خروج الإمارات من أوبك وتأثيره على الخليج
خروج الإمارات من أوبك يعكس توترات الخليج ويشير إلى خلافات سياسية واقتصادية مع السعودية. هل هو استرضاء لواشنطن في ظل تصاعد الضغوط؟ اكتشف كيف يؤثر هذا القرار على العلاقات الإقليمية والدولية.

خروج الإمارات من أوبك: رسالةٌ إلى الرياض وعرضٌ محتمل لواشنطن
يُشكّل خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) الشهر المقبل تطوّراً لافتاً يكشف أن الحرب على إيران تُعمّق التوترات القديمة في الخليج بدلاً من أن توحّد المنطقة، وأنه قد يحمل في طيّاته رسالةً إلى الرياض وعرضاً ضمنياً للرئيس الأمريكي Donald Trump.
يبدو الخروج الإماراتي تتويجاً لخلافٍ طويل الأمد مع المملكة العربية السعودية حول حصص الإنتاج المسموح بها لأعضاء المنظمة. فحتى وقتٍ قريب، كانت الرياض تُفضّل تقييد الإمدادات لدعم الأسعار، بينما كانت أبوظبي تميل إلى سياسة إنتاجٍ أكثر مرونة.
يقول Arne Lohmann Rasmussen، كبير المحلّلين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management: "الإمارات دائماً كانت على جانب استراتيجية الحجم، بينما السعوديون على جانب استراتيجية السعر".
اقتصادان بمنطقَين مختلفتَين
يعود هذا الاختلاف إلى البنية الاقتصادية لكلا البلدين. تضمّ المملكة العربية السعودية 35 مليون نسمة وتمتلك احتياطيات نفطية مؤكّدة تزيد على ضعفَي ما تمتلكه الإمارات. في المقابل، لا يتجاوز عدد المواطنين الإماراتيين المليون نسمة، ما يعني أن عدداً أقلّ من الأفراد يتقاسمون عائدات النفط. فضلاً عن ذلك، ضخّت الإمارات استثماراتٍ ضخمة في البنية التحتية لرفع طاقتها الإنتاجية والتصديرية.
يُضيف Rasmussen: "الإمارات هي دولة أوبك التي تمتلك أكبر قدرٍ من الطاقة الفائضة قياساً بإنتاجها الفعلي. يمكن القول إن هذا هو الحساب الاقتصادي الصحيح، لأن ما يوجد تحت الأرض قد لا يحمل القيمة ذاتها بعد خمس أو عشر سنوات".
غير أن المشهد كان يتبدّل قبيل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؛ إذ كانت المملكة العربية السعودية قد بدأت تتقارب فعلياً من الموقف الإماراتي، وتخلّت عن تهديداتها السابقة لتجّار النفط بأنهم سيدفعون الثمن إن شكّكوا في التزام المملكة بكبح الإمداد، وأعلنت دعمها لزياداتٍ كبيرة في الإنتاج.
"هذا قرارٌ سياسي"
يرى Greg Priddy، الباحث الأول لشؤون الشرق الأوسط في Center for the National Interest، أن الأمر يتجاوز الخلاف الاقتصادي: "الخلافات السياسية بين الإمارات والسعودية قائمةٌ منذ أمد بعيد، لكن السعودية تحوّلت نحو استعادة حصّتها السوقية، والحرب جعلت حجّتهم القديمة أقلّ وجاهة. هذا الخروج ذو طابعٍ سياسي بامتياز".
يأتي انسحاب ثالث أكبر منتجٍ في أوبك في وقتٍ تُمارس فيه أبوظبي ضغوطاً على واشنطن لمواصلة حربها على إيران، وتتوطّد علاقتها بإسرائيل. وكشف موقع Axios هذا الأسبوع أن إسرائيل أرسلت منظومة Iron Dome الدفاعية وفريقاً من الفنيّين إلى الإمارات حين تعرّضت للهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
شاهد ايضاً: Benjamin Netanyahu ساهم في "خلق إبادة جماعية في غزة"، تقول مسؤولة رفيعة في وزارة الخارجية الأمريكية
تستضيف دول الخليج آلاف الجنود الأمريكيين وترتبط بمنظومات الأسلحة الأمريكية ارتباطاً عضوياً. وقد انتظمت المنطقة عموماً في الموقف الأمريكي رغم استيائها من تجاهل واشنطن لمطالبها بعدم مهاجمة إيران. وأسهمت المملكة العربية السعودية في دعم المجهود الحربي الأمريكي عبر توفير قواعد عسكرية وأجواء، لكنّها في الوقت ذاته دعمت مساعي الوساطة التي يقودها حليفها الوثيق باكستان.
في المقابل، جاهرت الإمارات بدعمها لاستمرار الضربات الأمريكية على إيران، وسعت إلى عرقلة الجهود الباكستانية الرامية إلى تقريب الموقفَين الأمريكي والإيراني نحو التفاوض.
الخروج من أوبك مقابل اتفاقية دفاعية؟
قد يُقرأ الانسحاب الإماراتي من أوبك في هذا التوقيت — حين تتردّد واشنطن بين إبرام اتفاقٍ مع إيران أو مواصلة الحرب — باعتباره استرضاءً لـ Trump الذي طالما اتّهم تكتّل أوبك بـ"نهب بقية العالم".
شاهد ايضاً: علي الزيدي مرشحاً لرئاسة الحكومة العراقية
