علاج مناعي جديد يمنح طفلاً فرصة الشفاء من سرطان الكبد
طفل صغير يتغلب على سرطان الكبد النادر بعد فشل كل العلاجات التقليدية بفضل علاج مبتكر باستخدام خلايا مناعية معدلة تستهدف الورم بدقة، ليعيش بلا مرض ويمنح الأمل لمرضى السرطان في منطقتنا مع وورلد برس عربي.

طفلٌ في الثالثة من عمره كان يخوض معركةً خاسرة ضد سرطانٍ نادر في الكبد، أعاد ظهوره بعد ثلاث جولات من العلاج الكيميائي وخمس عمليات جراحية. ثم جاء العلاج الذي لم يكن أحدٌ يضمن نجاحه وهو علاجٌ مصمَّم من خلايا المناعة الخاصة به ليُحقّق ما عجزت عنه كل الخيارات السابقة: اختفاءٌ تامٌّ للورم، وطفلٌ يعيش بلا مرض منذ اثني عشر شهراً. نُشرت نتائج هذه الحالة في مجلة The New England Journal of Medicine، وهي واحدة من أعرق المجلات الطبية في العالم، وقد استقطبت اهتماماً واسعاً في أوساط أطباء الأورام المتخصّصين في الأورام الصلبة.
ورمٌ صامد أمام كل شيء
الورم الكبدي الجنيني (Hepatoblastoma) سرطانٌ خبيث يصيب الكبد عند الأطفال، وهو نادر لكنّه عدواني. في هذه الحالة، اكتُشف الورم بحجمٍ ضخم بلغ 11.2 × 9.6 × 7.1 سنتيمتر في الكبد، مع انتشار النقائل إلى الرئتين وربما العظام أيضاً. خضع الطفل لثلاث جولات من العلاج الكيميائي، ثم لعملية جراحية لاستئصال ورم الكبد، ثم لعمليتين جراحيتين إضافيتين في الرئتين خمسة تدخّلات في مجموعها، وكل ذلك لطفلٍ لم يتجاوز الثالثة. ومع ذلك، عاد الورم بسرعة مع ظهور ورمٍ جديد في الرئة، مؤكّداً مقاومته للعلاج الكيميائي التقليدي.
هنا توقّف الفريق الطبّي أمام خيارٍ واحد: تجربةٌ سريرية بعلاجٍ لم يُختبر من قبل على البشر.
كيف يعمل هذا العلاج؟
علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري أو ما يُعرف بـ CAR T cell therapy يقوم على مبدأ إعادة برمجة جهاز المناعة. يُؤخذ من جسم المريض نوعٌ من خلايا الدم البيضاء تُسمّى الخلايا التائية، ثم تُعدَّل وراثياً في المختبر لتحمل مستقبلاً اصطناعياً يُمكّنها من التعرّف على الخلايا السرطانية واستهدافها بدقّة. هذا العلاج أثبت فعاليةً عالية في سرطانات الدم، لكنّ تطبيقه على الأورام الصلبة ظلّ تحدّياً حقيقياً بسبب البيئة المناعية المعقّدة المحيطة بهذه الأورام.
ما يميّز الخلايا المستخدمة في هذه الحالة هو أنّها صُمِّمت لاستهداف بروتين يُسمّى غليبيكان-3 (Glypican-3 / GPC3)، وهو بروتينٌ يُعبَّر عنه بكثافة في خلايا سرطان الكبد. فضلاً عن ذلك، هُندست هذه الخلايا لإفراز بروتينَين مناعيَّين هما إنترلوكين-15 (Interleukin-15) وإنترلوكين-21 (Interleukin-21)، وقد أظهرت النماذج المخبرية السابقة أنّ هذين البروتينين يُطيلان عمر الخلايا التائية ويرفعان من كفاءتها في مهاجمة الورم.
من الاستجابة الجزئية إلى الاختفاء التامّ
