وورلد برس عربي logo

حياة الإيرانية بين الاحتجاجات والحرب المتصاعدة

في طهران، تتقاطع مشاهد الحرب والاحتجاجات مع حياة الباعة المتجولين. كيف أثرت الأزمات الأخيرة على الاقتصاد والواقع اليومي للإيرانيين؟ اكتشف كيف غيّرت هذه الأحداث تصورهم للمستقبل في ظل تصعيدٍ متواصل.

زوجان يسيران معًا في شارع بطهران، ممسكين بأيديهما، بينما يتبعهم كلب صغير، محاطان بمشاهد الحياة اليومية.
زوجان إيرانيان يسيران في شارع مزدحم في طهران بتاريخ 25 أبريل 2026 (أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أحد أمسيات الأيام الأخيرة، على أحد شوارع طهران المركزية، ركع بائعٌ متجوّل بجانب بضاعته المنثورة على الرصيف، يُرتّب قطع الملابس وبعض الأدوات المنزلية الصغيرة تحت وهج أضواء السيارات المتقاطعة وأصوات أبواقها المتواصلة.

همس بصوتٍ خافت، أقرب إلى الشكوى منه إلى الحديث: "انظر، هذه هي حياتنا الآن."

كانت حركة المارّة تتدفّق من حوله بشكلٍ متقطّع؛ بعضهم يُبطئ خطاه لينظر، وآخرون يمضون دون أن يلتفتوا.

على بُعد أمتارٍ قليلة، في الجانب الآخر من الشارع نفسه، كانت حشودٌ تتجمّع تدريجياً، تُصدر مكبّرات الصوت أصواتاً صاخبة، وترتفع الأعلام، وتُعزف الموسيقى، وتتردّد الشعارات الموجّهة ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب أناشيد وطنية، لتملأ أجواء الليل.

المشهدان تكشّفا في آنٍ واحد، في المكان ذاته. غير أنّهما قدّما صورتَين متباينتَين تماماً عمّا تبدو عليه الحياة في طهران اليوم، في خضمّ تصعيدٍ متسارع ومُربك شهدته الأشهر الأخيرة.

في يونيو الماضي، خاضت إيران حرباً استمرّت 12 يوماً مع إسرائيل، ثم تورّطت فيها الولايات المتحدة لاحقاً، في أعنف مواجهةٍ مباشرة وواسعة النطاق تشهدها المنطقة منذ عقود.

أعقب ذلك اندلاعُ احتجاجاتٍ شعبية واسعة قوبلت بحملة قمعٍ عنيفة، ثم انقطاعٌ شبه تامّ عن الإنترنت لما يقارب شهراً كاملاً في يناير. وبعد أشهرٍ قليلة، عاد الإيرانيون ليعيشوا دورةً جديدة من التصعيد امتدّت أربعين يوماً.

لسنواتٍ طويلة، كانت هواجس الإيرانيين تتمحور حول التدهور الاقتصادي المزمن وتضيّق هامش الحريات، لا حول تصعيدٍ مفاجئ ينزلق نحو صراعٍ مفتوح وعدم استقرارٍ متواصل.

مجتمعةً، غيّرت هذه التطوّرات ليس فقط مجريات الحياة اليومية، بل حدود ما يتصوّره الناس ممكناً في المستقبل.

أوّلاً الاحتجاجات، ثمّ الحرب

قالت نفيسة، مدرّسة اللغات: "قبل كلّ هذا الحرب والدمار ورؤية المدنيين يُصطادون في خضمّها كنّا نظنّ أنّ علينا فقط أن نصارع الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتضيّق الخناق."

وأضافت: "كانت الحياة صعبةً أصلاً، لكنّنا لم نتخيّل قطّ أن تبلغ هذا الحدّ، أو لا قدّر الله أن تزداد سوءاً."

حين حلّت هدنةٌ هشّة في أبريل، ظلّت التداعيات الاقتصادية ماثلةً للعيان. فقد أسهمت الضربات التي طالت المنشآت الصناعية والبتروكيماوية، إلى جانب حالة عدم الاستقرار الشاملة، في تعميق الضائقة الاقتصادية المباشرة.

يصف السكّان هذه التداعيات بعباراتٍ عملية: ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتصاعد تكاليف الغذاء والدواء، وتآكل القدرة الشرائية.

في الوقت ذاته، ارتفعت معدّلات البطالة بشكلٍ حادّ.

تضرّرت بعض الأعمال التجارية جرّاء الأضرار التي لحقت بالمواقع الصناعية أو الاضطرابات المرتبطة بفترة الصراع، فيما عانت أعمالٌ أخرى من القيود المطوّلة على الإنترنت التي تُعدّ الأطول في العالم ممّا دفع شريحةً من القوى العاملة خارج دائرة العمل المستقرّ.

وصف صاحب مشروعٍ صغير في قطاع التصنيع، كانت قاعدة عملائه تتمركز على Instagram، تراجعاً متواصلاً في أعماله وصعوبةً متزايدة في تغطية النفقات الأساسية في أعقاب اضطرابات الأشهر الأخيرة.

قال: "كانت هذه الأشهر ثقيلةً جدّاً. أوّلاً الاحتجاجات، ثمّ الحرب. بعد ذلك، تباطأ كلّ شيء. بعض الأيام تمرّ ببطءٍ شديد حتى يخيّل إليك أنّها لن تنتهي."

يبدو أنّ الحرب الأخيرة قد زادت من إرهاق اقتصادٍ كان يترنّح أصلاً، ممّا جعل الدخول أكثر هشاشةً وتخطيط الحياة اليومية أشدّ غموضاً.

وهذا الغموض لا يقتصر على الجانب الاقتصادي. إنّه يُعيد تشكيل طريقة تفكير الناس وتعاملهم مع المستقبل.

روى سائق تطبيق نقل كيف باتت ابنته البالغة من العمر 10 سنوات تتابع الأخبار الدولية المتعلّقة باحتمالات اندلاع صراعٍ جديد.

قال بنبرةٍ تتأرجح بين الإحباط والذهول: "ينبغي أن يكون تفكير الطفلة في اللعب، لا في الحرب."

حربٌ من الروايات

على مقربةٍ من ذلك الشارع، في إحدى التجمّعات العامة المتكرّرة التي اتّسعت بشكلٍ ملحوظ خلال الشهرين الأخيرَين منذ بدء فترة التصعيد، أمسكت امرأةٌ بصورة القيادة الإيرانية الجديدة وحثّت الناس خلال مقابلةٍ مصوّرة على تحمّل المشقّة صوناً للاستقلال الوطني.

رسائل مماثلة أطّرت اللحظة الراهنة لا باعتبارها أزمةً، بل اختباراً لـ"صمود المؤمنين الحقيقيّين".

يُفهم على نطاقٍ واسع أنّ هذه التجمّعات تندرج في إطار مساعٍ أشمل يبذلها النظام للحفاظ على حضورٍ مرئيّ في الفضاء العام، وإبراز صورة التماسك والسيطرة على الصعيدَين الداخلي والخارجي.

وهي في معظمها مُنظَّمة أو مدعومة عبر مؤسّسات وشبكاتٍ مرتبطة بالدولة، وكثيراً ما تقترن بالموسيقى والخطب وتوزيع الطعام، في مزيجٍ يجمع التنسيق اللوجستي مع الرسائل الثقافية والدينية.

غير أنّ دلالتها تُقرأ بصورٍ مختلفة: فهي في نظر المؤيّدين تجسيدٌ للوحدة والمقاومة، والوضع الراهن في رأيهم مؤقّتٌ وقابلٌ للإدارة، أو مبرَّرٌ في سياقٍ وطني أو ديني أكبر.

قال أحد المشاركين: "لن نرضخ للضغوط الأمريكية أو لأمثال دونالد ترامب. هذا بالنسبة لنا ليس مجرّد سياسة. إنّه دفاعٌ عن بلدنا وما نؤمن به. وجودنا هنا هو طريقتنا في التعبير عن دعمنا لمن هم في الخطوط الأمامية. نحن نقف مع نظامنا."

في المقابل، يرى سكّانٌ آخرون في هذه التجمّعات استعراضاً مصطنعاً للصمود تحت وطأة الضغوط المتراكمة وتصاعد صعوبات تلبية الاحتياجات اليومية.

هذه الاختلافات ليست ماديةً فحسب، بل إدراكيّةٌ في جوهرها، تُحدّد الطريقة التي يفهم بها الناس المشقّة والاستقرار ومعنى الصمود.

تفاوتٌ في الوصول إلى المعلومات

في غضون ذلك، بات الوصول إلى المعلومات متفاوتاً؛ إذ يواجه معظم السكّان قيوداً صارمة على الاتصال بالإنترنت، لا يجدون أمامهم سوى المنصّات المحلية الخاضعة لرقابةٍ مشدّدة، أو اللجوء مؤخّراً إلى حزم VPN بأسعارٍ فلكية.

في المقابل، تحتفظ فئةٌ أصغر غالباً ممّن يتمتّعون بوصولٍ مُرخَّص أو مُميَّز باتصالٍ أكثر استقراراً، ممّا يُتيح لها البقاء نشطةً في الفضاءات الإلكترونية التي تُناقَش فيها الأحداث، فتنشأ بذلك بيئاتٌ معلوماتية متباينة داخل المدينة الواحدة.

في هذا السياق، تسير الحياة اليومية إلى الأمام، لكن في أحيانٍ كثيرة تحت وطأة توتّرٍ مستمرّ.

في أجزاءٍ كثيرة من المدينة، لا تزال مؤشّرات الاستقرار النسبي حاضرة: حركة المرور تسير، والمطاعم مفتوحة، والحياة الاجتماعية تمضي. في الأسواق والمراكز التجارية، يتردّد الناس وإن كانوا أقلّ عدداً من ذي قبل.

وصف صاحب متجرٍ في أحد مراكز التسوّق شمال طهران التغيير بأنّه بات أكثر وضوحاً منذ مطلع العام.

قال: "الناس يدخلون، يتفرّجون، لكنّهم لا يشترون كما كانوا من قبل."

يتحدّى المارّة أحياناً المشاركين في التجمّعات العامة، مُساءلين عن الهوّة بين مشاهد التأييد الصاخبة والضغوط الاقتصادية التي يعيشها الناس في أماكن أخرى.

التعبير العلني عن الإحباط نادرٌ في الشارع، في ظلّ مناخٍ من الحذر والحضور الأمني.

على الإنترنت، تطفو هذه المشاعر بوضوحٍ أكبر، حتى على المنصّات المعتمدة رسمياً، التي اضطرّ كثيرٌ من المستخدمين إليها مكرهين جرّاء القيود المفروضة على تطبيقات المراسلة العالمية.

كتب أحد المستخدمين: "السياسة تحتاج إلى تفكير، لا إلى شعاراتٍ في الشوارع. ما الفائدة من الوقوف في الشوارع والصراخ؟ إذا استمرّ الحال هكذا وأبى هؤلاء رؤية الواقع، فحياتنا نحن هي التي ستضيق."

مثل هذه التعليقات لا تعكس مجرّد خلافٍ، بل طرقاً مختلفةً جذرياً في تفسير الواقع المشترك.

الصمود: ممارسةٌ يومية

بينما تتداول المخاوف من احتمال تصعيدٍ جديد، يسعى بعضهم إلى مقاومة القلق المتنامي.

قال حامد، رجل أعمال: "أعلم أنّ الأمر صعب. لكنّ القلق لن يُغيّر شيئاً. علينا فقط أن نمضي في حياتنا."

بالنسبة لكثيرين، بات هذا النوع من التكيّف أمراً اعتيادياً. لا يحلّ التوتّرات الظاهرة في أرجاء المدينة، لكنّه يُتيح للحياة أن تستمرّ.

من بعيد تبدو المدينة مثالية، و عن قربٍ هي نسيجٌ من تجاربٍ متداخلة.

الشارع الواحد يتّسع في آنٍ معاً للضيق والتأكيد.

في طهران اليوم، تمضي الحياة لا بوصفها حالةً مشتركة واحدة، بل حقائق متوازية تتكشّف في الفضاء ذاته.

أخبار ذات صلة

Loading...
اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض، حيث يتحدث ترامب بحماس حول المفاوضات مع إيران، مع وجود مسؤولين آخرين حول الطاولة.

ترامب يرفض تخفيف العقوبات على إيران في أي اتفاق

في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز دور مضيق هرمز كعنصر حاسم في المفاوضات. هل ستنجح الأطراف في الوصول إلى اتفاق يضمن الاستقرار؟ تابع معنا لتكتشف المزيد عن تفاصيل هذه الأزمة المثيرة.
Loading...
لافتة ضخمة في طهران تظهر يدًا تمسك بخريطة إيران، محاطة بصواريخ، مع نص يعبر عن القوة الوطنية الإيرانية.

إيران انتصرت في الحرب.. ترامب ونتنياهو أمام حسابٍ عسير

في خضم المفاوضات المتعثّرة بين ترامب وإيران، تبرز التوترات بشكلٍ متزايد، مما يهدد الاستقرار الإقليمي. هل ستنجح الأطراف في الوصول إلى اتفاقٍ يجنّب المنطقة المزيد من الصراعات؟ تابعوا معنا لتكتشفوا المزيد!
Loading...
ترامب يرتدي قبعة مكتوب عليها "USA" ويتحدث إلى الصحفيين في حديقة البيت الأبيض، مع وجود مروحية خلفه ونصب واشنطن في الخلفية.

الاتفاق الأمريكي الإيراني: ما نعرفه حتى الآن

تتجه الأنظار نحو مفاوضات حاسمة بين واشنطن وطهران، حيث يُحتمل أن يُحدث الاتفاق المرتقب تحولًا جذريًا في أسواق النفط. هل ستنجح الأطراف في تجاوز العقبات؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذا الملف الشائك.
Loading...
طائرة MQ-9 Reaper الأمريكية، متعددة المهام، تحلق في السماء، تحمل أسلحة متطورة مثل صواريخ Hellfire، في سياق تقرير عن خسائر الطائرات الأمريكية.

إيران تدمّر خمس أسطول طائرات MQ-9 Reaper الأمريكية بحسب تقرير

في تقريرٍ مثير، كشفت وكالة Bloomberg أن إيران دمّرت طائرات مسيّرة أمريكية بقيمة مليار دولار، مما يزيد المخاوف من تصاعد التوترات. هل ستتغير موازين القوى في المنطقة؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا المزيد.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية