أطفال غزة المفقودون في غياهب الحرب
في شمال غزة، اختفى أنس، الفتى البالغ من العمر 14 عاماً، أثناء بحثه عن الحطب. عائلته تعيش في قلق مستمر، حيث يُعتبر مصير نحو 2900 طفل مفقود في القطاع مجهولاً. قصة مؤلمة تعكس واقع الحرب والمعاناة المستمرة.

-في مساءٍ من مساءات شمال غزة، خرج أنس السيد، الفتى ذو الأربعة عشر عاماً، بحثاً عن الحطب ليساعد عائلته على إعداد العشاء. اقترب من منطقةٍ تتمركز فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ثم اختفى. مضت عشرة أشهر على ذلك اليوم، وعائلته لا تزال تجهل مكانه حتى اللحظة.
قالت والدته نعيمة السيد : «في حوالي الساعة الرابعة مساءً من يوم 24 يونيو 2025، غادر أنس المنزل المتضرّر الذي لجأنا إليه في مخيم الشاطئ شمال غرب مدينة غزة، ليأتي بحطبٍ للطهي. ولم يعُد بعدها أبداً».
أوضحت نعيمة أنه خرج برفقة ابن عمّه الذي احتاج هو الآخر إلى الحطب لعائلته، لكن الصبي عاد وحده بعد ساعات. «في حوالي الساعة العاشرة ليلاً، عاد ابن أخي وقال إنه لا يعرف أين ذهب ابني».
وبينما كانا يجمعان الحطب، فتح المدفعية الإسرائيلية نارها مباشرةً على الولدين، فهرب كلٌّ منهما في اتجاهٍ مختلف. قالت نعيمة: «ابن أخي البالغ من العمر 12 عاماً ركض نحو البحر غرباً، وابني ركض نحو الشرق، أي باتجاه قوات الاحتلال». وأضافت: «اختبأ ابن أخي خلف الصخور ونادى عليه، لكن لم يكن ثمّة جواب. وفي النهاية عاد دونه».
حين حلّ الليل ولم يعُد أنس، خرج الأب للبحث عنه، غير أنه اضطرّ إلى التراجع حين ظهرت طائرة مسيّرة (كوادكوبتر) إسرائيلية فوق المنطقة وفتحت النار. «عاد وأخبرني أن الوضع بالغ الخطورة»، تقول نعيمة. «لم أنَم تلك الليلة. كنت أعدّ الدقائق حتى الفجر».
عند الفجر، خرجت وحدها. «مشيت ساعاتٍ وأنا أسأل كل من قابلته عن ابني»، تستذكر الأم التي تبلغ 49 عاماً. «قال لي بعضهم إنه ربما اعتُقل، وقال آخرون إنه ربما استشهد. في ذلك اليوم، زرنا مستشفى الشفاء ثلاث مرات للتحقق من وصول جثته، لكننا لم نجده. كأنه تبخّر من الوجود».
بحثٌ يائس
قصة أنس ليست استثناءً في هذه الحرب.
هذا الفتى واحدٌ من نحو 2,900 طفل فلسطيني مفقود في القطاع المنكوب منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، وفق ما يرصده المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً (PCMFD).
على مدار عشرة أشهر من الاختفاء، تواصلت العائلة مع عدد من المنظمات الدولية، من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، دون أن تتمكّن أيٌّ منها من تحديد مكانه. قالت نعيمة: «بدأنا نتفحّص قوائم المعتقلين المُفرج عنهم بحثاً عن اسمه. أبحث في الأعمار أوّلاً، أبحث عن 15، لأنه كان قد بلغ الخامسة عشرة الآن». وأضافت: «حين لا نجده، نحاول مقابلة كل من أُفرج عنه. نُريهم صورته ونسألهم إن كانوا رأوه. لكن لم يؤكّد أحدٌ شيئاً».
وبحسب تقديرات المركز، فإن نحو 2,700 من أصل 2,900 طفلٍ مفقود يُرجَّح أنهم استشهدوا وجثثهم لا تزال تحت الأنقاض، فيما اختفت آثار نحو 200 طفلٍ في مناطق متفرّقة من القطاع.
