الماء الخفي في أعماق الأرض يكشف سر الحياة
اكتشاف معادن حديدية مائية في أعماق الأرض يغير فهمنا لدورة الماء ويكشف عن مخزون هائل تحت الوشاح يساهم في حركة الصفائح وتنظيم المناخ ويعزز صلاحية الأرض للحياة تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

حين نتحدّث عن الماء على كوكب الأرض، تنصبّ أذهاننا فوراً نحو المحيطات والأنهار والغيوم. غير أنّ دراسةً نُشرت عام 2026 في مجلة Nature Geoscience تُلمح إلى أنّ الصورة أكبر بكثير مما تراه العين: ثمّة كميّاتٌ هائلة من الماء مخزّنةٌ في أعماق الأرض، على بُعد آلاف الكيلومترات من السطح، محبوسةٌ داخل معادن حديدية لم يكن العلماء يعرفون بوجودها حتى وقتٍ قريب. هذا الاكتشاف لا يُعيد رسم خريطة الجيولوجيا الداخلية للكوكب وحسب، بل يطرح أسئلةً جوهرية عن كيف احتفظت الأرض بمائها منذ فجر تكوّنها، وكيف يُسهم ذلك في جعلها صالحةً للحياة.
معادن لم تكن في الحسبان
الوشاح الأرضي (Earth's mantle) طبقةٌ ضخمة تمتدّ من نحو 660 كيلومتراً إلى 2,900 كيلومتر تحت سطح الأرض، وهي المحرّك الصامت خلف حركة الصفائح التكتونية وتنظيم المناخ عبر ملايين السنين. الماء يُشحّم هذا الوشاح ويجعل حركته ممكنة، لكنّ المعادن الأكثر وفرةً في الوشاح السفلي وهما البريدجمانيت (bridgmanite) والفيروبيريكليز (ferropericlase) تكاد تكون جافّةً تماماً. فأين إذن يختبئ الماء؟
الجواب جاء من فريق بحثي استخدم خلايا سندان الألماس المُسخَّنة بالليزر (laser-heated diamond anvil cells)، وهي أداةٌ تُحاكي الضغوط الهائلة ودرجات الحرارة القصوى السائدة في أعماق الوشاح. أسفرت التجارب عن تحديد معدنَين جديدَين من أكسيد الحديد المائي (iron oxyhydroxides)، يحملان الصيغتين الكيميائيتين Fe5O12Hx وFe7O12Hx. ما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً أنّ هذين المعدنَين يظلّان مستقرَّين في ظروف الوشاح السفلي من حيث الضغط ودرجة الحرارة، وهما أكثر كثافةً من الصخور المحيطة بهما، فضلاً عن أنّهما قادران على التشكّل حتى حين لا تتجاوز نسبة الماء في المواد الأوّلية 0.1%.
يقول Alfred Wilson، عالم الجيولوجيا في جامعة University of Leeds البريطانية، إنّ "تحديد هذه الأكاسيد الحديدية المائية أمرٌ بالغ الأهمية، لأنّها تبدو مراحل مستقرّة وكثيفة تستطيع احتجاز الماء والاحتفاظ به عبر نطاقٍ واسع من ظروف الوشاح السفلي." ويُضيف Wilson أنّ هذا الاكتشاف يُمثّل "اختراقاً في لغز كيفية حصول الأرض على مائها والاحتفاظ به."
من المحيط الصهاري إلى حدود اللبّ
لفهم أهمية هذه المعادن، لا بدّ من العودة إلى فجر تاريخ الأرض. في مراحل التكوين الأولى، كان الجزء السفلي من الوشاح عبارةً عن محيطٍ من الصهارة (basal magma ocean). مع تبرّد هذا المحيط وتبلوره تدريجياً، يرجّح الباحثون أنّ المعادن الحديدية المائية تشكّلت آنذاك ثم غاصت نحو حدود اللبّ والوشاح (core-mantle boundary)، بفعل كثافتها العالية. وبهذا المعنى، فإنّ هذه المعادن تحمل في بنيتها الكيميائية ذاكرةً جيولوجية تمتدّ لمليارات السنين.
