معضلة الاستدامة في اختيار المأكولات البحرية
تواجه الاستدامة في استهلاك المأكولات البحرية تحديات معقدة تتجاوز حماية الأنواع. من حقوق العمال إلى البصمة الكربونية، كيف يمكن للمستهلكين اتخاذ قرارات مستدامة في ظل هذا التعقيد؟ اكتشف المزيد في وورلد برس عربي.

المستهلك الأمريكي في مواجهة معادلة الاستدامة: حين يصبح اختيار السمك أصعب من فهم التكتيك
لا أحد يختلف على المبادئ الكبرى: لا تصطد أكثر مما تحتمله البيئة، لا تجرف قاع البحر، وأبقِ تربية الأحياء المائية صحيةً للأسماك والمحيط على حدٍّ سواء. هذه الأسس باتت شبه بديهية، حتى وإن ظلّت تفاصيل تطبيقها بعيدةً عن اهتمام غالبية المستهلكين.
لكنّ الاستدامة اليوم باتت ميداناً أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. لم تعد المسألة مجرّد حماية الأنواع المهدّدة أو تجنّب الصيد العشوائي، بل امتدّت لتشمل حقوق العمال، وحقوق الشعوب الأصلية في ممارسة أساليب الصيد التقليدية، والبصمة الكربونية لشريحة السلمون مقارنةً بشريحة لحم البقر، بل وصل الأمر إلى التساؤل عمّا إذا كانت سفن الصيد توفّر للعمال اتصالاً مجانياً بالإنترنت عالي السرعة.
كلّ هذه المعايير تُصنّفها وتُقيّمها وتُعلّمها شبكةٌ متشابكة من المنظمات المتنافسة والمتداخلة في آنٍ واحد، مما يجعل المشهد ضبابياً حتى للمختصّين أنفسهم.
يقول Robert Jones، المدير العالمي للأغذية المائية في منظمة The Nature Conservancy: "أنا خبيرٌ في هذا المجال، ومع ذلك أجد أحياناً صعوبةً في تتبّع هذه الأنظمة لمعرفة أيّ منتجٍ في المتجر يقابل أيّ تقييم، وما الفرق بين هذه الشهادة وتلك."
من بطاقة الإشارة إلى متاهة المعايير
لعقودٍ طويلة، كانت برنامج Seafood Watch التابع لمتحف Monterey Bay Aquarium هو الصوت الأبرز في مجال استدامة المأكولات البحرية. اعتمد البرنامج على نظام بطاقاتٍ ملوّنة أخضر وأصفر وأحمر تُشجّع على استهلاك أنواعٍ بعينها أو تُحذّر منها. كانت الفكرة واضحة: تناول سمك Arctic char الوفير، وتجنّب التونة التي تعاني ضغطاً على مخزونها.
تقول Jennifer Kemmerly، نائبة رئيس الحفاظ على المحيطات العالمية في Monterey Bay، إنّ ذلك النهج كان مناسباً قبل خمسةٍ وعشرين عاماً؛ إذ كانت مصائد الأسماك الخارجية المصدر الرئيسي لكثيرٍ مما يُستهلك في الولايات المتحدة بمنأى عن اللوائح الأمريكية، لكنّها كانت ستستجيب لو أنّ المستهلكين طالبوا بالخيارات المستدامة بصوتٍ كافٍ.
غير أنّ هذه التقييمات البسيطة خلّفت أثراً جانبياً، كما يرى Barton Seaver، خبير استدامة المأكولات البحرية في National Geographic. فبدلاً من أن يتمعّن المستهلك في الفروق الدقيقة هل السلمون المُربّى أفضل أم البرّي؟ (والإجابة تغيّرت مع الزمن) اختار كثيرون ببساطة تناول الدجاج.
يقول Seaver: "كان لا بدّ من تبرئة هذه الفئة بأكملها. نعم، كانت المعلومة أسهل هضماً، لكنّ النتيجة كانت الخوف والتردّد والعزوف العام."
الاستدامة بمعناها الأوسع
أوقف برنامج Seafood Watch نشاطه لاحقاً، جزئياً تحت وطأة ضغوط جائحة كوفيد. وبحلول ذلك الوقت، كان مفهوم الاستدامة قد اتّسع اتّساعاً كبيراً. حماية المخزون المهدّد لا تزال في صلب الأمر، لكنّ جملةً من القضايا الأخرى باتت تُعقّد المعادلة: معاملة العمال، وممارسات الصيد التجديدية، وملكية الأسطول هل هي محلية أم في يد شركاتٍ كبرى.
