السرطان الأزرق تحول كارثة صيد إلى فرصة اقتصادية
كيف تحولت كارثة السرطان الأزرق الأطلسي في دلتا نهر البو إلى فرصة اقتصادية للصيادين الإيطاليين عبر التصدير والتعاون مع سريلانكا رغم مقاومة المستهلكين؟ اكتشف القصة الكاملة في وورلد برس عربي.





سرسبة واحدة غيّرت بحيرة بأكملها هكذا وصف الصيّادون الإيطاليون اللحظة التي أدركوا فيها أنّ السرطان الأزرق الأطلسي لم يعد ضيفاً عابراً في مياه دلتا نهر البو جنوبي البندقية، بل باتَ صاحب البيت الجديد. الأرقام التي رصدها تكتّل مصايد Polesine تقول الكثير: انهارت إيراداته بنسبة 75% خلال عامَي 2024 و2025 لتبلغ 15 مليون يورو (نحو 17 مليون دولار)، وتراجع عدد الأعضاء النشطين من 1,500 إلى 850 صيّاداً. لكنّ الإشارة الأهمّ ليست في الانهيار بل في ما جاء بعده.
من الحرق إلى التصدير: كيف تحوّلت الكارثة إلى فرصة؟
لفهم حجم التحوّل، يكفي أن نعرف أنّ الصيّادين أنفسهم أحرقوا قرابة 2.3 مليون كيلوغرام من السرطانات الزرقاء على مدى عامَين في محاولة للقضاء عليها وهو جهدٌ ثبت لاحقاً أنّه لا طائل منه. السرطان الأزرق الأطلسي أنثاه قادرةٌ على إنتاج ما يصل إلى 8 ملايين بيضة في الموسم الواحد، وهو رقمٌ يجعل برامج الإبادة أشبه بمحاولة تفريغ البحر بكوب. وقد خلص خبراء الأنواع الغازية إلى ما يؤكّد ذلك.
يقول Piero Genovesi، خبير الأنواع الغازية في معهد حماية البيئة الإيطالي: «إذا وجد حيوانٌ بهذه القدرة التكاثرية البالغة ظروفاً بيئية ملائمة، فلن تستطيع الحيوانات المفترسة السيطرة عليه». وهو ما حدث تماماً: فقد أسهم تغيّر المناخ والجفاف في خفض منسوب نهر البو، ممّا رفع ملوحة المياه ودرجات حرارتها، وأعطى السرطان الأزرق ميزةً تنافسية على الأنواع المحلية. يوضح Genovesi: «تغيّر المناخ ربما أسهم في تعزيز التكاثر من خلال درجة الحرارة والملوحة معاً، لأنّه غيّر ملوحة المياه».
أمام هذا الواقع، قرّر تكتّل Polesine التخلّي عن استراتيجية الإبادة وإعادة صياغة المعادلة كلياً. يلخّص Paolo Mancin، رئيس التكتّل، المنطق وراء هذا التحوّل بجملةٍ واحدة: «احتجنا إلى تغيير الاستراتيجية، وخلق فرصة من هذه الكارثة».
الطريق من البحر الأدرياتيكي إلى سريلانكا
الحلّ جاء من اتجاهٍ غير متوقّع: شراكة مع شركة Taprobane Seafoods السريلانكية لتصدير السرطانات الزرقاء وتصنيعها. تُعالَج السرطانات يدوياً في سريلانكا، ثم يُصدَّر معظم اللحم إلى أسواق خارجية، فيما يعود جزءٌ منه إلى إيطاليا. المفارقة أنّ الكيلوغرام الواحد من السرطان الأزرق يُباع بـ1.30 يورو فحسب، مقارنةً بـ10 يورو للكيلوغرام من المحار الذي كان يشكّل 90% من دخل الصيّادين سابقاً ولا يمثّل اليوم سوى 10% منه. هذا الفارق في السعر يعني أنّ الحجم هو الرهان الأساسي في هذه المعادلة الجديدة.
ومع ذلك، تبدو الأرقام المتوقّعة لعام 2026 مشجّعة: يتوقّع التكتّل تحقيق إيرادات تبلغ 20 مليون يورو (نحو 23 مليون دولار)، مدفوعةً في معظمها بمبيعات السرطان. وهو رقمٌ يتجاوز إيرادات عامَي الأزمة مجتمعَين، وإن كان يعكس أيضاً مدى الاعتماد المتزايد على سلعةٍ ذات هامش ربحٍ أضيق بكثير.
الصيّاد Federico Zago، من الجيل الثاني في مهنة الصيد، يرى في هذا التحوّل مساراً لا مناص منه: «بما أنّنا سنضطرّ إلى التعايش مع هذه السرطانات، آمل أن تصبح فرصة. آمل أن يستمرّ السوق في النموّ».
مقاومة المستهلك: العقبة الأصعب
ثمّة بُعدٌ آخر في هذه القصة يستحقّ الانتباه: المستهلك الإيطالي نفسه. الثقافة الغذائية الإيطالية راسخة، والسرطان الأزرق الأطلسي ليس جزءاً من موروثها. حملة «إذا لم تستطع هزيمته، فكُله» التي أُطلقت عام 2023 لم تُحقّق الاختراق المأمول حتى الآن.
في مطعم Yogi بمدينة Porto Tolle، تحاول Stefania Marchesini، صاحبة المطعم والطاهية، كسر هذا الحاجز بقائمةٍ كاملة من أطباق السرطان الأزرق — من كرات السرطان المقلية إلى أطباق السرطان الطري. تصف تجربتها مع الزبائن: «في البداية، يكون الزبون متشكّكاً جداً. لكنّ ردّ الفعل يكون إيجابياً تماماً بعد ذلك، ويريد تجربة المنتجات كلّها». وتضيف بصراحةٍ لافتة: «نحن جميعاً غاضبون لأنّه اجتاح بحارنا. لكنّ علينا أيضاً أن نأكل. حين يفهم الناس كيف يُحضَّر، سيدركون أنّه منتجٌ ممتاز».
يراهن Mancin على أنّ اللحم المعالَج القادم من سريلانكا قد يكون مفتاح هذه المعضلة: «آمل أن يساعد اللحم الذي يصل معبّأً من سريلانكا في استمالة الإيطاليين الذين قاوموا حتى الآن حملة 'إذا لم تستطع هزيمته، فكُله' التي أُطلقت عام 2023».
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المعادلة
السرطان الأزرق موجودٌ في البحر الأدرياتيكي منذ أربعينيات القرن الماضي — وصل عبر مياه الصابورة في السفن — لكنّه لم يُشكّل تهديداً حقيقياً إلّا حين وجد البيئة المناسبة. وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أعمق من مجرّد أزمة صيد: إنّها نموذجٌ لكيفية تقاطع تغيّر المناخ مع الأنواع الغازية لإنتاج صدماتٍ اقتصادية غير متوقّعة.
جامعة Bologna أطلقت صيف 2025 نحو 150,000 أخطبوط صغير في البحر الأدرياتيكي لمحاولة السيطرة على أعداد السرطان بيولوجياً — وهو رهانٌ علمي لا يزال في مرحلة الاختبار.
أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة:
الأرجح: أن يستمرّ التكتّل في توسيع صادراته مع نموٍّ تدريجي في الطلب المحلّي، ممّا يُثبّت نموذجاً هجيناً يعتمد على السرطان بدلاً من المحار.
المحتمل :أن تنجح مبادرة الأخطبوط وجهود التوعية الغذائية معاً في إعادة بعض التوازن البيئي والسوقي، مُتيحةً تنويعاً أوسع للمصادر.
الأقلّ احتمالاً : أن تنهار أسعار السرطان الأزرق في الأسواق الدولية بفعل المنافسة أو تراجع الطلب، مُعيداً الصيّادين إلى نقطة الصفر.
ما يبقى ثابتاً في كلّ السيناريوهات هو أنّ الأنظمة البيئية المضطربة لا تنتظر القرارات السياسية وأنّ الصيّادين الذين تكيّفوا أسرع من الحكومات قد يكونون النموذج الأصدق لما ينتظر مجتمعاتٍ ساحلية أخرى حول المتوسّط وما وراءه.
أخبار ذات صلة

طاقة الرياح تنفع داكوتا الشمالية.. فلماذا تحوّلت الولاية ضدّها؟

نيويورك تُلغي خطّة فرض رسومٍ على منتجي الوقود الأحفوري لتمويل أضرار المناخ

البحيرات الخضراء الغريبة تندمج في الصحراء الأسترالية بعد عامين من الأمطار الغزيرة