ما يزيد الصورة تعقيداً ودلالةً في آنٍ معاً هو ما يُعرف بـ"مناطق الانخفاض الحادّ في السرعة" (ultralow velocity zones)، وهي مناطق غير مألوفة رُصدت قرب حدود اللبّ والوشاح وتُشير إلى خصائص غير عادية في الوشاح. يرى الباحثون أنّ هذه المعادن الجديدة قد تُفسّر جزءاً من هذه الظاهرة الغامضة. كذلك يربط الفريق البحثي بين اكتشافه وبين ما يُعرف بـ"الطور H" (H-phase)، وهو معدنٌ رُصد في تجارب سابقة ولم يُفهَم تماماً، ويبدو الآن أنّه أحد هذه الأكاسيد الحديدية المائية التي يُثبّتها الهيدروجين بكمياتٍ ضئيلة جداً.
وفي هذا السياق، يُلاحظ Leonid Dubrovinsky، الفيزيائي المعدني وعالم التبلور في جامعة University of Bayreuth الألمانية: "يبدو أنّ كمياتٍ صغيرة جداً من الهيدروجين كافيةٌ لتثبيت هذه المركّبات الحديدية شديدة الترطيب."
دورة مائية تحت الأرض وآفاق الصالحية للحياة
ما يُضفي على هذا الاكتشاف بُعداً نظامياً بامتياز هو احتمال وجود دورة مائية عميقة تمتدّ حتى حدود اللبّ. فحين تتحرّك هذه المعادن الكثيفة صعوداً، وينخفض الضغط عليها تدريجياً، يُرجَّح أنّها تُطلق الماء المختزن فيها، ممّا يُغذّي النشاط البركاني على السطح. وهذا يعني أنّ البراكين ليست مجرّد نوافذ على باطن الأرض، بل ربما كانت أيضاً جزءاً من دورةٍ مائية بالغة العمق والتعقيد.
يضع Alfred Wilson هذا الاكتشاف في سياقه الأشمل بعبارةٍ لا تخلو من وقع: "الماء السائل هو المكوّن الأساسي لصلاحية الأرض للحياة." والمقصود هنا ليس الماء السطحي الذي نشربه، بل الدور الجيولوجي الأعمق للماء في تمكين حركة الصفائح التكتونية وتنظيم المناخ عبر الزمن الجيولوجي وهو دورٌ لا يمكن فهمه بمعزلٍ عمّا يجري في أعماق الوشاح.
تجدر الإشارة إلى أنّ النماذج السابقة كانت تُرجّح أنّ الماء وصل إلى الأرض عبر الكويكبات أو تسرّب إلى الوشاح في مراحل لاحقة من تاريخ الكوكب. هذا الاكتشاف يفتح احتمالاً مختلفاً: أنّ جزءاً من الماء كان محبوساً في الأعماق منذ البداية، يُعاد تدويره ببطءٍ شديد عبر دورةٍ جيولوجية لا تُقاس بالسنين بل بالحقب.
ما لا يزال مجهولاً
رغم ما تُمثّله هذه النتائج من قفزةٍ نوعية، يبقى ثمّة ما لا تُجيب عنه الدراسة بعد. المحتوى الدقيق للماء في هذين المعدنَين لم يُحدَّد بعد، وسلوكهما عند حدود اللبّ والوشاح تحديداً لا يزال غامضاً. كذلك يظلّ السؤال مفتوحاً حول الكميات الإجمالية للماء التي يمكن أن تختزنها هذه المعادن في الوشاح السفلي، وما إذا كانت تُسهم فعلاً في تغذية البراكين بصورةٍ قابلة للقياس.
الدراسة المنشورة في Nature Geoscience تفتح باباً، لا تُغلقه. وتعليق Wilson المُرفق بها في المجلة ذاتها يُشير إلى أنّ هذا الاكتشاف سيدفع الباحثين نحو إعادة النظر في نماذج تشكّل الأرض وتطوّرها. السؤال الذي يبقى معلّقاً هو: كم من الماء لا يزال مختبئاً في الأعماق، وكيف يُعيد الكوكب توزيعه على مرّ الحقب؟ الإجابة، حين تأتي، ستُغيّر ما نعرفه ليس عن الأرض وحدها، بل ربما عن الكواكب الأخرى التي نبحث فيها عن آثار الحياة.
أخبار ذات صلة

مذنب بين نجمي لم يتشكل حيث يصل ضوء نجمه

مراقبان أوروبيان للأرض ينطلقان الليلة من أمريكا الجنوبية

الرئاسة الأمريكية تؤكد جديتها في دراسة ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة
