإعادة فتح مضيق هرمز إن لم تمتثل إيران، وفي يوم الاثنين باشر البحرية الأمريكية حصاراً للممرّ المائي.

كما أشار ترامب إلى أنّ ضرباتٍ إضافية تطال البنية التحتية الإيرانية تبقى خياراً مطروحاً، في تحوّلٍ من منطق الردع إلى منطق التصعيد العقابي. هذا يُزيل أيّ غموض: لم تكن الولايات المتحدة تتفاوض نحو تسوية، بل كانت تسعى إلى فرض نتيجة.

شاهد ايضاً: تركيا أو باكستان قد تصبح العدو الجديد لإسرائيل

في نهاية المطاف، فشلت المحادثات بسبب التجاوز الأمريكي للحدود.

سعت الولايات المتحدة إلى تحويلٍ هيكلي في الموقع الاستراتيجي لإيران؛ فمطالبها استهدفت تصفية قدراتها النووية، وتفكيك تحالفاتها الإقليمية، وتقليص نفوذها الإقليمي. في المقابل، سعت إيران إلى شيءٍ أكثر تواضعاً: البقاء في ظلّ ضغوطٍ هائلة. لم تكن بحاجةٍ إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، بل إلى صون نظامها السياسي والحفاظ على قدراتها الاستراتيجية وتفادي الاستسلام.

في النزاعات التي يسمها هذا التفاوت، يقع العبء الأثقل على الطرف صاحب الهدف التعجيزي؛ فهو مَن يجب أن يفرض التغيير، بينما يكفي الطرف الآخر أن يصمد.

شاهد ايضاً: وزير دفاع باكستان يصف إسرائيل بأنها "لعنة على الإنسانية" في منشور محذوف

هذه الديناميكية هي التي شكّلت مسار المحادثات. قدّمت واشنطن مطالب تستوجب من إيران التخلّي عن عناصر جوهرية من سيادتها. رفضتها طهران لأنّ القبول كان سيعني نهاية دورها بوصفها فاعلاً مستقلاً. لم يكن ثمّة أرضية وسطى.

وقد أعاد انهيار المحادثات المواجهة إلى الميدان العسكري.

ما الذي ينتظرنا؟

تؤكّد المستجدّات الأخيرة هذا التحوّل. كشف حادثٌ بحري جمع سفناً أمريكية بالحرس الثوري الإسلامي الإيراني عن حجم المخاطر الآنية، حين أصدرت إيران تحذيراتٍ أجبرت السفن الأمريكية على تغيير مساراتها.

شاهد ايضاً: الهجوم على خط أنابيب النفط السعودي أدى إلى فقدان 10 بالمئة من قدرة المملكة على تصدير النفط

في الوقت ذاته، أوضحت إيران أنّ أيّ استهدافٍ لبنيتها التحتية النفطية سيُقابَل بضرباتٍ مماثلة تطال منشآت الطاقة المرتبطة بخصومها وعبر المنطقة. هذا يرسي إطاراً للتصعيد الأفقي (horizontal escalation) يُوسّع رقعة المواجهة إلى ما هو أبعد من المواجهة المباشرة.

يبقى مضيق هرمز في قلب الأزمة. بالنسبة لواشنطن، هو نقطة اختناقٍ يجب أن تظلّ مفتوحة. وبالنسبة لطهران، هو ورقة ضغط. هذا التناقض بنيويٌّ ولا يمكن حلّه بمطالب أحادية الجانب.

إخفاق إسلام آباد لا يُغلق جميع القنوات الدبلوماسية، لكنّه يُضيّقها. ثلاثة سيناريوهات تحكم الأفق المنظور.

أوّلاً: إعادة انطلاق دبلوماسية محدودة، إذ قد تُفضي جهود الوساطة لا سيّما عبر باكستان وربّما روسيا إلى ترتيبٍ مؤقّت، ربّما وقفٌ لإطلاق النار مرتبطٌ بتنازلاتٍ جزئية. غير أنّ ذلك يستلزم تراجع واشنطن عن مطالبها التعجيزية، وليس ثمّة ما يُشير إلى استعدادها لذلك.

ثانياً:مواجهةٌ مطوّلة لا يحقّق فيها أيٌّ من الطرفين نتائج حاسمة، لكنّ كلاً منهما يواصل تحمّل الأكلاف وفرضها. استراتيجية إيران القائمة على الصمود والاستنزاف طويل الأمد تنسجم مع هذا السيناريو، وبمرور الوقت تتحوّل الضغوط نحو واشنطن مع تراكم الأكلاف الاقتصادية والسياسية. وهذا هو السيناريو الأرجح.

ثالثاً: تصعيدٌ إقليمي يتجاوز إيران، يستدرج أطرافاً إضافية ويهدّد منشآت الطاقة في المنطقة والعالم، فيتحوّل بذلك من مواجهةٍ ثنائية إلى صدمةٍ منظومية ذات تداعيات عالمية.

إسلام آباد لم تكن إخفاقاً للحوار. كانت كشفاً لطبيعة المواجهة. الولايات المتحدة في ظلّ الظروف الراهنة لا تسعى إلى تسوية تفاوضية مع إيران، بل تسعى إلى فرض شروطٍ تُعيد تعريف موقع إيران في المنطقة. وإيران ليست مستعدّة لقبول تلك الشروط.

هذا ليس جموداً دبلوماسياً، بل مواجهةٌ استراتيجية. وفي مثل هذه المواجهات، لا تفشل المفاوضات بسبب الإجراءات، بل لأنّ طرفاً واحداً يتجاوز الحدود ويطالب بما لا يستطيع الطرف الآخر قبوله. هذا بالضبط ما جرى في إسلام آباد.

أخبار ذات صلة

Loading...
محتجون يحملون لافتات في تظاهرة ضد الحرب، مع دمية تمثل شخصية سياسية، تعكس القلق من غياب استراتيجية للخروج.

كيف تخسر إسرائيل والولايات المتحدة في الصراع الأوسع ضد إيران؟

في زخم الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، تتداخل معايير النصر والهزيمة بشكل معقد، مما يثير جدلاً حاراً حول النتائج. كيف يمكن تحديد الفائز في حروب لا تنتهي؟ اكتشف المزيد عن هذه الديناميكيات المثيرة في مقالنا.
Loading...
اجتماع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والأمين العام لحلف الناتو مارك روتي، حيث يتحدث ترامب بجدية حول قضايا الأمن والناتو.

زعيم ألماني يقول إنه لا يريد لحلف الناتو أن "ينقسم" بسبب الحرب على إيران

في خضم التوترات المتصاعدة، يواجه حلف الناتو تحديات جديدة مع دعوات ترامب لتدخل أعضائه في الصراع الإيراني. هل سيتماسك الحلف أم سيتفكك؟ اكتشفوا التفاصيل المثيرة حول هذه الأزمة الدولية.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية