تراجع التيار الأطلسي قد يضاعف الاحترار العالمي
تيار AMOC في المحيط الأطلسي لا يبطئ فقط بل يعمل كصمام حرارة يتحكم في حرارة الكوكب. ضعف التيار قد يضاعف الاحترار العالمي ويهدد استقرار المناخ بشكل غير متوقع ومخاطر غير محسوبة بعد في وورلد برس عربي.

ثمّة إشارةٌ في بيانات المحيطات تستحقّ التوقّف عندها: التيار المحيطي الأطلسي المعروف بـ Atlantic Meridional Overturning Circulation، أو AMOC، لا يتباطأ فحسب بل قد يكون تباطؤه آليةً تُضاعف الاحترار العالمي بطريقةٍ لم تُؤخذ في الحسبان الكافي حتى الآن. هذا ما خلص إليه فريقٌ بحثي دولي بقيادة العالم Christo Buizert، في دراسةٍ نُشرت في مجلة Nature Geoscience، تُقدّم نموذجاً مختلفاً جذرياً لفهم دور هذا التيار في منظومة مناخ الكوكب.
من ناقل حرارة إلى صمام تحكّم
الصورة الكلاسيكية لـ AMOC تُقدّمه على أنّه ناقلٌ حراري عملاق: يأخذ المياه الدافئة من المناطق الاستوائية ويدفعها نحو المناطق الأبرد في الشمال، ثم تعود المياه المبرّدة في الأعماق. هذه الدورة تُعيد توزيع الحرارة والمغذّيات على نطاقٍ كوكبي، وتؤثّر مباشرةً في أنماط درجات الحرارة والأمطار التي تعتمد عليها الزراعة في مناطق شاسعة من العالم.
لكنّ النموذج الجديد يذهب أبعد من ذلك. فبدلاً من التركيز على حركة الحرارة بين القطبين وهو ما كان يُعرف بنموذج «المنشار الحراري القطبي» (thermal bipolar seesaw) يُقدّم Buizert وزملاؤه AMOC بوصفه صمام تحكّم في الحرارة المحيطية، يتحكّم في مقدار الطاقة التي يفقدها الكوكب إلى الفضاء.
الآلية دقيقة لكنّ أثرها بعيد المدى: حين يكون AMOC في حالة نشاطٍ قوي، تحدث عمليات حمل حراري عميق في شمال الأطلسي، ويتسرّب قدرٌ كبير من الحرارة المحيطية إلى الغلاف الجوي، ومنه إلى الفضاء. أمّا حين يضعف التيار وتتوقّف هذه الحمل الحراري العميق، يحتجز المحيط حرارته بدلاً من إطلاقها — ويبدأ الكوكب في اكتساب طاقةٍ إضافية بدلاً من خسارتها. بعبارةٍ أخرى: إغلاق الصمام يعني احتباساً حرارياً مضاعفاً.
يُلخّص العالم David Bonan من جامعة University of Washington هذه الرؤية بوضوح: «يعمل AMOC بوصفه صمام حرارة محيطية يُنظّم درجة حرارة الكوكب من خلال توازن الإشعاع الأرضي».
الدليل من عصر الجليد
لم يأتِ هذا النموذج من فراغ. يستند الفريق البحثي إلى ما خلّفته عصور الجليد في عصر البلايستوسين من سجلاتٍ مُحفوظة في أعماق الجليد الغرينلاندي والأنتاركتيكي. خلال تلك الحقبة، تأرجح AMOC بين حالتَي نشاطٍ وضعف، وتزامنت هذه التحوّلات مع ما يُعرف بأحداث Dansgaard Oeschger أو D–O events وهي تحوّلاتٌ مناخية مفاجئة سجّلتها أنوية الجليد الغرينلاندية.
ولاختبار النموذج، أجرى الباحثون محاكاةً على ثلاثة نماذج مناخية مختلفة، أنتجت جميعها تذبذباتٍ تلقائية تُشبه أحداث D–O في ظروف الجليد القديم. والنتيجة اللافتة أنّ النموذج الجديد نجح في تفسير ظاهرةٍ طالما أربكت الباحثين: لماذا كانت التغيّرات في غرينلاند سريعةً ومفاجئة، بينما كانت التغيّرات المقابلة في القارة الأنتاركتيكية أبطأ وأكثر تدرّجاً؟ يُقدّم نموذج الصمام الحراري تفسيراً متسقاً لهذا التباين.
