الولايات المتحدة تعلن امتلاك أسلحة للسيطرة على الفضاء
لأول مرة تعترف الولايات المتحدة بامتلاك أسلحة فضائية في المدار لتعزيز السيطرة والدفاع ضد تهديدات روسيا والصين في سباق التسلح الفضائي المتصاعد كشف تفاصيل جديدة عن مستقبل الأمن في الفضاء عبر وورلد برس عربي

لأوّل مرّة في تاريخ الفضاء العسكري الأمريكي، خرج مسؤولٌ رفيع المستوى ليُقرّ صراحةً بأنّ الولايات المتحدة تمتلك أسلحةً للسيطرة على الفضاء (space control weapons) موجودةً فعلاً في المدار. الإعلان الذي أدلى به وزير القوات الجوية Troy Meink في 22 أبريل 2024، خلال المؤتمر السنوي لرابطة القوات الجوية والفضائية (Air and Space Forces Association) قرب واشنطن، لم يكن اعترافاً عابراً؛ بل كان تحوّلاً في السياسة الرسمية لوزارة الدفاع الأمريكية (Pentagon)، وإشارةً إلى أنّ سباق التسلّح في الفضاء قد بلغ منعطفاً جديداً.
ماذا قال Meink وما الذي لم يقله؟
وقف وزير القوات الجوية أمام الحضور وأعلن: "اليوم، نواصل ضمان استعدادنا لمواجهة تحدّيات التهديدات المتطوّرة، أينما وُجدت. لهذا السبب، تمتلك الولايات المتحدة الآن أسلحة للسيطرة على الفضاء في المدار، قادرةً على الدفاع عن القوة المشتركة في مواجهة أيّ عمل عدائي من خصومنا."
لكنّ الإعلان توقّف عند هذا الحدّ. لم يُفصح Meink عن طبيعة هذه الأسلحة، ولا عن موعد نشرها، ولا عن ما إذا كانت قد خضعت للاختبار. وحين سُئل عن التفاصيل، أجاب بصراحة مدروسة: "ثمّة عوامل كثيرة تدخل في طريقة حديثنا عن هذه الأمور. نقضي وقتاً طويلاً نتداول كيف سنتحدّث عنها. الأمر مهمٌّ من منظور الردع. لكن في المقابل، حديثي عن تفاصيل ما نفعله لن يُفيد الردع، لذا لن نتحدّث عن تفاصيل ما نقوم به، سواءٌ أكنّا قد اختبرناه أم لا، أو أيّ شيء آخر."
هذا التوازن بين الإفصاح والتعتيم مقصودٌ. الرسالة موجّهة إلى موسكو وبكين، لكنّها مُصاغة بحيث لا تكشف ما يُفيد الخصم تكتيكياً.
سياق لا يمكن فصله عن الإعلان
لفهم دلالة هذا الإعلان، لا بدّ من قراءة المشهد الأوسع. Space Force الفرع العسكري الأمريكي الذي أُسّس عام 2019 لم يُعلن عن منظومة سلاح معترفٍ بها إلّا في يونيو 2023، حين قبل تشغيل جهاز تشويش الأقمار الاصطناعية البرّي المتنقّل المعروف بـ Meadowlands. أمّا اليوم، فالحديث يتجاوز الأرض إلى المدار ذاته.
ولا يأتي هذا الإعلان في فراغ. في عام 2020، اختبرت روسيا سلاحاً مضادّاً للأقمار الاصطناعية في المدار. وفي عام 2024، اتّهمها مسؤولون أمريكيون بنشر أسلحة مضادّة للأقمار الاصطناعية بصورة تشغيلية، فيما أشار تقييمٌ حكومي أمريكي إلى احتمال قيام روسيا بنشر سلاح نووي في الفضاء. من جهتها، تُشغّل الصين أقماراً اصطناعية عالية المناورة بالقرب من الأصول العسكرية الأمريكية في المدار، يُرجَّح أنّها تُؤدّي مهام مراقبة.
وفي هذا الإطار، قال Meink بنبرة استفزازية مدروسة: "هل ثمّة أيّ شكٍّ لدى أحد في هذه القاعة حول ما إذا كان الصينيون أو الروس يطوّرون هذا النوع من الأسلحة؟ لأكثر من عقد، كنّا نتحدّث عن هذه الحقيقة، وأبدينا قلقنا من أنّ الصين وروسيا تطوّران أسلحة للفضاء. علينا التركيز على ضمان قدرتنا على حماية أنفسنا في هذه البيئة."
ما هي أسلحة الفضاء التي تتنافس عليها القوى الكبرى؟
تنقسم أسلحة الفضاء إلى فئات رئيسية: أسلحة الطاقة الموجّهة (directed-energy) كالليزر، وأجهزة التشويش الترددّي (radio frequency jammers)، والأسلحة الحركية (kinetic weapons). وقد أوضح الجنرال Chance Saltzman، الرئيس السابق للعمليات الفضائية في Space Force، أنّ "ثمّة أسباباً وجيهة لامتلاك جميع هذه الفئات"، مشيراً إلى أنّ الدول الأخرى تسعى إلى الفئات الستّ جميعها، في حين لا تزال الولايات المتحدة دون ذلك.
وأسلحة السيطرة على الفضاء لا تقتصر على استهداف الأقمار الاصطناعية في المدار، بل تشمل أيضاً محطّات التحكّم الأرضية. وتُفضّل الولايات المتحدة الأسلحة المضادّة للفضاء (counterspace) التي لا تُولّد حطاماً فضائياً (space debris)، وهو ما يتوافق مع الإدانة الدولية الواسعة لأيّ اختبارات تُلوّث المدارات وتُهدّد الأقمار الاصطناعية المدنية والعسكرية على حدٍّ سواء.
Clayton Swope، نائب مدير مشروع الأمن الفضائي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies CSIS)، أوضح الأبعاد التقنية بقوله: "ثمّة أسلحة غير حركية كأجهزة التشويش والخداع الإلكتروني (spoofers) وأجهزة إبهار الليزر (laser dazzlers). من الناحية التقنية، هذه الأسلحة توأمٌ للتقنيات الموجودة أصلاً في المدار على نطاق واسع. أيّ جهاز إرسال راديوي يمكن أن يكون جهاز تشويش. وأيّ وصلة بصرية بين الأقمار الاصطناعية يمكن أن تكون جهاز إبهار بالليزر."
وأضاف Swope في تقييم أشمل لدلالة الإعلان: "على سبيل المثال، تفجير محطّة أرضية لمنع الخصم من استخدام قمر اصطناعي هو نشاطٌ للسيطرة على الفضاء. لكنّ كون هذه الأسلحة بصيغة الجمع موجودةً في المدار، هو معطىً أكثر أهمّية. وربّما تكون هذه المرّة الأولى التي يتحدّث فيها مسؤولٌ أمريكي عن امتلاك الولايات المتحدة أسلحةً في المدار."
الردع بلا تفاصيل: هل يكفي؟
الإعلان مصمَّم للردع، لكنّ خبراء يشكّكون في فاعليته بهذا الشكل المبهم. Victoria Samson، المديرة التنفيذية لأمن الفضاء واستقراره في مؤسسة Secure World Foundation، قالت: "الصين وروسيا يُعتقد أنّهما تمتلكان أجهزة تشويش في المدار. لطالما اعتقدت أنّ الولايات المتحدة لا بدّ أن تمتلكها هي الأخرى."
لكنّها نبّهت إلى تداعية غير محسوبة: "الآن بعد أن اعترفت الولايات المتحدة رسمياً بامتلاكها هذه الأنظمة في الفضاء، فتحت الباب أمام الصين وروسيا للقيام بالشيء ذاته، وهو ما سيستخدمه الأمريكيون بدورهم مبرّراً لوجود تلك الأنظمة في المكان الأوّل."
أمّا Swope فذهب أبعد في نقده التحليلي: "الإعلان مبهمٌ للغاية بحيث لا تكون له قيمة ردعية ذات معنى. الردع لا يقوم فقط على حقيقة وجود سلاح، بل على الوعي بكيفية استخدامه. فمفهوم الدمار المتبادل المؤكّد (mutually assured destruction) قام على فرضية كيفية استخدام الأسلحة النووية، لا على مجرّد حقيقة وجودها. ما جعل الردع يعمل أيضاً هو الوعي بالقوة التدميرية للأسلحة النووية. كلٌّ من كيفية استخدام السلاح الفضائي وتوقيته وقدرته التدميرية يبقى غامضاً. المحلّلون سيُكثرون من التكهّنات، لكنّ غير الواضح هو ما يُفترض أن تفعله روسيا والصين وسائر الخصوم المحتملين بهذا الإعلان."
الفضاء: ميدان المعركة القادم
يُذكّر Meink بأنّ الرهانات تتجاوز الاستراتيجية العسكرية البحتة: "مع كلّ ما نتحدّث عنه، من الضربات بعيدة المدى إلى السيطرة على قواتنا، فإنّ الحفاظ على قدراتنا الفضائية والاعتماد عليها أمرٌ بالغ الأهمية. من الأهمية البالغة بمكان أن نحافظ على هيمنتنا، ليس فقط في الجوّ بل في الفضاء أيضاً. لذا اتّخذنا خطواتٍ لضمان أنّه حين نتعرّض للتهديد، نستطيع التعامل مع ذلك."
وتعكس هذه الكلمات حجم الاستثمار الأمريكي في البنية التحتية الفضائية العسكرية؛ إذ يتجاوز تكلفة قمر اصطناعي واحد من طراز Next-Generation Overhead Persistent Infrared (Next-Gen OPIR) للإنذار المبكّر من الصواريخ الذي تبنيه شركة Lockheed Martin 4 مليارات دولار. والأقمار الاصطناعية العسكرية الأمريكية تُؤدّي مهام الاتصالات والملاحة والإنذار من الصواريخ والاستشعار والاستهداف وتوفير الاتصال بالنطاق العريض.
في المحصّلة، لم يُصدر أيٌّ من الصين أو روسيا أيّ ردٍّ رسمي على الإعلان الأمريكي حتى الآن. وهذا الصمت بحدّ ذاته جزءٌ من لعبة الردع المتبادل التي باتت تُدار في مدارات لا تراها العين. السؤال الذي يبقى معلّقاً ليس ما إذا كانت قوى الفضاء الكبرى تمتلك هذه الأسلحة، بل متى وكيف ستُحدَّد القواعد التي تضبط استخدامها إن كان ثمّة قواعد أصلاً.
أخبار ذات صلة

شركة (Jet Charge) تساعد في تحول أساطيل المركبات إلى الطاقة الكهربائية

OpenAI تواجه دعوى ماسك بينما تجد Apple منفذاً للخروج

خلايا شمسية جديدة تولّد الكهرباء تحت الماء
