تصعيد أمريكي ضد المحكمة الجنائية الدولية وتهديد السيادة
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتهم إدارة ترامب بمحاولة تفكيك المحكمة الجنائية الدولية ويصفها بأنها تهدد سيادة الولايات المتحدة ويرد على مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو في تصعيد دبلوماسي حاد. التفاصيل على وورلد برس عربي.

وصف وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio إدارة Trump بأنّها تعمل على "تفكيك المحكمة الجنائية الدولية لبنةً لبنة"، في تصعيدٍ علني مباشر ضدّ المحكمة التي أصدرت عام 2024 مذكّرة اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu.
كتب Rubio في مقالٍ نشرته صحيفة The Wall Street Journal يوم الاثنين: "تدخّل المحكمة الجنائية الدولية في العمليات العسكرية الأمريكية وعمليات إنفاذ القانون لا يمثّل تجاوزاً صارخاً لصلاحياتها المزعومة فحسب، بل سيعني موت الولايات المتحدة بوصفها دولةً ذات سيادة ومستقلّة". وأضاف: "باستخدام كلّ الأدوات المتاحة لحكومتنا، والعمل جنباً إلى جنب مع كلّ حليفٍ يمكننا التنسيق معه، سنفكّك المحكمة الجنائية الدولية لبنةً لبنة إن اقتضى الأمر."
كما سجّل Rubio مقطع فيديو مطوّلاً حول الموضوع نشره على منصة X يوم الاثنين، اتّهم فيه المحكمة بمحاولة انتزاع حقّ الأمريكيين في الخضوع لقوانينهم الخاصة والمثول أمام هيئة محلّفين من أقرانهم حين يُوجَّه إليهم اتّهام. وقال في الفيديو: "لكنّ أصحاب النفوذ في أماكن بعيدة يريدون اليوم انتزاع ذلك منّا. يعتقدون أنّ عليهم أن يتولّوا التحكّم في قوانينكم وبلدكم وحياتكم ولا يعنيهم البتّة إن كنتم توافقون أم لا."
وأشار إلى أنّ الأمريكيين على الأرجح لا يعرفون أسماء قضاة المحكمة ومدّعيها العام ورؤسائها، وأنّهم "لا ينبغي أن يضطرّوا إلى ذلك"، في حين وصف المحكمة بأنّها تشنّ حرباً على الولايات المتحدة.
وأشار Rubio إلى أنّ المعارضة للمحكمة تحظى بدعمٍ "من الحزبَين" الجمهوري والديمقراطي، علماً بأنّ المحكمة تأسّست عام 2002 استجابةً للإبادات الجماعية والفظائع التي شهدتها مناطق نزاعٍ كرواندا ويوغوسلافيا السابقة.
واللافت أنّ Rubio لم يُشر صراحةً إلى مذكّرة الاعتقال الصادرة بحقّ Netanyahu ووزير دفاعه السابق Yoav Gallant بتهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في غزة، حيث ارتقى أكثر من 73,000 شهيد فلسطيني منذ أكتوبر 2023. وكانت المحكمة قد أصدرت أيضاً مذكّرات اعتقال بحقّ قادة في حركة Hamas .
"عولميّون متعجرفون"
قدّم Rubio قرار البيت الأبيض بتدمير المحكمة في إطارٍ قومي صريح، قائلاً: "تشنّ الولايات المتحدة حملةً دبلوماسية برسالةٍ واضحة الدول ذات السيادة فوق العولمة."
واستحضر Rubio ذاكرةً تاريخية أمريكية حين قال: "ناضل أجدادنا في ثورةٍ ضدّ قوّةٍ أجنبية كانت تنقلنا عبر البحار لمحاكمتنا على جرائم "، في إشارةٍ إلى سياسةٍ بريطانية استعمارية عمرها 200 عام. وأضاف: "الاستقلال حقٌّ موروث. لا ننوي التفريط فيه مقابل حكمٍ يفرضه عليّنا 'كهنوتٌ معيَّن ذاتياً' باسم القانون الدولي."
وأشار إلى التحقيق الذي أجرته المحكمة عام 2020 في اتهامات ارتكاب جنودٍ أمريكيين جرائم حرب في أفغانستان، محذّراً من أنّ المحكمة قد تمتدّ تحقيقاتها لتطال عناصر دورية حرس الحدود والمارينز. وقال: "المحكمة الجنائية الدولية تدعمها وتديرها شبكةٌ نافذة من المنظمات غير الحكومية اليسارية، والعولميّين المتعجرفين، والحكومات المعادية في دول العالم الثالث، يجمعها عداءٌ مشترك تجاه الولايات المتحدة."
