اكتشاف تركيب كيميائي غامض في مذنب بيني نادر
علماء يكتشفون نسبة نيتروجين غير مسبوقة في ذيل المذنّب البيني 3I/ATLAS ما يكشف عن تكوّن في ظروف شديدة البرودة خارج مجموعتنا الشمسية ويمنحنا فرصة لفهم أعمق لتكوين الكواكب في أنظمة نجمية أخرى عبر وورلد برس عربي.

للمرة الأولى في تاريخ الرصد الفلكي، تمكّن علماء من تحليل الجسيمات المشحونة في ذيل المذنّب النجمي البيني 3I/ATLAS ذلك الجسم القادم من خارج المجموعة الشمسية ليكشف التحليل عن تركيبٍ كيميائي غير مألوف: نسبة نيتروجين تفوق ما هو معهود في مذنّبات مجموعتنا الشمسية، مما يُرجّح أنّ هذا الجسم تشكّل في أعماق باردة جداً، بعيداً عن نجمه الأصلي. النتائج نُشرت في 7 سبتمبر 2026 في مجلة Monthly Notices of the Royal Astronomical Society.
ما الذي يجعل 3I/ATLAS استثنائياً؟
3I/ATLAS هو الجسم البيني الثالث المعروف الذي يعبر مجموعتنا الشمسية، وهو يحمل في ذيله سجلاً كيميائياً لم يُقرأ من قبل بهذا المستوى من التفصيل. حين يقترب مذنّبٌ من الشمس، يتطوّر حوله غلافٌ غازي يُعرف بـ«الهالة» (coma)، ثم تمتدّ منه ذيولٌ تحت تأثير الرياح الشمسية التي تُكهرب جزيئات الغاز لتحوّلها إلى أيونات مشحونة. هذه الأيونات هي ما درسه الفريق البحثي.
الأدوات المستخدمة لم تكن متاحة في الزيارات البينية السابقة؛ فقد اعتمد الباحثون على تلسكوب William Herschel في جزر الكناري الإسبانية، مزوّداً بجهاز WEAVE وهو نظام تحليل طيفي يعمل بالألياف الضوئية، دخل الخدمة عام 2023. رصد الفريق 3I/ATLAS بهذا الجهاز في أواخر عام 2025، مستخدماً تقنية التحليل الطيفي التي تُفكّك الضوء إلى أطيافه لتُعرّف العناصر الكيميائية من بصماتها الضوئية الفريدة.
ماذا كشف التحليل الطيفي في ذيل المذنّب؟
رصد الباحثون في ذيل 3I/ATLAS أيوناتٍ من النيتروجين وثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون. الأهمّ من مجرّد وجود هذه العناصر هو النسبة بينها؛ إذ تبيّن أنّ نسبة النيتروجين إلى أول أكسيد الكربون في هذا المذنّب أعلى بكثير مما يُسجَّل في معظم مذنّبات المجموعة الشمسية. وهذه النسبة ليست مجرّد رقمٍ كيميائي، بل هي مؤشّرٌ على درجة الحرارة التي تشكّل فيها الجسم، وعلى موقعه من نجمه الأصلي.
الاستنتاج الذي توصّل إليه الفريق هو أنّ 3I/ATLAS تشكّل على الأرجح عند درجات حرارة تقلّ عن -240 درجة مئوية وهو برودٌ يفوق ما تُسجّله المناطق الخارجية لمجموعتنا الشمسية في الغالب. تقول Lea Ferellec، الباحثة في جامعة Northumbria: "إنّ غناه بالنيتروجين يُخبرنا أنّه تشكّل على الأرجح في ظروف شديدة البرودة، بعيداً عن نجمه الأصلي".
درسٌ من الفضاء البيني لفهم تكوّن الكواكب
ما يمنح هذا الاكتشاف أهميةً تتجاوز الفضول العلمي هو ما يُخبرنا إيّاه عن الأنظمة الكوكبية الأخرى. المذنّبات البينية كـ3I/ATLAS هي حرفياً شظايا من نظامٍ شمسي آخر، قُذفت في الفضاء بين النجوم وأتت إلينا حاملةً ذاكرةً كيميائية لم تتلوّث بظروف مجموعتنا. وتوضّح Ferellec: "هذا الجسم يمنحنا فرصةً نادرة لدراسة مادةٍ تشكّلت في مكانٍ مختلف تماماً عن مجموعتنا الشمسية".
المقارنة مع سابقه تكشف مدى التقدّم الذي حقّقه جهاز WEAVE: حين زار المذنّب البيني 2I/Borisov مجموعتنا الشمسية عام 2019، رصد العلماء أيوناتٍ في ذيله لكنّهم عجزوا عن تحديد هويّتها الكيميائية. اليوم، وبعد أقلّ من سبع سنوات، بات بالإمكان ليس فقط رصد هذه الأيونات بل قراءة تركيبها بدقّة كافية للاستدلال على ظروف التكوّن.
تختم Ferellec بالإشارة إلى الأفق الأوسع لهذا النوع من الأبحاث: "كلّ جسمٍ من هذه الأجسام التي ندرسها يُساعدنا على فهم شيءٍ أكثر عن كيفية تشكّل الكواكب حول النجوم الأخرى". والسؤال المطروح الآن هو: كم جسماً بينياً آخر يعبر مجموعتنا الشمسية دون أن نرصده، وكم ذاكرةً كيميائية تمرّ أمامنا دون أن نقرأها؟ مع تطوّر أجهزة الرصد وتوسّع شبكات المسح الفلكي، قد تصبح الإجابة أقرب مما نتوقّع.
أخبار ذات صلة

المياه المخفية تحت الأرض: احتياطيات ضخمة على عمق ألفي كيلومتر

مراقبان أوروبيان للأرض ينطلقان الليلة من أمريكا الجنوبية

الرئاسة الأمريكية تؤكد جديتها في دراسة ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة
