تحول الطاقة الشمسية يعيد تشكيل مستقبل الكهرباء العالمي
تحول عالمي في الطاقة الشمسية يغير قواعد المنافسة ويخفض التكاليف بشكل غير مسبوق مصانع وشركات حول العالم تعتمد الطاقة الشمسية لتقليل الفواتير ومواجهة تحديات الشبكات الكهربائية اكتشف كيف يؤثر هذا التحول على الأسواق والطاقة في وورلد برس عربي

حين قرّر عبد الوحيد، المدير العام لمصنع Bestway Cement في شكوال بباكستان، توسيع الطاقة الشمسية للمصنع، لم يكن يتحدّث عن مسؤولية بيئية أو التزامات مناخية بل قال بصراحة الرجل الذي يعرف أرقام التشغيل: «إنّها الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها المنافسة. منافسونا سبقونا في هذا الاتجاه بالفعل». هذه الجملة، في مصنعٍ يُنتج أكثر من 3 ملايين طنٍّ من الأسمنت سنوياً، تختصر تحوّلاً هيكلياً يعيد رسم خرائط الطاقة من كراتشي إلى جوهانسبرغ، ومن مانيلا إلى لندن.
بنهاية عام 2025، سيُضيف مصنع شكوال 6.34 ميغاواط إلى طاقته الشمسية القائمة البالغة 26 ميغاواط، ليُولّد الطاقة الشمسية أكثر من 25% من احتياجاته الكهربائية. رقمٌ يبدو تفصيلاً صناعياً، لكنّه ينتمي إلى نظامٍ أوسع بكثير: وصل إجمالي الطاقة الشمسية على الأسطح حول العالم إلى ما يقارب 1.2 تيراواط بنهاية 2025 وهو رقمٌ يكاد يوازي الطاقة الإنتاجية لمصانع الألواح الشمسية الصينية وحدها، التي تبلغ نحو 1.36 تيراواط. الإشارة الأضعف هنا ليست في حجم الأرقام، بل في سرعة وصولها.
من $5 إلى 12 سنتاً: الثورة التي صنعها السعر
في عام 2000، كان سعر الواط الشمسي يتراوح بين 5 و6 دولارات. اليوم، يبلغ نحو 12 سنتاً. وصف Dave Jones، المؤسّس المشارك لمنظمة Ember، هذا السعر بأنّه «رخيصٌ بشكلٍ استفزازي» وهو توصيفٌ دقيق لمن يتابع مسارات الطاقة. هذا الانهيار في التكلفة هو ما يجعل قرار مصنع Bestway منطقياً اقتصادياً خالصاً، لا خياراً أيديولوجياً.
يُضيف Jones: «إذا كنتَ شركةً تستهلك الكهرباء خلال النهار، فالطاقة الشمسية ملاءمةٌ طبيعية لك». هذه المعادلة البسيطة تُفسّر لماذا تمتلك Shoprite، أكبر سلسلة سوبرماركت في أفريقيا، طاقةً شمسية تبلغ نحو 43 ميغاواط ذروة منذ عام 2015 في جنوب أفريقيا وناميبيا. وتُفسّر أيضاً لماذا باتت المملكة المتحدة تبيع ألواح شمسية بقدرة 800 واط جاهزة للتوصيل المباشر (plug-and-play) في محلات السوبرماركت منذ أغسطس 2024.
لكنّ ما يبدو بسيطاً في مستوى المستهلك يُولّد تعقيداتٍ متصاعدة في مستوى الشبكة الكهربائية.
الشبكة في مواجهة الزبون الذي لم يعد يحتاجها
في كراتشي، يدفع عزم بلوش، ميكانيكي من حي لياري، أكثر من نصف دخله على فواتير الكهرباء. هذا الضغط يدفع شريحةً متزايدة من المستهلكين القادرين نحو الطاقة الشمسية الذاتية وهو ما يُقلق Syed Muhammad Taha، الرئيس التنفيذي لشركة K-Electric التي تخدم 20 مليون شخصٍ في كراتشي. يقول Taha بصراحةٍ مكشوفة: «هؤلاء هم أفضل زبائني، وهم يتحوّلون إلى الطاقة الشمسية».
