وورلد برس عربي logo

أزمة السودان الإنسانية بين العقوبات والعودة المأساوية

بينما تتزايد العقوبات الدولية على السودان، يواجه المدنيون واقعًا مريرًا مع انهيار البنية التحتية. ملايين يعودون إلى مدن مدمرة بلا خدمات. كيف يمكن للعالم أن يتحرك لحماية الناجين وإعادة البناء؟ اكتشف المزيد في مقالنا.

رجل يسير في منطقة مدمرة في السودان، حيث تظهر المباني المتضررة والأنقاض، مما يعكس آثار الحرب والأزمة الإنسانية المستمرة.
رجل يسير بين الأنقاض بالقرب من المباني المدمرة بشكل كبير في الضواحي الجنوبية الغربية من العاصمة السودانية الخرطوم، في 30 يوليو 2025 (إبراهيم حامد/أ ف ب)
التصنيف:أفريقيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حرب السودان: العقوبات والتعهدات الإنسانية

بينما كان الدبلوماسيون مجتمعين في واشنطن في وقت سابق من هذا الشهر لحشد التمويل الإنساني للسودان، وبينما أعلنت المملكة المتحدة عن عقوبات جديدة تهدف إلى تفكيك "آلة الحرب" في السودان، أصبح التناقض الواضح أكثر وضوحًا: العمل الدولي يتسارع على الورق، ولكن على أرض الواقع، لا تزال جهود حماية المدنيين وجهود التعافي غير متطورة بشكل خطير.

ملايين المدنيين السودانيين يعودون إلى مدن مدمرة بلا كهرباء ولا مستشفيات ولا خدمات عامة فعالة. أصبح العالم أكثر كفاءة في معاقبة المتحاربين ولكن ليس في حماية الناجين.

التناقض بين العمل الدولي والواقع المدني

بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، تخاطر السياسة العالمية بشأن السودان بالخلط بين الإشارات الأخلاقية والاستراتيجية العملياتية.

تُظهر حزم العقوبات الجديدة وتعهدات المانحين انخراطًا سياسيًا، لكن الكارثة الإنسانية تستمر في التفاقم، مما يكشف عن اتساع الفجوة بين النشاط الدبلوماسي والواقع المدني.

وتستهدف العقوبات التي أعلنت عنها المملكة المتحدة مؤخراً الأفراد المتهمين بدعم اقتصاد النزاع في السودان وتمكين العمليات العسكرية. وقد صاغ المسؤولون البريطانيون هذه الإجراءات على أنها محاولة لإضعاف الهياكل المالية التي تدعم العنف والإفلات من العقاب.

وقد جاء هذا الإعلان في الوقت الذي أطلقت فيه الولايات المتحدة الأمريكية "صندوق السودان الإنساني دعوة للعمل" في واشنطن، بهدف حشد التزامات المانحين وتنسيق الوكالات الدولية وتعزيز آليات الاستجابة الإنسانية للأزمة المتصاعدة في السودان.

هذان التطوران معاً يجسدان معاً المسار المزدوج الذي يشكل الاستجابة الدولية: توسيع نطاق العقوبة من جهة، وزيادة التعهدات الإنسانية من جهة أخرى. ولكن لا تحل أي من المبادرتين على الأقل بصيغتهما الحالية الفراغ التشغيلي المركزي: إطار عمل متماسك وقابل للتنفيذ لحماية المدنيين والعودة الآمنة واستعادة البنية التحتية.

الأنظمة المنهارة في السودان

لا يزال السودان أكبر أزمة نزوح في العالم، وفقًا لـ المنظمة الدولية للهجرة حيث أُجبر ملايين الأشخاص على الفرار من ديارهم منذ بدء الحرب.

حركة العودة: الأسباب والتحديات

ولكن الاتجاه الذي يتم تجاهله هو الحجم الهائل لحركات العودة: ويشير تتبع المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين سوداني قد عادوا إلى مناطق تشمل ولاية الخرطوم والجزيرة وأجزاء من دارفور ليس بسبب تحسن الوضع الأمني، ولكن لأن النزوح أصبح غير مستدام اقتصادياً واجتماعياً.

يسير العائدون إلى أنظمة منهارة. ووفقاً لليونيسيف، فإن أكثر من 70 في المئة من المرافق الصحية لا تعمل، في حين لا يزال ملايين الأطفال خارج المدرسة، كما أن البنية التحتية الحيوية للمياه قد دمرت أو نهبت.

وفي الخرطوم، التي كانت يوماً ما المركز الإداري والاقتصادي للسودان، تعرضت شبكات الكهرباء والجامعات والمستشفيات وشبكات المياه لأضرار جسيمة. وتعمل الأسواق بشكل غير منتظم، والإدارة العامة مجزأة، ولا يزال الأمن المحلي متقلباً.

العودة دون إعادة الإعمار لا تمثل تعافيًا. إنها تمثل جزءًا من دورة النزوح، دورة تغادر فيها الأسر وتعود بدافع اليأس، وتضطر إلى الفرار مرة أخرى عندما تثبت الظروف أنها غير قابلة للعيش.

تعزز العقوبات الجديدة التي فرضتها المملكة المتحدة نمطًا مألوفًا. وتستمر آليات المساءلة في التوسع من خلال تصنيفات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تستهدف القادة والشبكات المالية ومرتكبي الفظائع.

أثر العقوبات على إعادة الإعمار

هذه التدابير تسمية الجناة وتقييد الحركة المالية_ مهمة. لكن العقوبات وحدها لا تعيد بناء شبكات المياه أو إعادة فتح المستشفيات أو تأمين الأحياء.

الشبكات غير المشروعة وتأثيرها

الجهات المسلحة في السودان ليست مقيدة في المقام الأول بالوصول إلى المصارف الغربية. فهم يعملون من خلال شبكات المحسوبية الإقليمية وطرق التجارة غير المشروعة وأسواق الذهب والقنوات المالية البديلة. يمكن للعقوبات أن تسهم في المساءلة على المدى الطويل وعزل النخبة، لكن قدرتها على المدى القصير على تغيير السلوك في ساحة المعركة أو حماية المدنيين العائدين تظل محدودة.

فبدون آليات إنفاذ مرتبطة بالامتثال لوقف إطلاق النار وضمانات وصول المساعدات الإنسانية وأنظمة المراقبة المدنية، فإن العقوبات قد تصبح أدوات أدائية أي أنها تشير إلى الإدانة دون إعادة تشكيل البيئة التي يجب أن يعيش فيها المدنيون بشكل جوهري.

تعكس مبادرة صندوق واشنطن للمساعدات الإنسانية الاعتراف بضرورة توسيع نطاق تمويل الإغاثة بشكل عاجل. وإذا ما تم تصميم مشاركة المانحين بشكل فعال، يمكن أن تدعم المشاركة المنسقة للمانحين استعادة الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية وتعزيز آليات الحماية للعائدين.

إلا أن تاريخ السودان مليء بالمؤتمرات التي ولدت تعهدات بدلاً من التغيير الهيكلي.

التحديات أمام العقوبات في حماية المدنيين

سيكون الاختبار الحقيقي لمبادرة واشنطن هو ما إذا كانت ستدمج التمويل الإنساني في هيكلية سلام أوسع نطاقاً هيكلية تربط الإغاثة بمراقبة وقف إطلاق النار وممرات حماية المدنيين واستعادة الحكم المحلي. وبدون هذا التكامل، فإن المؤتمر يخاطر بتكرار النمط المألوف: المظاهر الدبلوماسية القوية المقترنة بتأثير ضعيف على المستوى الميداني.

ما ينقصنا هو بنية سلام أوسع نطاقاً وإدماج المدنيين. ولا تزال مفاوضات السلام مجزأة. إذ تعمل مسارات وساطة متعددة في وقت واحد، وتتنافس الجهات الفاعلة الخارجية على النفوذ، وتعثرت مبادرات وقف إطلاق النار مراراً وتكراراً. ولا يزال المجتمع المدني السوداني بما في ذلك لجان المقاومة والجمعيات المهنية والمجموعات النسائية والشبكات الإنسانية على هامش هياكل التفاوض الرسمية.

وتُظهر الأبحاث حول عمليات السلام باستمرار أن الاتفاقات التي تنطوي على مشاركة المجتمع المدني تُظهر معدلات أعلى في الاستمرارية والامتثال. يكرر السودان نموذج الفشل المعروف: مفاوضات النخبة دون شرعية اجتماعية.

العدالة والمساءلة في سياق الأزمة

قد تشكل العقوبات ومؤتمرات المانحين البيئة المحيطة بالمفاوضات، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن إطار سلام قابل للتنفيذ متجذر في الشرعية المحلية وحماية المدنيين.

الحقيقة غير المريحة هي أن العقوبات والمؤتمرات أسهل من الناحية السياسية من إنفاذ السلام وإعادة بناء البنية التحتية. فتجميد الأصول يتطلب مخاطر سياسية أقل من نشر آليات المراقبة. وإعلان التعهدات أسهل من تمويل إعادة الكهرباء أو تأمين الأحياء الحضرية.

تظل العدالة والمساءلة عنصرين أساسيين في عملية تعافي السودان على المدى الطويل. يجب أن تظل العقوبات جزءًا من هيكلية مساءلة أوسع نطاقًا، لا سيما فيما يتعلق بالعمليات القانونية بعد الحرب وتعقب الأصول. لكن لا ينبغي أن تكون على رأس التسلسل الهرمي للسياسة بينما يعود المدنيون إلى المدن دون ماء أو كهرباء أو مدارس أو حماية.

استراتيجية دولية فعالة لتعافي السودان

من شأن استراتيجية دولية ذات مصداقية أن تقلب الأولويات الحالية. يجب على المجتمع الدولي فرض ومراقبة وقف إطلاق النار من خلال آليات دولية منسقة. كما يجب أن ينشئ ممرات مدنية محمية وأطر عودة للمدنيين، وأن يعيد تأهيل البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والرعاية الصحية وأنظمة التعليم.

والأهم من ذلك، يجب إشراك المجتمع المدني السوداني بشكل مباشر في عمليات التفاوض. ويجب أن تستمر العقوبات كأداة تكميلية للمساءلة، وليس كاستراتيجية أساسية.

لا ينقص السودان الإدانات أو حزم العقوبات أو مؤتمرات المانحين. إنه يفتقر إلى أولويات تنفيذية متوائمة ترتكز على التسلسل الهرمي الحي لبقاء المدنيين: السلامة قبل الرمزية، والبنية التحتية قبل المظاهر، والسلام قبل المواقف.

أهمية إشراك المجتمع المدني في عمليات السلام

بالنسبة للعائلات العائدة إلى الأحياء المدمرة، فإن العقوبات غير مرئية. ما يهم هو ما إذا كانت الأنوار مضاءة، وما إذا كانت العيادات مفتوحة، وما إذا كانت المياه النظيفة تتدفق، وما إذا كانت الجماعات المسلحة تنسحب.

ينبغي قياس السياسة الدولية بالطريقة نفسها: ليس بما تعلنه، بل بما يمكن للمدنيين التعايش معه فعلياً.

أخبار ذات صلة

Loading...
شاب مهاجر يركع في مياه شاطئ سبتة متضرعاً وسط أزمة الهجرة غير النظامية من المغرب إلى إسبانيا.

المغرب لم يعطني شيئاً: الشباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة

تواجه سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة مع دخول آلاف المغاربة بصورة غير نظامية، وسط اتهامات بتواطؤ السلطات وتصاعد معاناة المهاجرين. اكتشف التفاصيل وكيف تؤثر الأزمة على المنطقة الآن.
أفريقيا
Loading...
متظاهرون يحملون لافتات تطالب بوقف جرائم الحرب في السودان، تعبيراً عن الاحتجاج ضد العنف في دارفور.

ضربة درون على محكمة في شمال دارفور تقتل 35 شخصاً على الأقل

شهدت دارفور تصعيداً خطيراً بضربة مسيّرة استهدفت محكمة عرفية، وأحكام إعدام غيابية ضد قيادات الدعم السريع بتهم جرائم حرب. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره على السودان الآن.
أفريقيا
Loading...
مهاجرون شباب يحتفلون بحماس بعد عبورهم الحدود إلى سبتة، الجيب الإسباني في شمال أفريقيا، وسط موجة هجرة كبيرة من المغرب.

الهجرة والسيادة: ما تحتاج معرفته عن سبتة الإسبانية وسياق الأزمة المغربية

تتصاعد موجة الهجرة نحو سبتة الإسبانية على الحدود المغربية، مع محاولات عبور خطيرة وسط توتر دبلوماسي متصاعد. اكتشف أسباب الأزمة وتفاصيل التدخل العسكري الإسباني الآن.
أفريقيا
Loading...
خريطة توضح موقع السودان وأطرافه مع إبراز الخرطوم كمركز للصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع.

غارات بطائرات مسيّرة على مركبات مدنية تقتل 20 شخصاً على الأقل في السودان

تصاعدت ضربات الطائرات المسيّرة في السودان مستهدفة المدنيين ومركباتهم، ما أودى بحياة العشرات وأثار قلقاً دولياً. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإنساني العميق الآن.
أفريقيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية