باتايا بين تاريخها العسكري ومستقبل السياحة العائلية
باتايا مدينة تحمل تاريخاً معقداً بين الماضي العسكري والسياحة الليلية، وتسعى اليوم لتغيير صورتها عبر جذب العائلات والسياح مع الحفاظ على اقتصادها المتنوع. قصة تناقضات وتحديات في قلب تايلاند مع وورلد برس عربي.





بين الماضي العسكري وطموح الواجهة الجديدة: ماذا تريد Pattaya أن تكون؟
على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرق بانكوك، تمتدّ على الخليج مدينةٌ تحمل في تاريخها تناقضاً صارخاً: Pattaya، التي بدأت قريةً للصيّادين، ثم أصبحت ملاذاً للجنود الأمريكيين في زمن الحرب، ثم وجهةً سياحية يزورها الملايين سنوياً وهي اليوم تحاول أن تعيد كتابة قصّتها، فيما تستقبل نحو 5,000 بحّار وجندي من مشاة البحرية على متن حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، القادمين في إجازة استراحة بعد جولة طويلة ومضطربة في الشرق الأوسط.
لكنّ إعادة الكتابة لا تمحو السطور القديمة بسهولة.
كيف تحوّلت قرية الصيّادين إلى ما أصبحت عليه؟
الحكاية تبدأ في الستينيات، حين كانت الحرب في فيتنام تُعيد رسم خريطة جنوب شرق آسيا. استقرّ ما بين 40,000 و50,000 عسكري أمريكي في تايلاند، وكانت Pattaya قريبةً من قاعدة Sattahip البحرية الملكية التايلاندية ومن مطار U-Tapao الذي أقلعت منه قاذفات B-52 التابعة للقوات الجوية الأمريكية. الجنود المنهكون وجدوا في هذه المدينة الساحلية الصغيرة ما يبحثون عنه: شاطئاً وليالي بلا قيود.
تقول الكاتبة Elizabeth Becker، مؤلّفة كتاب "Overbooked"، إنّ المدينة "تحوّلت إلى ملعبٍ ساحلي مائن"، وهو وصفٌ يختصر مرحلةً كاملة. ففي عام 1966، فتح قانون أماكن الترفيه ثغرةً قانونية سمحت بممارسة شبه علنية للتجارة الجنسية في الحانات وصالونات التدليك، على الرغم من أنّ الدعارة كانت قد جُرِّمت في تايلاند منذ عام 1960. تناقضٌ قانوني عاشته المدينة لعقود، وشكّل هويّتها في أعين العالم.
بعد انسحاب الجيش الأمريكي عام 1976، لم تنهَر المدينة اقتصادياً بل تحوّلت نحو السياحة المدنية. وفي التسعينيات، فتح انهيار الاتحاد السوفيتي باباً جديداً: وصل السيّاح الروس عبر رحلات مباشرة إلى مطار U-Tapao، بموجب اتفاقية إعفاء من التأشيرة لمدة 30 يوماً، وسرعان ما ظهرت اللافتات بالحروف السيريلية في شوارع المدينة. لكنّ هذه الموجة جلبت معها أيضاً فارّين من العدالة ومجرمين من روسيا وأوروبا الشرقية والغربية، فضلاً عن عصابات دراجات نارية أسترالية ممّا أضاف طبقةً أخرى من التعقيد إلى صورة المدينة.
بين "Walking Street" وحديقة الأطفال
اليوم، تسعى Pattaya إلى شيء يشبه التوازن المستحيل: أن تحتفظ بما يجذب السيّاح الليليين، وأن تفتح ذراعيها في الوقت ذاته للعائلات. افتُتحت فيها حديقة مائية بطابع Cartoon Network، وحديقة Nong Nooch الاستوائية النباتية، ومتحف Sanctuary of Truth وهو منشأة خشبية ضخمة يتجاوز ارتفاعها 100 متر إلى جانب ملاعب الغولف وفعاليات الجري ورحلات الجزر.
غير أنّ "Walking Street" لا تزال تمثّل قلب الحياة الليلية وما يرتبط بها من سياحة جنسية. والتناقض ليس مخفيّاً: تقرير يُقرّ صراحةً بأنّ "سمعة Pattaya بوصفها وجهةً للسياحة الجنسية لا تزال قائمة، وإن كانت هذه ليست سوى جزء من قصّة المدينة."
وفي ظلّ هذا كلّه، يتوافد آلاف البحّارة والجنود الأمريكيين على المدينة، عبر ميناء Laem Chabang وقاعدة Sattahip البحرية القريبَين. دوريات Shore Patrol التابعة للبحرية الأمريكية تعمل جنباً إلى جنب مع الشرطة التايلاندية للحدّ من الإشكاليات، في حين أنّ القانون العسكري الأمريكي تحديداً المادة 134 من قانون العدالة العسكرية الموحّد يُجرّم الدفع مقابل الجنس. لكنّ القوانين وحدها لا ترسم الواقع.
من يدفع ثمن هذه الهوية؟
ثمّة وجهٌ آخر للقصّة لا يظهر في الصور الترويجية: النساء القادمات من منطقة Isan الشمالية الشرقية الفقيرة في تايلاند، اللواتي يجدن في اقتصاد الليل دخلاً يفوق ما تُتيحه الزراعة الريفية بأضعاف. الفجوة الاقتصادية هي التي تُغذّي هذه المنظومة، لا الرغبة في الهامش.
Pattaya مدينةٌ تعرف كيف تتكيّف فعلت ذلك مع الجنود الأمريكيين، ومع السيّاح السوفييت، ومع الأسواق الآسيوية الصاعدة. لكنّ السؤال الذي يظلّ معلّقاً هو: هل يمكن لمدينةٍ أن تُعيد بناء صورتها دون أن تُعالج البنية الاقتصادية التي صنعت تلك الصورة أصلاً؟ الحديقة المائية لا تُجيب عن هذا السؤال. ولا تُجيب عنه حاملة الطائرات الراسية في الميناء.
أخبار ذات صلة

طهران: حياتان متوازيتان في مدينة واحدة

الملابس المستعملة في السويد: تبادلات عصرية لتقليل النفايات البيئية

يتوافد سكان نيويورك إلى حديقة مانهاتن لمشاهدة استعراض الطيور المحبوبة
