صيف قياسي يحطم أرقام الحرارة والجفاف في أمريكا
صيف قياسي في درجات الحرارة والجفاف يضرب الولايات المتحدة مع حرائق وأعاصير متزامنة تؤكد تسارع تغير المناخ وتداعياته الخطيرة على البنية التحتية والبيئة والمجتمعات. التفاصيل في وورلد برس عربي.

بفارقٍ يصعب تصوّره قياساً بما سبقه، سجّل صيف عام 2026 أعلى متوسّط حراري في تاريخ الولايات المتحدة المتواصلة (الولايات الـ48 المتجاورة) منذ ما لا يقلّ عن 132 عاماً وهو رقمٌ لا يُقرأ وحده، بل كإشارةٍ في نظامٍ مناخي يتسارع تدهوره بوتيرةٍ لم تعد تتسامح مع التهوين.
وفق تقرير NOAA لصيف 2026، الصادر عن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، بلغ متوسّط درجات الحرارة الصيفية 74.4 درجة فهرنهايت (23.5°م)، أي ما يعادل 3 درجات فهرنهايت (1.67°م) فوق المتوسّط التاريخي. هذا الرقم كسر الرقم القياسي السابق الذي سُجّل عام 2021، والذي لم يتجاوز 0.4 درجة فهرنهايت (0.22°م) فوق المتوسّط فارقٌ هائل بين الرقمين يكشف أنّ ما جرى ليس تصحيحاً موسمياً عابراً.
أغسطس: الشهر الذي لم يسبق له مثيل
كان أغسطس 2026 الفصل الأشدّ وطأةً في هذا الصيف الاستثنائي. سجّل الشهر متوسّط حرارة بلغ 75.6 درجة فهرنهايت (24.2°م)، أي 3.5 درجات فهرنهايت (1.94°م) فوق المعدّل التاريخي، ليُتوَّج رسمياً أحرّ أغسطس في سجلّات القياس الأمريكية. تمركزت الحرارة الأشدّ في الجنوب الغربي والجبال الصخرية الجنوبية والسهول الجنوبية الغربية وجنوب فلوريدا، فضلاً عن ولايات كاليفورنيا ونيفادا ونيو مكسيكو وكولورادو.
ما قد لا يظهر في العناوين هو التحذير الوارد في تقرير NOAA ذاته: «قد تبدو فوارق درجات الحرارة هذه صغيرةً أو معتدلة للوهلة الأولى، غير أنّ تداعياتها ضخمةٌ للغاية». الجملة تبدو تقنية، لكنّها تحمل منطقاً نظامياً: درجةٌ واحدة فوق المتوسّط تعني ملايين الأفراد يعيشون في ظروف لم تُصمَّم بنيتهم التحتية للتعامل معها.
الجفاف: الأزمة الصامتة التي تمتدّ خارج الصيف
لم تكن الحرارة وحدها هي المشكلة. جاء صيف 2026 ثالثَ أجفّ صيفٍ في سجلّات الولايات المتحدة المتواصلة، إذ سجّل معدّل هطول أمطار أقلّ بـ0.32 بوصة (0.8 سم) من المتوسّط، وهو الصيف الأجفّ منذ عام 2000. بحلول الأول من سبتمبر 2026، كان 59.1% من مساحة الولايات المتحدة المتواصلة يرزح تحت الجفاف، مع تمركزٍ حادّ في الغرب والمنتصف الأعلى والجنوب العميق.
الصورة الأكثر إيلاماً جاءت من بورتو ريكو: أكثر من 75% من الجزيرة طالها الجفاف، فيما وصل 40% منها إلى مرحلة الجفاف الشديد وهو مستوىً يُنذر بتداعيات زراعية ومائية بالغة الخطورة على مجتمعٍ لا يزال يتعافى من أعاصير سابقة.
والأخطر في هذا السياق ما أشار إليه تقرير NOAA صراحةً: «وبينما قد يقترب الصيف من نهايته، فإنّ جزءاً كبيراً من هذا الجفاف مُتوقَّع أن يستمرّ». الجفاف لا ينتهي بانتهاء الموسم؛ إنّه يتراكم في طبقات التربة وخزّانات المياه الجوفية وبحيرات التخزين، وتداعياته تمتدّ إلى الشتاء التالي.
كوارث متزامنة: حرائق ورياح وأعاصير
لم يكن الجفاف والحرارة يعملان في فراغ. في أغسطس ذاته، اندلعت حرائق ضخمة أتت على أكثر من 10,000 فدّان في شرق ولاية واشنطن قبل أن تمتدّ إلى ولاية أوريغون. وسُجّلت حرائق إضافية في نيفادا وألاسكا. في داكوتا الجنوبية، اجتاحت رياحٌ عاتية بلغت سرعتها 111 ميلاً في الساعة (178.6 كم/ساعة)، فيما ضرب إعصار Lala هاواي بأمطارٍ غزيرة ورياحٍ شديدة وفيضانات. وفي جنوب فلوريدا، عانت المجتمعات من موجة حرٍّ استثنائية في خضمّ ما كان أصلاً صيفاً قياسياً.
هذا التزامن حرائق، رياح، أعاصير، جفاف، موجات حرّ ليس صدفةً جغرافية. إنّه نمطٌ تحذّر منه الأدبيات المناخية منذ سنوات: ارتفاع متوسّط الحرارة يُضخّم الكوارث الطبيعية ويرفع احتمالية تزامنها. التغيّر المناخي المدفوع بانبعاثات الغازات الدفيئة الناجمة عن النقل والصناعة يُفضي إلى ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار وتصاعد حدّة الفيضانات والأعاصير والحرائق والأعاصير المدارية.
ما الذي يقوله هذا الصيف عن الأصيف القادمة؟
ثمّة ثلاثة مسارات يمكن قراءتها في ضوء هذه البيانات:
الأرجح: أن يظلّ صيف 2026 نقطةَ مرجعيةٍ تُعاد إليها في كلّ نقاش سياساتي حول التكيّف المناخي في الولايات المتحدة، مع استمرار الجفاف في مناطق الغرب والجنوب حتى مطلع 2027.
المحتمل: أن تُعجّل هذه البيانات بمراجعة معايير البنية التحتية شبكات الكهرباء، أنظمة إدارة المياه، خرائط مخاطر الحرائق في الولايات الأشدّ تضرّراً، لا سيّما في الجنوب الغربي وكاليفورنيا.
الأقلّ احتمالاً: أن تُفضي هذه السجلّات وحدها إلى تحوّلٍ سياسي جذري في ملفّ الانبعاثات، في غياب ضغطٍ اقتصادي مباشر يُترجَم في صناديق الاقتراع.
الإشارة الأضعف لكنّها ربّما الأهمّ هي أنّ الفارق بين رقم 2021 ورقم 2026 ليس تراكماً بطيئاً، بل قفزةٌ غير خطّية. وفي النظم المناخية، القفزات غير الخطّية هي التي تُعيد رسم الخرائط.
أخبار ذات صلة

الطاقة الشمسية تحقق اختراقاً: أسعارٌ "مثيرة للقلق" للمنتجين التقليديين

ترامب والطاقة الحرارية الأرضية: فتيلٌ جيوسياسي قد ينفجر قريباً

المحيط الأطلسي يخفي «صمام حرارة» يتحكم بمناخ الأرض وقد يكون في طريقه للإغلاق