قالت منى أبو ناضة: «هؤلاء الأطفال إمّا اعتُقلوا وأُخفوا قسراً من قِبَل الجيش الإسرائيلي في مرحلةٍ ما خلال الحرب، وإمّا استُهدفوا واستشهدوا بطريقةٍ جعلت رفاتهم ضائعاً في مناطق خطرة، تشمل نقاط توزيع المساعدات والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي». وأضافت: «المشكلة أننا لا نستطيع إدراجهم ضمن القتلى ولا ضمن المعتقلين. مصيرهم مجهول، وأخبرتنا بعض العائلات أنها ستقبل بأي إجابة، حتى لو كان أطفالها قد قُتلوا. لا يمكنهم العيش في ظلّ هذا الغموض».
الغموض في المعلومات
يبلغ إجمالي الفلسطينيين المفقودين في قطاع غزة منذ عام 2023 نحو 8,000 شخص.
منذ بدء العملية البرية الإسرائيلية في أكتوبر من ذلك العام، اعتقل الجيش الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين من منازلهم وعند نقاط التفتيش التي أقامها، وفي المناطق المجاورة لمواقع انتشار قواته. وتواصل السلطات الإسرائيلية حجب المعلومات عن المحتجزين، بمن فيهم الأطفال، ورفضت طلبات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للاطلاع على أماكن وجود المعتقلين.
وقال باتريك غريفيثس، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، إن المنظمة لم تتمكّن من الوصول إلى مرافق الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، ولم تُبلَّغ بأسماء المحتجزين. وأضاف: «هذا يعني في جوهره أن ثمّة ثقباً أسود في المعلومات المتاحة لنا، وفي ما نستطيع تيسيره من معلومات للعائلات الباحثة عن ذويها».
وأشار غريفيثس إلى عائقٍ آخر يتمثّل في صعوبة تأكيد مصير المفقودين الذين قد يكونون لقوا حتفهم، لا سيما في غزة. وأوضح أن آلاف الجثث تقبع تحت أنقاض القطاع، في حين تبقى عمليات إزالة الأنقاض شبه معدومة. وقال: «لا توجد الوسائل المادية اللازمة لذلك. لا يعمل في الجزء الذي يمكن للناس العيش فيه من غزة سوى جرّافةٍ واحدة أو اثنتين لإزالة الأنقاض، فضلاً عن أن هذا العمل بالغ الخطورة». وأضاف: «نعلم أن أنقاض غزة مليئةٌ بالمخلّفات المتفجّرة، مما يجعل البحث عن ضحايا محتملين تحتها عملاً بالغ الخطورة وبطيئاً للغاية».
أمّا عائلة أنس، فإن الغموض نفسه بات ضرباً من العذاب. قالت نعيمة: «أتمنى لو نعلم إن كان حيّاً أم ميتاً، فقط لنعرف: هل نبحث عن طفلٍ محتجز أم عن جثة؟ لا أعرف إن كان في السجن، جائعاً، يُعذَّب، أو محروماً من النوم، أم أن جثته قد تحلّلت».
حين أُجبرت العائلة على النزوح جنوباً من مدينة غزة، حملت نعيمة ملابس أنس معها في كيسٍ بلاستيكي. واليوم، تحتفظ بها بالقرب من مكان نومها في خيمتهم المؤقتة في خان يونس جنوب القطاع.
«أشعر أنني أفقد عقلي. أجد نفسي أفعل أشياء لا معنى لها. الألم الذي أحمله لا يُطاق».
أخبار ذات صلة

الشرطة الإسرائيلية تقطع العلم الفلسطيني من قبّعة محاضر بعد اعتقاله

اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن، في سوريا

غارات إسرائيلية على قوات الأمن بغزة عقب هجوم عناصر مسلحة