ولا يُخفي Buizert أنّ هذا النموذج يُمثّل تراكماً معرفياً: «يُجمع النموذج عقدَين من التقدّم في الرصد والنظرية لفهم الأدوار المحورية التي تؤدّيها المحتوى الحراري للمحيطات، والجليد البحري، وتوازن الإشعاع الكوكبي».
ما قد لا يظهر في العنوان: المستقبل ليس نسخةً من الماضي
هنا تكمن الإشارة الأضعف، وهي في الوقت ذاته الأكثر أهمية. المشكلة في الاستناد إلى سلوك AMOC خلال عصور الجليد لاستشراف مساره المستقبلي تكمن في اختلاف الظروف الجوهرية: في العصر الجليدي، كانت مساحاتٌ شاسعة من الجليد البحري تُهيّئ البيئة اللازمة لتحوّلات AMOC بين حالاته المختلفة. أمّا في عالمٍ يتدفّأ بفعل الأنشطة البشرية، فإنّ شمال الأطلسي يفقد هذا الجليد وهو ما قد يُلغي أو يُعيد تشكيل آليات التغذية الراجعة التي حكمت سلوك التيار في الماضي.
بمعنى آخر: ما عاشه الكوكب خلال البلايستوسين لا يمكن أن يكون دليلاً موثوقاً على ما سيحدث في القرن الحادي والعشرين.
والأخطر من ذلك أنّ إضعاف AMOC الذي تتسبّب فيه التغيّرات المناخية الراهنة قد يُفضي إلى ما يصفه Buizert بـ«تخفيض ضغط صمام الحرارة المحيطية»، مما يُضاعف الاحترار الكوكبي بدلاً من تخفيفه. وهذا يعني أنّ النماذج المناخية التي لا تأخذ هذه الآلية في الحسبان قد تُقلّل من تقدير المخاطر الفعلية.
بين التراجع العابر والانهيار اللاعكوس
يضع Buizert الأمر بصراحةٍ علمية نادرة: «تحديد ما إذا كان AMOC المستقبلي يمتلك أكثر من حالة استقرار واحدة يُمثّل هدفاً بحثياً محورياً، لأنّه قد يكون الفارق بين ضعفٍ مؤقّت وانهيارٍ لا رجعة فيه، مع تداعياتٍ اجتماعية عميقة». ويُحذّر من وجود «عتبةٍ حرجة يصبح بعدها ضعف AMOC ذاتي التعزيز ولا عكوس».
ثلاثة سيناريوهات تنبثق من هذا الإطار:
الأرجح استمرار ضعف AMOC التدريجي مع تصاعد الاحترار، مع تأثيراتٍ إقليمية ملموسة على الأمطار ودرجات الحرارة في أوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، لكن دون تجاوز عتبة الانهيار الكامل في المدى المنظور.
المحتمل وصول AMOC إلى نقطة تحوّل تُفضي إلى إعادة تنظيم جذرية لأنماط المناخ الإقليمي، مع تداعياتٍ متسارعة على الزراعة والأمن الغذائي في مناطق تعتمد على أنماط الأمطار المرتبطة بالتيار.
الأقلّ احتمالاً، لكن الأعلى كلفةً انهيارٌ لا رجعة فيه، يُعيد رسم خريطة المناخ الكوكبي بصورةٍ تتجاوز قدرة المجتمعات على التكيّف في الأمد القريب.
ما تقوله الدراسة بوضوح هو أنّنا لا نملك بعد الأدوات الكافية للتمييز بين هذه السيناريوهات وهذا بحدّ ذاته نتيجةٌ علمية ذات وزن. الفجوة المعرفية في فهم الحالات المستقرة لـ AMOC ليست تفصيلاً أكاديمياً؛ إنّها المتغيّر الذي قد يُحدّد الفارق بين مناخٍ صعب وكارثةٍ لا تُعكس.
أخبار ذات صلة

حكم قضائي يلغي إجبار ترامب محطّات الفحم على الاستمرار

تحذير علمي: انهيار التيارات الأطلسية قد يهدّد الإنتاج الغذائي العالمي

الأمراض المعدية تتوسّع جغرافياً مع ارتفاع درجات الحرارة: خريطة الانتشار المتوقّعة