وفي فيديوه على X، قال إنّه رغم أنّ المحكمة أُنشئت ظاهرياً لملاحقة أشدّ الجرائم خطورةً في الدول التي تعجز محاكمها عن ذلك، فإنّ "الحقيقة أنّها كانت أمراً أشدّ راديكاليةً وتطرّفاً بكثير: كانت محكمةً عالمية يديرها بيروقراطيون عولميون غير منتخَبين يدّعون أنّ سلطتهم شبه مطلقة."
والواقع أنّ المحكمة تضمّ 125 دولةً عضواً، من بينها جميع دول الاتحاد الأوروبي. وتاريخياً، كانت القوى الكبرى في العالم هي الأكثر عدائيةً للمحكمة، إذ لا ترغب في الخضوع لولايتها القضائية. والخصمان الجيوسياسيان الرئيسيان للولايات المتحدة، روسيا والصين، ليسا عضوَين في المحكمة.
وفي عام 2002، انسحب الرئيس George W. Bush رسمياً من نظام روما الأساسي وأصدر قانون حماية أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية (ASPA)، الذي قيّد التعاون الأمريكي مع المحكمة. بل يُخوّل هذا القانون استخدام القوة لتحرير أيّ مواطن أمريكي محتجَز، ممّا أكسبه لقب "قانون غزو لاهاي". وكانت واشنطن قد ضغطت أيضاً على دولٍ عديدة لإبرام اتفاقيات حصانة ثنائية تحول دون تسليم مواطنين أمريكيين إلى المحكمة.
حربٌ دبلوماسية
يؤكّد هجوم Rubio على المحكمة ما يذهب إليه كثيرون من أنّ الولايات المتحدة وأقرب حلفائها يشنّون حرباً دبلوماسية ضدّها بسبب مساعيها لمحاسبة إسرائيل على جرائم حرب في غزة، التي وصفتها الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان وباحثون متخصّصون في الإبادة الجماعية بأنّها إبادةٌ جماعية.
وكان الرئيس Donald Trump قد وقّع العام الماضي مرسوماً تنفيذياً يفرض عقوباتٍ على قضاة المحكمة بسبب التحقيقات التي تُجريها في حقّ مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى. وقد أثّرت هذه الإجراءات على حرية تنقّل القضاة وأمنهم الشخصي وأسرهم وقدرتهم على إجراء معاملاتٍ يومية اعتيادية، وفق ما أوردته وسيلة الإعلام التي نشرت هذا التقرير.
وكشفت التقارير أيضاً عن حملةٍ شنّها وزير الخارجية البريطاني الأسبق David Cameron ضدّ المحكمة، إذ هدّد سرّاً المدّعي العام البريطاني Karim Khan في أبريل 2024 بسحب التمويل والانسحاب من المحكمة إن أصدرت مذكّرات اعتقال بحقّ قادةٍ إسرائيليين.
وكانت الولايات المتحدة قد شاركت في المراحل الأولى لتأسيس المحكمة، ووقّعت على نظام روما الأساسي عام 2000 في عهد الرئيس Bill Clinton، غير أنّ النظام لم يُحَل قطّ إلى مجلس الشيوخ للمصادقة عليه، في ظلّ مخاوف من أن تلاحق المحكمة عسكريّين ومسؤولين أمريكيين بتهم جرائم حرب، لا سيّما في نزاعاتٍ كأفغانستان والعراق. وكانت المحكمة قد أصدرت كذلك مذكّرة اعتقال بحقّ الرئيس الروسي Vladimir Putin بتهمة جرائم حرب في أوكرانيا.
وختم Rubio فيديوه بتحذيرٍ حادّ: "لن تقف هذه الإدارة مكتوفة الأيدي بينما تسعى المحكمة الجنائية الدولية وحلفاؤها إلى تهديد مواطنينا. إن اعتقدوا أنّهم يستطيعون انتزاع سيادتنا، فسنعلّمهم المعنى الكامل للعزيمة الأمريكية."
أخبار ذات صلة

محكمة سودانية تحكم بالإعدام على قائد بـ RSF في قضية مجزرة غرب دارفور

اعتقال ثلاثة مشبوهين في اليونان بقضية تفجير أودى بحياة والدة سياسية

محكمة النزاع مع الفارك في كولومبيا على المحك: الرئيس المنتخب يعد بحلّها
