جيفرسون بين عبق التاريخ وتناقضات الحرية
جامعة فيرجينيا تحمل إرث توماس جيفرسون المعقد بين إعلان الحرية وواقع العبودية. مقال يستعرض تناقضات جيفرسون وتأثيره المستمر على التاريخ الأمريكي عبر رؤية تاريخية عميقة مع تسليط الضوء على تحديات الحاضر. وورلد برس عربي



تقف جامعة فيرجينيا شامخةً في شارلوتسفيل تلك الجامعة التي أسّسها توماس جيفرسون بنفسه واعتبرها من أبرز إنجازاته بينما يتوسّط حرمها الجامعي نصبٌ تذكاري لآلاف العبيد الذين عاشوا وعملوا فيها. هذا التناقض ليس استثناءً في سيرة جيفرسون؛ بل هو قاعدتها.
يتوقّف المؤرّخ جون ميتشام، الحائز على جائزة بوليتزر وصاحب السيرة الذاتية الشاملة لجيفرسون، لحظةً قبل أن يُجيب عن سؤال يبدو بسيطاً: ماذا يعني أن تكون "جيفرسونياً"؟
"لفترةٍ طويلة، قبل حركة الحقوق المدنية، كان يعني الميل نحو حقوق الولايات والحكومة المحدودة"، يقول ميتشام، الباحث المتخصّص في الذكرى المئوية الخمسينية والمئوية للدستور الوطني الأمريكي. ثم يتوقّف، ويطلب البدء من جديد، متذكّراً كيف استحضر الرئيس فرانكلين روزفلت صورة جيفرسون بوصفه "رسول الحرية" الذي كان سيؤيّد قتال الولايات المتحدة للنازيين في الحرب العالمية الثانية.
يمكن تعريف "الجيفرسونية" بأساليب لا تُحصى. قد يتجادل المؤرّخون حول "عظمة" كلٍّ من الآباء المؤسّسين، لكن مع اقتراب الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، يتّفق كثيرون منهم على أنّ حياة جيفرسون وإرثه لا يضاهيهما أحد في الحضور والتأثير. فقد جسّد "أفضل ما في الولايات المتحدة وأسوأ ما فيها في آنٍ واحد"، على حدّ تعبير ميتشام.
وبين هذين القطبين، ثمّة الكثير.
تناقضٌ في صميم الميلاد الأمريكي
تتجذّر ولادة أمريكا في أعمق تناقضات جيفرسون: الرجل الذي أعلن أنّ "جميع البشر خُلقوا متساوين" ظلّ مالكاً للعبيد حتى آخر أيام حياته. غير أنّ جيفرسون أسهم في استكشاف وتطوير جوانب متعدّدة من القضايا ووجهات النظر التي رسمت مسار البلاد: الاكتفاء الزراعي والابتكار المنفتح على العالم، والتعددية والانفصالية، والحكومة المحدودة وأحلام "إمبراطورية الحرية".
"لا يوجد شخصية أكثر مرونةً وقابليةً للتشكيل في أمريكا المبكّرة من جيفرسون"، يقول أندرو بورشتاين، أستاذ التاريخ في جامعة لويزيانا ستيت، الذي لخّص إرث جيفرسون في كتابٍ أصدره قبل عقدٍ بعنوان: "Democracy's Muse: How Thomas Jefferson became an FDR Liberal, a Reagan Republican, and a Tea Party Fanatic, All the While Being Dead".
"ثمّة لحظاتٌ في التاريخ الأمريكي كان فيها كلّ شخصٍ تقريباً يعتبر نفسه 'جيفرسونياً'"، يقول المؤرّخ بيتر أونوف، صاحب الأعمال العديدة حول جيفرسون. "ومع ذلك، حتى في تلك اللحظات، كان شخصيةً مثيرةً للجدل."
جدلٌ لا ينتهي
يُناقَش إرث جيفرسون حتى في الأماكن التي وُجدت بفضله.
في مونتيشيلو، المنزل الجبلي والمزرعة خارج شارلوتسفيل حيث كان جيفرسون يقيم حين لا يشغل منصباً عاماً، تتصدّر لافتةٌ قرب المدخل تضمّ نصّ إعلان الاستقلال مع عبارة "بعد كلّ شيء، كاتبه رجلنا." لكن ما إن تدخل الأرض حتى تصطدم بذكريات استعبادٍ في كلّ مكان: من "مقبرة العبيد" التي تضمّ عشرات القبور، إلى معرضٍ مخصّص لسالي هيمينغز، المرأة المستعبَدة التي يُعتقد على نطاقٍ واسع أنّ جيفرسون أنجب منها ستّة أطفال.
يستحضر براندون ديلارد، مدير التفسير التاريخي والتواصل مع الجمهور في مونتيشيلو، مهمّة الطاقم المتمثّلة في "رواية قصص أمريكا المعقّدة في نشأتها وتقدّمها المتعثّر نحو المُثُل التي صاغها جيفرسون في إعلان الاستقلال بلا مواربة."
واعتبر جيفرسون مونتيشيلو ملاذاً من أعباء العصر، لكنّ العصر يجد طريقه إليه دائماً. يُشير أحد المرشدين في جولة الحدائق إلى أنّ نبتةً قابلةً للطيّ كان جيفرسون يحاول زراعتها دون جدوى وهي "Mimosa Pudica" أو "النبتة الحسّاسة" باتت اليوم تنمو بفضل التغيّر المناخي. كما يُشير ديلارد إلى أنّ مركز الزوّار حاصلٌ على شهادة LEED الذهبية للطاقة الخضراء، وأنّ أنظمة جيوثيرمية (Geothermal) جرى تركيبها في مبانٍ أخرى للتحكّم في درجات الحرارة.
يطرح مونتيشيلو أيضاً تساؤلاتٍ قديمةً ومستجدّة حول العرق. فمعظم المرشدين من البيض، وهي إشكاليةٌ يُقرّ ديلارد بأنّها منتشرة على المستوى الوطني. وقد كشف استطلاعٌ أصدرته الجمعية الأمريكية للتاريخ المحلّي والولائي أنّ نحو 10% فقط من العاملين في المتاحف والمواقع التاريخية والجمعيات التاريخية هم من غير البيض، وأنّ كثيراً من "المستطلَعين اللاتينيين ومتعدّدي الأعراق أفادوا بتعرّضهم لمعدّلاتٍ أعلى من التمييز والتحرّش."
جيفرسون لكلّ مناسبة
تمتدّ تناقضات جيفرسون عبر معظم التاريخ الأمريكي؛ فقد استند إليه الطرفان في الحرب الأهلية، والطرفان في حركة الحقوق المدنية.
احتجّ الكونفيدراليون في القرن التاسع عشر والانفصاليون العنصريون في القرن العشرين بدفاعه عن حقوق الولايات، في حين أبرز أبراهام لينكولن وقادة الحقوق المدنية صورته بوصفه كاتب إعلان الاستقلال. وفي غضون أشهرٍ قليلة عام 1963، استُشهد باسمه في خطاب تنصيب حاكم ألاباما جورج والاس حين أقسم على مقاومة الجهود الفيدرالية لتكامل مدارس الولاية، ثم استحضره القسّ مارتن لوثر كينغ في خطابه الشهير "لديّ حلم" خلال مسيرة واشنطن.
استعان روزفلت بجيفرسون حليفاً أيديولوجياً للـ New Deal إذ بدأ النصب التذكاري لجيفرسون في واشنطن العاصمة مشروعاً ضمن تلك الحقبة فيما رفع الرئيس رونالد ريغان، المنقلب من مؤيّد للـ New Deal إلى محافظ، صورة جيفرسون عَلَماً في وجه الإنفاق الحكومي المبذّر. وكثيراً ما استشهد المدافعون عن حرية التعبير بجيفرسون لدعمه الحاسم لوثيقة الحقوق (Bill of Rights)، في حين اقتبس الرئيس دونالد Trump من شكوى جيفرسون عام 1807 القائلة "لا شيء يمكن تصديقه مما تنشره الصحف الآن" دليلاً ضمنياً على حربه الحديثة ضدّ "الأخبار الكاذبة."
كذلك وُضع جيفرسون على طرفَي الانقسام الراهن حول الهجرة. يستشهد إبرام X. كيندي، مؤلّف كتاب "How to Be an Anti-Racist"، بإيمان جيفرسون الموثّق بالتهجير القسري للسود إلهاماً للتحيّز المعاصر وكره الأجانب. في المقابل، وفي وقتٍ تسعى فيه إدارة Trump بقوّة إلى تقييد الهجرة وحتى إلغاء جنسية بعض المواطنين، يواصل مونتيشيلو احتفالياته المعتادة منذ عقود لمنح الجنسية في الرابع من يوليو، مع حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر متحدّثةً رئيسيةً مرتقبةً هذا العام.
"حين يتشارك المواطنون الجدد قصصهم الشخصية في كلّ رابع من يوليو"، يقول ديلارد، "نتذكّر أنّ القيم التي أعلنها ذلك الإعلان هي قيمٌ يتطلّع إليها الناس من كلّ الخلفيات."
زوّارٌ كثيرون، دوافع متعدّدة
يستقطب مونتيشيلو مئات الآلاف من الزوّار سنوياً، يأتون لأسبابٍ شتّى.
إيرين بورتر، ابنة فيرجينيا في الأربعينيات من عمرها، لم تزر مونتيشيلو قطّ حتى وقتٍ قريب وأرادت شطبه من قائمة أمنياتها. أمّا ناثان جايكوكس من كونيتيكت، المهندس النووي السابق، فجاء يستوعب التاريخ استعداداً لمادّةٍ دراسية يأمل في تدريسها. وكان لدوان كرومويل، المقيم منذ أمدٍ طويل في فانكوفر، هدفٌ شخصيٌّ تماماً.
كرومويل، البالغة من العمر 70 عاماً، نشأت في غرينفيل بولاية كارولاينا الجنوبية، حيث تعلّمت أنّ العبودية كانت "ضرورةً اقتصادية" ولم تسمع شيئاً عن تاريخ جيفرسون في استعباد البشر. وصلت إلى مونتيشيلو الشهر الماضي خلال إجازةٍ عائلية، حريصةً على تجاوز "الرواية الجنوبية المزوَّرة" وأساطير "اليانكيز" الأشرار والمتمرّدين الضحايا الذين قاوموهم.
"هل لاحظتم يوماً نبتة الكودزو (Kudzu) وهي تتسلّق الأشجار والمباني في الجنوب؟ إنّها نباتٌ غازٍ جُلب إلى المنطقة للسيطرة على تآكل التربة. العنصرية تماماً كذلك: منتشرةٌ في كلّ مكان، جزءٌ من الأفق، حاضرةٌ دائماً حتى تكفّ عن ملاحظتها"، تقول كرومويل.
"مع ذلك، أعتقد أنّ الناس باتوا يتعايشون بشكلٍ أفضل، وثمّة تفاعلٌ وعلاقاتٌ أكثر مما كانت عليه حين نشأت. الجميع يحتاج بعضه بعضاً، وفي الجنوب روحٌ من الفكاهة والودّ تُعين الناس على تجاوز اللحظات الحرجة."
بالنسبة لكرومويل، كان مونتيشيلو فرصةً لتثقيف الذات والارتقاء بها ولتستخدم، كما فعل كثيرون قبلها، توماس جيفرسون مرآةً تعكس أمريكا على حقيقتها.
"أليس هذا جوهر الأمر كلّه؟"
أخبار ذات صلة

ليندسي غراهام، المؤيّد الأساسي لإسرائيل والحروب الأمريكية، يموت عن 71 عاماً

إدارة ترامب تشدّد الضغط على الولايات لتغيير ممارساتها الانتخابية

ترامب يعود من تركيا على متن طائرة "إير فورس ون" القديمة، لا الهدية القطرية
