حطام السفينة الحربية يكشف أسرار تغيرات البحر المتوسط
حطام سفينة حربية في خليج فلورا يتحول إلى ملاذ بحري يعكس تأثيرات التغير المناخي بظهور أسماك غازية من البحر الأحمر وعودة فقمة نادرة بعد عقود ما يطرح تساؤلات حول إدارة التنوع البيولوجي في البحر الأدرياتيكي وورلد برس عربي.

حين غرقت السفينة الحربية الإيطالية Po في خليج فلورا (Vlora Bay) عام 1941، بعد أن أصابها طوربيدٌ بريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن أحدٌ يتوقّع أن هيكلها الصدئ سيتحوّل بعد عقودٍ إلى مختبرٍ بيئي حيّ يكشف عن تحوّلات مقلقة في بيئة البحر الأبيض المتوسط. اليوم، تُغطّي الكائنات البحرية أكثر من 80% من سطح الحطام، وتجوب قربه أسماكٌ غازية من البحر الأحمر، فيما عاد إليه ضيفٌ نادر لم يُرَ في هذه المياه منذ عقود.
في 27 يوليو 2026، نشرت مجلة Frontiers in Ocean Sustainability دراسةً علمية أجراها Simone Modugno وزملاؤه من University of Ferrara ومؤسساتٍ ألبانية، وهي الأولى التي تُقدّم بياناتٍ كمّية تفصيلية حول هذه الحطام تحديداً. رصدت الدراسة 28 نوعاً من الأسماك تعيش حول الحطام، وعثرت على عناقيد بيض تعود إلى أحد أفراد عائلة الحبّار Ommastrephidae، وهو ما يُشير إلى أن الموقع بات يؤدّي وظيفة الشعاب المرجانية الاصطناعية (Artificial Reef) من حيث توفير المأوى والغذاء للكائنات البحرية.
أسماكٌ من البحر الأحمر في الأدرياتيك
اللافت في الدراسة هو رصد سمكة الأسد الشيطانية (Pterois miles)، المعروفة بـ"devil firefish"، وهي نوعٌ غازٍ موطنه الأصلي المحيط الهندي الغربي والبحر الأحمر، أي على بُعد نحو 1,300 كيلومتر من موقع الحطام. رُصد هذا النوع حول الحطام بين يونيو 2022 وسبتمبر 2024، وبلغ عدد الأفراد المرئية في آنٍ واحد سبعة أفراد. ويرى الباحثون أن دخول هذا النوع إلى البحر الأدرياتيك يجري عبر قناة السويس، مدفوعاً بارتفاع درجات حرارة البحار.
يقول Modugno بصراحةٍ علمية: "للأسف، لا أستطيع أن أسمّيها مفاجأةً علمية حقيقية، لأن تداعيات تغيّر المناخ باتت معروفةً ومتوقّعة بشكلٍ مؤسف". ويُضيف: "ما يُدهشني ربّما هو السرعة التي تحدث بها هذه التغيّرات المناخية، إذ تعمل كمحرّكٍ ومُضخّم لتوغّل الكائنات الاستوائية والغريبة. أتحدّث عن مستوياتٍ مثيرة للقلق في الملوحة ودرجات حرارة مرتفعة بشكلٍ غير طبيعي مع موجات حرٍّ متواصلة".
عودة الفقمة النادرة
في أغسطس 2023، رصد الباحثون مفاجأةً من نوعٍ مختلف: فقمةٌ راهبة متوسطية (Monachus monachus) كانت ترتاح داخل تجاويف الحطام. وهذه الزيارة ليست عادية؛ فهي الأولى التي تُسجَّل في خليج فلورا منذ عام 1996، أي منذ ما يزيد على ربع قرن. تعيش الفقمة الراهبة في كهوفٍ بحرية مُحمية، وهي مهدّدةٌ بالسياحة والاصطياد العشوائي وتدهور موائلها الطبيعية. ويبدو أن الحطام وفّر لها بديلاً حين ضاقت الخيارات.
يُلخّص Modugno المشهد الأشمل بقوله: "على مدى ثلاث سنواتٍ على الأقل، رصدتُ ارتفاعاً مستمراً وغير قابلٍ للإيقاف في أعداد أسماك من قبيل Pterois miles على السواحل الألبانية، إلى جانب أنواعٍ غازية أخرى من النباتات والرخويات وثمار البحر، فضلاً عن العودة التلقائية للفقمة الراهبة المتوسطية". ثم يُحذّر: "اليوم، تعاني السواحل الألبانية من رعيٍ بيئي مستمر، تماماً كالسواحل اليونانية وجنوب إيطاليا، وأعداد أسماك الأسد تتضاعف بشكلٍ حرفي".
ما تكشفه حطام Po يتجاوز قصة سفينةٍ غرقت في زمن الحرب؛ إنه مرآةٌ لما يجري في أعماق البحر الأبيض المتوسط في زمن الاحترار. السؤال المطروح الآن أمام صانعي السياسات البيئية في المنطقة من ألبانيا إلى شمال أفريقيا هو كيف يُدار هذا التحوّل: هل يُترك الحطام ملاذاً بيئياً مفتوحاً، أم يستوجب الأمر تدخّلاً لاحتواء انتشار الأنواع الغازية قبل أن تُعيد رسم خريطة التنوّع البيولوجي في الأدرياتيك؟
أخبار ذات صلة

محطة فضائية مضيئة تحوم فوق الولايات المتحدة.. وليست المحطة الدولية

رائدتا فضاء تستبدلان كاميرا ومساعد الالتحام على محطة الفضاء الدولية

ثقوب سوداء: لماذا تخفت توهجاتها؟ دوران النجوم قد يكون السبب