ويذهب كثيرون داخل القطاع وخارجه إلى أنّ أيّ اختبارٍ حقيقي للاستدامة لا بدّ أن يقيس أثر المأكولات البحرية مقارنةً بالبدائل الأخرى. يقول Seaver: "حين نُجري المقارنة عبر خمسة معاييرٍ جوهرية انبعاثات الغازات الدفيئة، والتغيّر في استخدام الأراضي، وكفاءة تحويل العلف، والمياه العذبة، والمضادات الحيوية تتصدّر المأكولات البحرية قائمة البروتين الحيواني. إن كنتَ تبحث عن الخيار المستدام على مائدة العشاء، فقد يكون سمكٌ مصنّفٌ باللون الأصفر أو حتى الأحمر أفضل بيئياً من الدجاج أو اللحم البقري."
والنتيجة معادلةٌ أعقد مما يستطيع غالبية المستهلكين استيعابه. ولا يُساعد على ذلك أنّ كثيراً من قضايا الاستدامة الجديدة غير بديهية للمستهلك العادي. ذلك الإنترنت على متن السفينة مثلاً؟ هو في الواقع شريانُ حياةٍ يتيح للعمال الإبلاغ عن انتهاكات العمل خلال أشهرٍ من الإبحار بعيداً عن الشاطئ.
قطاعات اللحوم والدواجن تتميّز بنمطٍ موحّد نسبياً في أساليب الإنتاج والتسويق، أما المأكولات البحرية فهي بطبيعتها فسيفساء من آلاف الأنواع والمناطق والأنظمة. يقول الطاهي الشهير Andrew Zimmern، الذي أنتج وثائقي "Hope in the Water" الذي يرصد جهود الاستدامة في هذا القطاع: "الخاسر الأكبر هنا هو المستهلك الأمريكي."
نحو ثقةٍ بدلاً من فوضى
على الرغم من هذا التضخّم المعلوماتي، ترى Kemmerly في هذا التعقيد علامةَ نجاحٍ لا إخفاق. تقول: "الشركات الكبرى التي التزمت بالاستدامة قبل خمسةٍ وعشرين عاماً معتقدةً أنّها مجرّد قضيةٍ بيئية، باتت اليوم مُلزَمة أيضاً بإعداد تقاريرٍ عن الحوكمة البيئية والاجتماعية."
الحلّ الذي يطرحه كثيرون هو بناء ثقةٍ في المأكولات البحرية الأمريكية. يريد Zimmern أن يتّفق جميع الأطراف من الصيادين والموزّعين إلى منظمات الرقابة على معاييرٍ محدَّثة بانتظام، تُحوّل عبء الاختيار الصحيح إلى القطاع وتُريح المستهلك من عناء التدقيق.
وهذا ليس ضرباً من الخيال. قطاع مأكولات Alaska البحرية يحظى بسمعةٍ راسخة في الاستدامة، لأنّ اللوائح الملزِمة بالممارسات الجيّدة مُدرَجة في الدستور الولائي ذاته. يقول Jeremy Woodrow، المدير التنفيذي لمعهد Alaska Seafood Marketing Institute: "دائماً ما نقول: إن اخترتَ Alaska، فهو الخيار السهل من منظور الاستدامة. لا توجد لدينا مصيدةٌ واحدة لا تُدار باستدامة. حاولنا تبسيط ذلك للمستهلك."
أما Seaver فيرى أنّ أفضل طريقةٍ لدعم القطاع هي أن يتفرّغ الطهاة والمستهلكون للبحث عمّا يُمتّع الذوق. وبرنامج Seafood Watch يبدو متّفقاً مع هذا التوجّه؛ إذ يُعيد إطلاق نفسه بتركيزٍ على تثقيف الطهاة حول الخيارات المستدامة.
فماذا يفعل المستهلك المحتار إذن؟ الإجماع يميل نحو توصيةٍ واحدة: اشترِ أمريكياً، ومحلياً متى أمكن. يقول Woodrow: "حين تذهب إلى Whole Foods، تثق بأنّهم قاموا بالعمل نيابةً عنك. وهذا ينطبق على كثيرٍ من سلاسل التجزئة الكبرى هذه الأيام. يجب أن يشعر المستهلك بالثقة حين يقف أمام رفّ الأسماك المجمّدة أو الطازجة فتلك الأسماك قادمةٌ من مصائد مسؤولة."
أخبار ذات صلة

القهوة اليمنية تعود: ازدهار ثقافة المقاهي اليمنية في أمريكا

سرقة القرن من متحف بوسطن: كيف اختفى نصف مليار دولار من اللوحات

تُعاد صناعة الكيمونو الياباني التقليدي بطرق إبداعية ومستدامة