كتبت Ellen Wald، الباحثة الأولى في Atlantic Council ومؤلّفة كتاب Saudi Inc عن تاريخ Aramco، في منشورٍ على LinkedIn: "من المحتمل أن يكون هذا الانفصال نتيجةً لنوعٍ من 'الصفقة' بين الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث ساعدت الأخيرتان في الدفاع عن الإمارات في مقابل توجيه ضربةٍ موجعة لأوبك التي طالما سعى Trump إلى إضعافها". وأضافت: "لن أستغرب إعلان نوعٍ من اتفاقية الدفاع في المستقبل القريب".
ثمة مؤشّرات على أن الإمارات تتحوّط لمرحلةٍ مطوّلة من الاضطراب وتُعمّق شراكتها مع الولايات المتحدة. فقد أبلغ وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio بأن أبوظبي مستعدّة لحربٍ قد تمتد حتى تسعة أشهر. وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر، تقدّمت الإمارات بطلبٍ إلى إدارة Trump للحصول على خطّ مبادلة عملة (Currency Swap Line) يضمن لها الوصول إلى الدولار الأمريكي في حال استنزاف احتياطياتها.
التنافس السعودي-الإماراتي يتّسع
يرى المحلّلون أن قرار الإمارات بمغادرة أوبك يندرج في سياق تنافسٍ أشمل مع المملكة العربية السعودية التي تهيمن على المنظمة وعلى التكتّل الأوسع الذي يضمّ روسيا تحت مسمّى أوبك+.
قال دبلوماسيٌّ غربي في المنطقة: "هذا سيُغضب السعوديين. يبدو أن الإمارات تُضمر شيئاً أكبر".
والمملكة العربية السعودية ليست دولةً صغيرة في المعادلة الإقليمية؛ فهي أكبر دول المنطقة وتحمل طموحاتٍ في إسقاط نفوذها خارج حدودها، تماماً كالإمارات. بل إن الرياض شنّت هجمات على حلفاء أبوظبي في اليمن قُبيل اندلاع الحرب على إيران، فيما يدعم البلدان طرفَين متعارضَين في الحرب الأهلية السودانية.
أثارت الهجمات الإيرانية على الخليج تكهّناتٍ بأن الحرب ستُعيد لحمة الحليفَين القديمَين، لكن مع تمادي الصراع، يبدو أن التنافس بين أبوظبي والرياض يتسارع لا يتراجع. كما أن شحنات أسلحة باكستانية ممولّة سعودياً بدأت تصل في مارس إلى شرق ليبيا، إلى قوات خليفة حفتر، في مسعىً سعودي لانتزاعه من الفلك الإماراتي.
"الإمارات في موقع قوة"
شاهد ايضاً: محاكمة أول مسؤول من عهد الأسد في دمشق تبدأ
أكد وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي في مقابلة أن الخروج من أوبك — وهو هدفٌ إماراتي بعيد المدى — جاء تيسيره من الصراع الدائر: "التوقيت في نظرنا مناسب لأن تأثيره على المنتجين يبقى في حدوده الدنيا".
يقول Bernard Haykel، أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة Princeton: "للإمارات رؤية مختلفة جذرياً في مسألة الإنتاج النفطي عن رؤية السعودية، وهذا يعني أنها لم تعد مضطرّة للإذعان للسعوديين الذين يُحدّدون شروط اللعبة داخل أوبك". وأضاف أن الإمارات درست الخروج منذ سنوات: "فعلتها أخيراً على الأرجح بسبب الحرب. كل شيء جاهز، والفرصة سانحة لاتّخاذ قراراتٍ جذرية. من الناحية العملية، تمتلك الإمارات طاقةً فائضة معتبرة. إن أرادت أن تلعب دور منظّم السوق كما فعل السعوديون، فبإمكانها ذلك. هذا يمنحها ثقلاً كبيراً".
ويتّفق محلّلو الطاقة على أن التوقيت موفَّق. فالحصار المتبادل بين إيران والولايات المتحدة على مضيق هرمز أوقف حركة الطاقة عبر الخليج شبه توقّفٍ تام. والإمارات التي كانت تُصدّر نحو 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب، باتت ترسل نحو 1.9 مليون برميل يومياً عبر خطّ أنابيب ينتهي في ميناء الفجيرة، متجاوزةً مضيق هرمز. وتمتلك الإمارات نظرياً طاقةً فائضة تبلغ نحو مليون برميل يومياً.
يقول Priddy: "لو خرجت الإمارات من أوبك قبل الحرب لكان ذلك حدثاً ضخماً. لكن أي طاقةٍ فائضة لن تدخل السوق الآن بسبب الحرب. وحتى إن انتهت الحرب، سيكون هناك فراغٌ كافٍ في المخزونات العالمية يستوعب صادراتٍ أعلى".
نعيٌ مبكّر لتحالفٍ عمره 65 عاماً؟
على المدى البعيد، يرى الخبراء أن الإمارات قد تُدقّ بخروجها ناقوسَ موت التحالف النفطي الذي أسّسته إيران والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية وفنزويلا منذ 65 عاماً.
يقول Rasmussen: "هذه ضربةٌ موجعة لأوبك. ربما نكون نكتب الآن نعيَها".
أخبار ذات صلة

كويت تسحب الجنسية من الصحافي أحمد شهاب الدين

التماس جديد يطالب بـ"محاسبة" بريطانيا على دورها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

محو المسيحيين من فلسطين: تحطيم تمثال المسيح نموذج متكرّر