أُدرج الطفل في دراسة تُعرف بـ CARE study، وهي أوّل تجربة سريرية على البشر لهذا النوع من العلاج التجريبي، وتُجرى في Baylor College of Medicine في هيوستن بولاية تكساس. بعد الجرعة الأولى من خلايا GPC3-CAR T، أظهرت صور الأشعة المقطعية استجابةً جزئية، وانخفض مستوى بروتين ألفا-فيتوبروتين (Alpha-fetoprotein)، وهو مؤشّر حيوي يدلّ على نشاط الورم في سرطانات الكبد. بعد ثمانية أسابيع، أُعطيت الجرعة الثانية. وعند إجراء فحوصات المتابعة، كانت الصورة مختلفة تماماً: لا أثر للورم، وما تبقّى هو مجرّد ندوبٌ ليفية على الأشعة دليلٌ على أنّ الجسم انتصر.
والأهم من ذلك أنّ الطفل ظلّ خالياً من المرض بعد اثني عشر شهراً من انتهاء العلاج.
ما يلفت الانتباه أيضاً أنّ هذا كلّه جرى في العيادة الخارجية، دون الحاجة إلى الإدخال في المستشفى، ودون ظهور سميّة جهازية. يقول David Steffin، طبيب أورام الأطفال في Baylor College of Medicine: "تُثبت هذه الحالة أنّ الاستجابة الكاملة والمستدامة في ورمٍ صلب مقاومٍ للعلاج الكيميائي يمكن تحقيقها بالكامل في العيادة الخارجية دون سميّة جهازية."
ماذا يعني هذا لمرضى المنطقة؟
سرطان الكبد يحتلّ المرتبة الثالثة عالمياً بين أسباب الوفاة المرتبطة بالسرطان. وفي منطقتنا العربية وشمال أفريقيا، تُشكّل التهابات الكبد الفيروسية المزمنة لا سيّما التهاب الكبد B وC عاملاً خطراً رئيسياً يرفع من معدّلات الإصابة بسرطان الكبد. ومع أنّ الورم الكبدي الجنيني يصيب الأطفال تحديداً، فإنّ المبدأ العلمي الذي تقوم عليه هذه التجربة استهداف بروتين GPC3 في خلايا سرطان الكبد قد يمتدّ تطبيقه ليشمل أشكالاً أخرى من سرطانات الكبد عند البالغين.
يقول Andras Heczey، طبيب أورام الأطفال في Seattle Children's Hospital وجامعة واشنطن: "تُقدّم هذه الدراسة دليلاً على أنّ خلايا CAR T الجديدة هذه قد تكون طريقةً آمنة وفعّالة لعلاج الورم الكبدي الجنيني، وتُبرز الحاجة إلى مزيدٍ من التقييم في المرضى المصابين بأورامٍ صلبة موجبة لـ GPC3."
لا يزال الطريق طويلاً أمام هذا العلاج. هذه حالةٌ واحدة منشورة في إطار تجربة سريرية لا تزال جارية، ولا يمكن تعميم نتائجها على نطاقٍ واسع بعد. غير أنّ دراسة CARE مستمرّة في Baylor College of Medicine، وثمّة تجربةٌ مشابهة تُعرف بـ IMPACT trial تجري في Seattle Children's Hospital. ما يجعل هذه الحالة مهمّة ليس فقط النجاح الفردي الذي حقّقته، بل السؤال الذي تفتحه: هل يمكن لخلايا CAR T المُحسَّنة أن تكسر أخيراً الحاجز الذي وقفت عنده الأورام الصلبة طويلاً؟ الإجابة لن تأتي من حالةٍ واحدة، لكنّ هذه الحالة ستظلّ نقطة بداية لا يمكن تجاهلها.
أخبار ذات صلة

تغيّرٌ بسيط في الأظافر قد ينبّهك إلى مرضٍ كامن

وفاة امرأة بنسيلفانيا من مضاعفات الحصبة: تقرير الطبيب الشرعي

عقار مصمّم بالذكاء الاصطناعي يجعل دم المرضى أصغر بيولوجياً