المعادلة المالية لـ K-Electric صعبة أصلاً: الشركة تخسر بين 30 و40 روبية من كل 100 روبية تُوردها لمناطق كراتشي الفقيرة بسبب عدم السداد. حين يغادر الزبائن الملتزمون بالدفع نحو الطاقة الشمسية، تتآكل القاعدة المالية التي تُتيح تحمّل هذه الخسائر. وقد استجابت باكستان لهذا الضغط بخفض معدلات شراء الفائض الكهربائي من المنتجين الشمسيين الصغار وهي خطوةٌ تُقيّد الحوافز، لكنّها لا تُوقف الاتجاه.
يُعبّر Praveer Sinha، الرئيس التنفيذي لشركة Tata Power الهندية، عن المعضلة بدقّة: «إذا غادر الزبائن الدافعون وبقي غير الدافعين، يصبح الأمر مشكلة». ثم يطرح السؤال الأعمق: «إذا كانت مزيداً من الطلب سيتحوّل إلى 'خلف العدّاد'، كيف ينبغي أن تبدو شبكتك بعد خمس أو عشر سنوات؟».
هذا السؤال لا يخصّ باكستان وحدها.
من جوهانسبرغ إلى مانيلا: جغرافيا التحوّل
في جنوب أفريقيا، تُقدّر Eskom أنّ الطاقة الشمسية على الأسطح كانت مسؤولةً عن 7% من انخفاضٍ في مبيعات الكهرباء بلغ 11.7 تيراواط ساعة خلال العام المنتهي في مارس 2024. Dan Marokane، الرئيس التنفيذي لـ Eskom، لا يُخفي قراءته: «أعتقد أنّنا سنشهد مزيداً من التبنّي للطاقة الشمسية. لن يتوقّف هذا». في المقابل، أعفت Eskom رسوم تسجيل المنشآت الشمسية الجديدة لتحسين رؤيتها الإجمالية للشبكة وهي خطوةٌ براغماتية تعكس أنّ المؤسسة تتكيّف مع واقعٍ لا تستطيع إيقافه.
في الفلبين، تضاعفت طاقة الألواح الشمسية على الأسطح تقريباً خلال 12 شهراً حتى أبريل 2024. وأنتجت Meralco، موزّع الكهرباء، 372 غيغاواط ساعة من الطاقة الشمسية على الأسطح في النصف الأول من 2024 وحده. في الهند، أطلقت الحكومة في فبراير 2024 برنامجاً وطنياً مدعوماً للطاقة الشمسية المنزلية بميزانية تقارب 8 مليارات دولار؛ اليوم تمتلك أكثر من 5 ملايين منزلٍ هندي ألواحاً شمسية، مع إضافة 500 ألف منزلٍ شهرياً. وفي أفريقيا، يُتوقّع تركيب نحو 17 غيغاواط من الطاقة الشمسية الجديدة خلال 2024، معظمها منشآتٌ صغيرة الحجم.
يصف Anish Thakkar، المؤسّس المشارك لشركة Sun King في كينيا، ما يعنيه هذا التحوّل على المستوى الإنساني: «منزلٌ ينتقل من حرق مصباحَين أو ثلاثة بالكيروسين إلى ضوءٍ أشدّ إضاءةً بعشرين إلى أربعين مرّة، يُشعَل كلّ يوم». ويُلخّص Praveer Sinha الدلالة الأعمق: «إنّها ديمقراطيةٌ في استخدام الكهرباء».
الشبكة الذكية أو الشبكة الهشّة؟
خلف هذا التوسّع المتسارع تكمن مخاوف هندسية جدّية. يُحذّر البروفيسور Janusz Bialek من Imperial College London: «الحصة المتزايدة بسرعة من الطاقة المتجدّدة في أنظمة الطاقة الكثيرة تُحدث تغييراً عميقاً في طريقة عمل هذه الأنظمة، وهو ما لا نفهمه بالكامل بعد».
المشكلة مزدوجة: من ناحية، قد لا تكون شبكات التوزيع مُهيَّأة لاستيعاب تدفّقٍ كبير من الكهرباء في الاتجاه المعاكس. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ تقلّبية الإنتاج الشمسي تطرح تحدّيات للتنبّؤ والتوازن. يُوضّح Pierluigi Mancarella، أستاذ الكرسي في جامعة Melbourne: «إذا تشكّلت سحابةٌ كثيفة، يمكن أن ينخفض إنتاج الألواح الشمسية على الأسطح بحدّةٍ تُشبه خسارة محطّة طاقةٍ نووية بأكملها تقريباً». وهو الذي وصف الألواح الشمسية الجاهزة للتوصيل المباشر بأنّها «ليست فكرةً جيدة» نظراً لما تُضيفه من عشوائية في التنبّؤ بالطلب.
في أستراليا، تواجه الشبكة مشكلات استقرار بسبب الطاقة الشمسية التي تُقلّص الطلب على شبكة النقل. وقد أنفقت UK Power Networks مبلغ 389 ألف جنيه إسترليني على دراسةٍ بالذكاء الاصطناعي لتحسين التنبّؤ بطاقة الإنتاج الشمسي. وتُشير Josefin Berg، مديرة الأبحاث في S&P Global، إلى معضلةٍ هيكلية: «شبكات التوزيع قد لا تكون دائماً مُستعدّة لاستيعاب تدفّقٍ كبير من الكهرباء... وإذا كان لديك مزيدٌ من الطاقة الشمسية والبطاريات تُقلّص مبيعات الكهرباء للشبكة، فمن سيدفع تكاليف الشبكة؟».
في المقابل، يرى Jones من Ember أنّ المعادلة قد تنقلب: «الجميع يتحدّث عن الحاجة الهائلة لشبكات الكهرباء، لكن في عالمٍ موزّع للطاقة، ستحتاج إلى شبكاتٍ أقل».
ثلاثة مسارات للمرحلة القادمة
ما يبدو واضحاً في البيانات هو أنّ هذا التحوّل لن يتراجع لكنّ مساره يظلّ مفتوحاً على أكثر من سيناريو:
الأرجح: استمرار التوسّع الشمسي في الأسواق الناشئة باكستان والهند وأفريقيا والفلبين مع تصاعد التوتّر بين المنتجين الذاتيين وشركات الكهرباء حول تعريفات الشبكة وآليات التوزيع العادل للتكاليف. الحلول ستكون تدريجية ومتفاوتة بين الدول.
المحتمل: تسريع دمج البطاريات مع الألواح الشمسية يُخفّف من تقلّبية الإنتاج، ويُتيح نماذج تسعيرٍ أكثر استقراراً مما يُقلّص حدّة الصراع مع الشبكات التقليدية، دون أن يُلغيه.
الأقلّ احتمالاً: أن تتمكّن شركات الكهرباء التقليدية من إعادة هيكلة نماذجها المالية بسرعةٍ كافية لاستيعاب التحوّل قبل أن تتآكل قواعد زبائنها الملتزمين بالدفع وهو ما يستلزم إصلاحاتٍ تنظيمية وسياسية نادراً ما تسبق الأزمة.
يختصر Mancarella الدرس المشترك لكلّ هذه الجغرافيات: «المهندسون يتحرّكون بسرعةٍ للاستجابة للتغيّرات. لكنّ الدرس الأساسي هو: لا تنتظر حتى اللحظة الأخيرة أنتَ تعرف أنّ هذا قادم». في شكوال وكراتشي وجوهانسبرغ ومانيلا، الشمس لا تنتظر أحداً.
أخبار ذات صلة

الصيف الأشدّ حرارة في التاريخ: 2026 يسجّل رقماً قياسياً في الولايات المتحدة

ترامب والطاقة الحرارية الأرضية: فتيلٌ جيوسياسي قد ينفجر قريباً

المحيط الأطلسي يخفي «صمام حرارة» يتحكم بمناخ الأرض وقد يكون في طريقه للإغلاق
