ضحايا الاحتيال الإلكتروني يواجهون خسائر وضرائب قاسية
قصص حقيقية لضحايا الاحتيال الإلكتروني الذين فقدوا ملايين الدولارات وأموالهم المسروقة تُفرض عليهم ضرائب إضافية. تعرف على كيف يستخدم المحتالون الذكاء الاصطناعي وكيف يواجه الضحايا معاناة مزدوجة من الخسارة والضرائب في وورلد برس عربي.











فقد سايمون 800,000 دولار في غضون أشهر. لم يكن ضحيةً ساذجة بالمعنى الذي يتبادر إلى الأذهان كان رجلاً عادياً وقع في شَرَك ملف رومانسي مزيّف على الإنترنت، تحت اسم "Emily"، قبل أن يكتشف أنّه لم يكن يتحدّث إلى امرأة حقيقية قط. ما بقي له بعد الاحتيال لم يكن مجرّد خسارة المدّخرات؛ بل ديونٌ بلغت 185,000 دولار اقترضها، وفاتورة ضريبية بعشرات الآلاف على أموالٍ سُرقت أصلاً ولم يستمتع بها لحظةً واحدة. حين لجأ إلى الشرطة، كان الردّ صريحاً ومُحبطاً: "أخبروني فوراً أنّه يجب عليّ أن أودّع تلك الأموال إلى الأبد". ثم أضاف بمرارة: "يا له من أحمق كنت."
قصّة سايمون ليست استثناءً. إنّها النمط السائد في بلدٍ بات يخسر ما يقارب 550 مليون دولار يومياً جرّاء عمليات الاحتيال الإلكتروني، وفق تقديرات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC). في عام 2024 وحده، أبلغ الأمريكيون عن خسائر رسمية بلغت 15.9 مليار دولار بزيادة 25% عن عام 2023 في حين تُشير اللجنة ذاتها إلى أنّ الرقم الحقيقي قد يقترب من 200 مليار دولار سنوياً، إذ إنّ غالبية الضحايا لا يُبلّغون أصلاً. وفي سياقٍ أوسع، يقول 98% من الأمريكيين إنّهم استُهدفوا من قِبَل محتالين، فيما فقد 30% منهم أموالاً أو معلوماتٍ شخصية.
الضحايا: ليسوا أرقاماً في إحصاءات
أجرت شبكة FRONTLINE مقابلاتٍ مع 58 ضحية أمريكية تتراوح أعمارهم بين 32 و90 عاماً، وتتراوح خسائرهم بين بضعة آلاف الدولارات وأربعة ملايين. ما يجمع هؤلاء ليس الجهل أو السذاجة، بل حقيقةٌ أكثر إزعاجاً: المحتالون يستخدمون اليوم الذكاء الاصطناعي وشبكات العملات المشفّرة لبناء عمليات احتيال بالغة التعقيد، تستهدف المهنيين والمتقاعدين والأثرياء على حدٍّ سواء، وعبر كلّ الفئات العرقية والاجتماعية.
سوزان بيفينز، ممرّضة متقاعدة، خسرت 200,000 دولار لمحتالٍ تلاعب بعواطفها. لم تكتفِ الحكومة بعدم مساعدتها في استرداد أموالها، بل طالبتها بدفع 80,000 دولار كضرائب على تلك الأموال المسروقة. قالت بصوتٍ مكسور: "أردت أن أقود سيارتي نحو حافة الجرف. لم أكن أعرف كيف سأعيش."
ديبرا فوكس من كولورادو خسرت 58,000 دولار في عملية احتيال رومانسي. حين لجأت إلى مصرفها، لم تجد دعماً بل تهديداً بالرسوم القانونية ومطالبات بسداد القروض. تقول: "شعرت أنّه لا سيطرة لي على هذه العملية. كانت الجريمة فظيعةً بما يكفي… لكنّ ما حدث بعدها كان صادماً حقاً بالنسبة إليّ."
أليس لين، البالغة من العمر 83 عاماً، وقعت ضحيةً لعملية احتيال بالعملات المشفّرة أدارها شخصٌ يُدعى "Justin"، فخسرت جزءاً من مدّخراتها البالغة 720,000 دولار. الشبكة التي استهدفتها جمعت ما لا يقلّ عن 800 مليون دولار بين يناير 2022 وسبتمبر 2024. لجأت لين إلى القضاء وأقامت دعوى ضدّ JPMorgan Chase، وانتهى الأمر بتسوية. حين أرسل لها المحتال رسالةً تسأل: "هل أنتِ لا تزالين على قيد الحياة؟"، كان ردّها الداخلي حاسماً: "قلت لنفسي: أنا حيّة وسأقاوم."
كريس سكوت، موزّع الكازينو من أريزونا، خسر 400,000 دولار في عملية احتيال عاطفي، ثم دفع 23,000 دولار إضافية لشركات وهمية ادّعت أنّها تستطيع استرداد أمواله، ويواجه الآن فاتورة ضريبية بـ 20,000 دولار. يصف شعوره بالعجز: "أنا مجرّد سمكة صغيرة في بحرٍ كبير. كلّ ما أردته هو التحدّث إلى شخصٍ ما والحصول على مساعدة، لكنّني لست أحداً بالنسبة إليهم."
وبراين غليك الذي خسر 575,000 دولار يلخّص المأساة الجماعية بجملةٍ واحدة: "هناك ضحايا كثيرون لهذه الجرائم الإلكترونية. ولا يمكننا استرداد أموالنا."
الجرح المضاعف: الضرائب على الأموال المسروقة
ربّما كان الجانب الأكثر إثارةً للاستغراب في هذه الأزمة هو ما يُلحقه القانون الأمريكي بالضحايا بعد الاحتيال. بموجب قانون التخفيضات الضريبية والوظائف (Tax Cuts and Jobs Act) الصادر عام 2018، أُلغيت إمكانية خصم الخسائر الشخصية الناجمة عن الاحتيال من الوعاء الضريبي وفي مارس 2025 جُعل هذا الحكم دائماً. بمعنى آخر: إذا سحب الضحية أموالاً من حساباتٍ ذات امتيازات ضريبية مؤجّلة (tax-deferred accounts) ودفعها للمحتال، فإنّ مصلحة الضرائب (IRS) تطالبه بالضريبة على تلك الأموال رغم أنّها سُرقت.
تصف كاثي ستوكس، المسؤولة عن منع الاحتيال في منظّمة AARP، هذا الوضع بدقّة قانونية: "في جوهر الأمر، يتعرّض هؤلاء لإعادة إيذاءٍ على يد الحكومة الأمريكية." الوصف ليس مجازياً إنّه وصفٌ إجرائي لما يحدث حين يدفع نظامٌ ضريبي لم يُصمَّم لهذا الواقع ثمنَ ثغراته من جيوب الضحايا.
ورغم أنّ مشروع قانون يُعرف بـ"Tax Relief for Fraud Victims Act" مُقدَّمٌ أمام الكونغرس لمعالجة هذه الثغرة، فإنّه لم يُقرَّ بعد، ويظلّ الضحايا معلّقين بين جريمةٍ ارتُكبت بحقّهم ونظامٍ لا يعترف بمعاناتهم.
البنية التحتية للاحتيال: العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي
لفهم لماذا بات الاحتيال الإلكتروني بهذا الحجم، لا بدّ من فهم الأدوات التي تُمكّنه. العملات المشفّرة ولا سيّما عبر شبكات مثل TRON تُتيح تحويل مبالغ ضخمة عبر الحدود بسرعةٍ فائقة مع إخفاء هويّة المُحوِّل، مما يُعقّد جهود إنفاذ القانون تعقيداً جوهرياً. وخلافاً للودائع المصرفية التقليدية، فإنّ أصول العملات المشفّرة غير مؤمَّنة فيدرالياً، ما يعني أنّ الضحية تخسر كلّ شيء دون أيّ شبكة أمانٍ قانونية.
شركة Tether، إحدى أبرز شركات العملات المشفّرة، وجد إليها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) رسالةً يطلب فيها تجميد الأموال المرتبطة بعملية احتيال تضمنت خسارة غليك البالغة 575,000 دولار. الشركة رفضت التجاوب. وحين سُئل الرئيس التنفيذي لـ Tether، باولو أردوينو، عن ذلك، قال: "أعتقد أنّه لا توجد شركة، حتى في قطاع المصارف، في القطاع المالي التقليدي، تُقدّم من المساعدة ما نُقدّمه نحن." في المقابل، تدّعي Tether وTRM Labs وTRON مجتمعةً أنّها جمّدت ما يزيد على 450 مليون دولار من الأموال غير المشروعة منذ عام 2024 على المستوى العالمي.
أمّا على صعيد إنفاذ القانون، فقد أعلنت وزارة العدل (DOJ) في نوفمبر 2024 عن تشكيل "Scam Center Strike Force"، التي أعلنت عن تجميد 832 مليون دولار من العملات المشفّرة المرتبطة بمجرمين صينيين. كما أنّ عملية "Operation Level Up" التابعة لمكتب FBI نجحت في منع عمليات احتيال طالت نحو 8,500 شخص خلال ما يقارب عامَين. ويتلقّى المكتب ما يقارب 3,000 شكوى يومياً عبر بوابة IC3.gov. وصفت ريبيكا كيثلي، المساعدة السابقة لرئيس قسم الجرائم المالية في FBI، الوضع بقولها: "إنّها مشكلةٌ هائلة، وهي من أولويات FBI."
لكنّ الأرقام تكشف الفجوة: 8,500 شخص أُنقذوا مقابل تقديرات بمئات الملايين من الضحايا المحتملين. وتبقى مراكز الاحتيال المنظّم التي دُمّرت بعضها في ميانمار لكنّ عملياتها انتقلت إلى مناطق أخرى تُشغّل آلاف العمّال المُكرَهين في بعض الأحيان، وتستهدف ضحايا في كلّ أنحاء العالم.
الفراغ المؤسسي: ثلاثة عشر جهازاً بلا استراتيجية
ما يُميّز الأزمة الأمريكية عن غيرها ليس فقط حجم الخسائر، بل غياب الاستجابة المنهجية. سيتو بادوين، رئيس خدمات التدقيق الجنائي والتحقيقات في مكتب المساءلة الحكومية (GAO)، يضع الإصبع على الجرح: "لا يوجد تقديرٌ حكومي شامل لحجم الأموال المفقودة جرّاء عمليات الاحتيال، ولا تعريفٌ موحّد للاحتيال، ولا استراتيجية وطنية لمكافحته." ثلاثة عشر جهازاً حكومياً على الأقلّ تتعامل مع ملفّ الاحتيال، دون تنسيقٍ حقيقي فيما بينها.
في مارس 2025، وقّع الرئيس Donald Trump مرسوماً تنفيذياً يجعل من ملاحقة المحتالين أولويةً ويوصي بتعويض الضحايا. وصف البيت الأبيض الخطوة بأنّ "الرئيس Trump يُطلق العنان لكلّ أداةٍ متاحة لوقف الشبكات الإجرامية التي تستغلّ الأمريكيين الضعفاء من خلال الاحتيال الإلكتروني." كما يُناقش الكونغرس أكثر من دزينة من مشاريع القوانين، من بينها إنشاء موقع ReportScams.gov لتوحيد الإبلاغ عن الاحتيال، وإلزام منصّات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن المحتوى المُولَّد آلياً.
غير أنّ استطلاع Gallup يكشف أنّ 80% من الأمريكيين يرون أنّ الحكومة لا تبذل ما يكفي لحمايتهم. واستطلاع AP-NORC يُظهر أنّ أكثر من 50% يعتقدون أنّ المؤسسات المالية ومنصّات التواصل الاجتماعي والحكومة يجب أن تتقاسم المسؤولية.
مقارنة دولية: حين تتحمّل الدول مسؤوليتها
الفجوة بين التجربة الأمريكية وما تفعله دولٌ أخرى واسعةٌ وموثّقة. في المملكة المتحدة، باتت المؤسسات المالية مُلزَمة قانونياً بتعويض ضحايا الاحتيال وهو التزامٌ دخل حيّز التنفيذ في أواخر 2024. الاتحاد الأوروبي (EU) يُطبّق قواعد صارمة تتعلّق بالمسؤولية المالية ومكافحة الاحتيال الإلكتروني، ويشترط الترخيص وحماية المستهلك في قطاع العملات المشفّرة. أستراليا وسنغافورة تفرضان قوانين مشدّدة تُحمّل الشركات مسؤولية الوقاية من الاحتيال وتعويض الضحايا. الصين تحظر تجارة العملات المشفّرة كلياً.
لويز باكستر، عضو فريق مكافحة الاحتيال المشترك في وزارة الداخلية البريطانية (Home Office Joint Fraud Task Force)، تلخّص المنطق الإنساني وراء هذه السياسات: "لن تقول أبداً لضحية: 'لماذا وقعتَ ضحيةً للنشل؟ لماذا وقعتَ ضحيةً للسطو؟'" المعادلة بسيطة: الجريمة جريمةٌ بصرف النظر عن أسلوبها.
في المقابل، يُبقي النظام الأمريكي على حمايةٍ قانونية واسعة لمنصّات التواصل الاجتماعي من المسؤولية عن محتوى الاحتيال المنشور عليها، ونادراً ما يُحمّل المصارف مسؤولية المعاملات الاحتيالية التي وافق عليها الضحية حتى حين كانت تلك الموافقة مُنتزَعة بالتلاعب والخداع. إيرين ويست، المدّعية العامة السابقة ومؤسِّسة عملية "Operation Shamrock"، تُلخّص ما يواجهه الضحايا بعد الجريمة: "ما يحدث بعد عملية الاحتيال قد يكون أسوأ من الاحتيال نفسه."
الوصمة الاجتماعية: عبءٌ إضافي على الضحايا
ثمّة بُعدٌ إنساني يُضاف إلى البُعد القانوني والمالي: الوصمة الاجتماعية. كثيرٌ من ضحايا الاحتيال يواجهون سخريةً من ذويهم وتشكيكاً في ذكائهم، بل أحياناً اتّهاماتٍ بالتواطؤ من قِبَل الجهات الرسمية ذاتها. بعضهم يصل إلى حافة الانهيار النفسي كما أفصحت سوزان بيفينز عن أفكارٍ انتحارية وبعضهم يحاول فعلاً إنهاء حياته.
هذا الواقع يُشير إلى أنّ الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرّد جريمةٍ مالية؛ إنّه أزمةٌ صحية عامة وأزمةٌ اجتماعية في آنٍ واحد. الضحايا يُعانون من الصدمة النفسية (trauma)، ويُواجهون الإفلاس، ويجدون أنفسهم أمام نظامٍ لا يعترف بهم بوصفهم ضحايا بالمعنى القانوني الكامل.
وثمّة تفصيلٌ قانوني دقيق يستحق الإشارة: في معظم الحالات الأمريكية، تُصنَّف عمليات الاحتيال هذه باعتبارها "معاملات مُرخَّصة" (authorized transactions) لأنّ الضحية هي من أجرت التحويل فعلياً وإن كان ذلك تحت وطأة الخداع. هذا التصنيف القانوني يُعفي المصارف من المسؤولية في الغالب، ويُبقي الضحية وحيدةً في مواجهة خسارتها.
ما الذي يجب أن يتغيّر؟
الصورة الراهنة تكشف عن ثلاثة إخفاقاتٍ متشابكة: إخفاقٌ تشريعي يتمثّل في غياب قانونٍ يُلزم المصارف ومنصّات التواصل بتحمّل جزءٍ من المسؤولية، وإخفاقٌ مؤسسي يتجلّى في تشتّت الجهود بين ثلاثة عشر جهازاً دون استراتيجيةٍ موحّدة، وإخفاقٌ ضريبي يُعاقب الضحايا بدلاً من مساعدتهم.
الوثيقة التي ستُصدرها FRONTLINE في وثائقيّها "Scammed" المقرّر عرضه في 29 سبتمبر 2025 قد تُسهم في تحريك النقاش العام. لكنّ النقاش وحده لا يكفي فقد أجرى الكونغرس جلساتٍ استماع، وأصدر الرئيس مراسيم، وأعلن FBI عن عمليات، بينما يستمرّ المحتالون في جني 550 مليون دولار يومياً.
السؤال الذي يطرحه هذا الواقع ليس تقنياً بحتاً: هل يمكن لنظامٍ قانوني ومالي صُمِّم في حقبةٍ سابقة أن يُعيد تصميم نفسه بالسرعة الكافية لمواجهة جريمةٍ تتطوّر بوتيرة الذكاء الاصطناعي؟ التجارب البريطانية والأوروبية والسنغافورية تُثبت أنّ الإجابة ممكنة لكنّها تستلزم إرادةً سياسية لا تكتفي بالمراسيم والبيانات، بل تُترجَم إلى التزاماتٍ قانونية مُلزِمة للمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا على حدٍّ سواء. في غياب ذلك، سيبقى سايمون وسوزان وأليس وكريس وبراين وديبرا — وملايين غيرهم يدفعون ثمن جريمةٍ لم يرتكبوها، في صمتٍ وعجزٍ وأحياناً يأسٍ قاتل.
أخبار ذات صلة

ضابط شرطة في ولاية Pennsylvania يواجه تهمة القتل غير العمد في قضية طالب جامعي

القاضي يقرّر: هل سيمثل Tyler Robinson أمام المحكمة في قضية مقتل Charlie Kirk؟

تمويل من Andreessen Horowitz و Brockman لإعلانات مراكز بيانات تستهدف الانتخابات النصفية
