خطر ثوران بركاني عالمي يهدد الأمن الغذائي
احتمال عالٍ لثوران بركاني ضخم قد يهدد سلاسل الإمداد الغذائي العالمية ويؤدي إلى مجاعة كوكبية بسبب هشاشة النظام الغذائي وتعقيد الأزمات العالمية. هل الحكومات مستعدة لهذه الكارثة؟ تعرف على التفاصيل في وورلد برس عربي.

احتمالٌ بنسبة واحدٍ من ستة هذا ما تقوله الأرقام عن إمكانية وقوع ثوران بركاني بحجم ثوران جبل Tambora عام 1815 قبل نهاية هذا القرن. ذلك الثوران بالذات هو الذي حوّل عام 1816 إلى ما عُرف بـ«العام بلا صيف»، حين انخفضت درجات الحرارة عالمياً وتراجعت المحاصيل الزراعية في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، وتحوّل الجوع من أزمةٍ إقليمية إلى كارثةٍ كوكبية. ما يُقلق اليوم ليس فقط احتمال تكرار هذا الحدث، بل أنّ أنظمة الغذاء العالمية باتت أكثر ترابطاً وهشاشةً مما كانت عليه قبل قرنين وأنّ معظم الحكومات تتصرّف كما لو أنّ هذا السيناريو لا يستحقّ التخطيط.
حين تنهار سلاسل الإمداد الغذائي
الثورانات البركانية الكبرى تضخّ ثاني أكسيد الكبريت في طبقات الغلاف الجوي العليا، فتتشكّل حجب من الجسيمات الدقيقة تعكس ضوء الشمس وتُبرّد الأرض لأشهرٍ أو سنوات. النتيجة المباشرة: موجات صقيع في مواسم الزراعة، وفشل المحاصيل على نطاقٍ واسع، وانهيار في الإنتاج الغذائي العالمي. لكنّ هذا ليس السيناريو الوحيد الذي يستحقّ الاهتمام.
دراسة نُشرت في Nature تُقدّر احتمال وقوع ثوران بحجم Tambora بنسبة واحدٍ من ستة خلال القرن الحالي وهو رقمٌ أكبر بكثير مما يتخيّله صانعو السياسات. في المقابل، تتراوح احتمالات تكرار عاصفة Carrington الشمسية عام 1859 التي يمكنها تعطيل شبكات الكهرباء على نطاقٍ كوكبي بين 1% و12% لكلّ عقد. أمّا الحرب النووية، فتُشير دراسة نُشرت في Nature Food إلى أنّها قادرةٌ على خفض الإنتاج الغذائي العالمي بنسبة تصل إلى 90%. ثلاثة سيناريوهات مختلفة، لكنّها تشترك في نقطةٍ واحدة: كلٌّ منها يمكن أن يُفضي إلى مجاعةٍ عالمية.
الإشارة الأضعف في هذه المعادلة هي هشاشة سلاسل إمداد الأسمدة. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) نبّهت إلى أنّ جزءاً كبيراً من تجارة الأسمدة العالمية يمرّ عبر مضيق هرمز. إغلاقٌ مؤقّت لهذا الممرّ سواء بسبب نزاعٍ مسلّح أو كارثةٍ طبيعية قد يُعطّل الإنتاج الزراعي حتى عام 2027 وفق بعض التقديرات. وفي سياقٍ تتشابك فيه أزمات اليوم الجائحة، الحرب الروسية على أوكرانيا، التوتّرات في الشرق الأوسط يبدو هذا الخطر أقرب مما يُريح.
الفجوة في تقييمات المخاطر الحكومية
ما قد لا يظهر في العناوين هو أنّ معظم الحكومات تُقيّم المخاطر بمنطقٍ يُقصي الكوارث الكبرى تحديداً. سجلّ المخاطر الوطني البريطاني يُدرج 89 خطراً، لكنّه يستثني الكوارث العالمية الكبرى التي يمكن أن تودي بحياة الملايين. التحليل الوطني للمخاطر السويسري يُغطّي 44 خطراً، لكنّه يقتصر على الأحداث متوسّطة الحجم كنيزكٍ بقطر 20 متراً على غرار حادثة Chelyabinsk عام 2013 دون أن يتطرّق إلى السيناريوهات الأكثر تدميراً.
هذا التقصير ليس مجرّد ثغرةٍ إدارية؛ إنّه تحيّزٌ منهجي نحو الأحداث القابلة للتخيّل والإدارة، على حساب الأحداث المنخفضة الاحتمال والعالية التأثير. المشكلة أنّ هذه الأحداث حين تُجمع احتمالاتها تُصبح أقلّ ندرةً مما يبدو للوهلة الأولى.
ما يمكن فعله وما يُعيق فعله
دراسةٌ حول عوامل المرونة تُشير إلى أنّ أستراليا تحتلّ أعلى مرتبةٍ في المؤشّرات المتعلّقة بالصمود أمام الكوارث الغذائية، بفضل عزلتها الجغرافية وقدرتها الزراعية النسبية وجودة حوكمتها. لكن حتى أستراليا تعتمد على الاستيراد في قطاعاتٍ حيوية كالوقود والأدوية والأسمدة ما يعني أنّ لا دولة في العالم بمنأى تامّ عن تداعيات انهيارٍ في سلاسل الإمداد العالمية.
العوامل الأساسية للمرونة واضحة: الاكتفاء الغذائي الذاتي، واللامركزية في شبكات الطاقة والإنتاج، وتنويع مصادر الغذاء، وتحديث تقييمات المخاطر الوطنية. الأدوات الإجرائية متاحةٌ أيضاً: الزراعة منخفضة المدخلات، والشبكات الكهربائية الموزّعة، وخطط الطوارئ لسلاسل الإمداد. هذه الاستعدادات ليست باهظة الكلفة ولا مستحيلة التنفيذ إنّها في متناول أيّ حكومةٍ تُقرّر أن تأخذ هذه المخاطر بجدّية.
لكنّ ثمّة عاملاً آخر يُضاعف الخطر: الاستجابة الخاطئة حين تقع الأزمة. حظر الصادرات الغذائية وهو ردّ الفعل الأوّل لكثيرٍ من الحكومات في أوقات الشحّ يُعمّق الأزمة بدلاً من احتوائها، لأنّه يُعزل الدول عن بعضها ويُجمّد حركة التجارة في اللحظة التي تحتاجها أكثر. الدروس المستفادة من أزمات سابقة الجائحة، أزمة الغذاء عام 2008 تُشير إلى أنّ التنسيق الدولي المسبق يُنقذ أرواحاً أكثر من أيّ استجابةٍ طارئة.
كما أنّ الانقطاعات الكهربائية الواسعة سواءٌ نجمت عن عاصفةٍ شمسية أو هجومٍ إلكتروني تُهدّد بدورها سلاسل إنتاج الأسمدة والمبيدات والوقود الزراعي، وفق ما تُشير إليه دراسةٌ حول خسائر الغلّة الناجمة عن الانقطاعات.
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ أن تكون على طاولة صانعي القرار: الأرجح، أن تمرّ العقود القادمة بأزماتٍ غذائية إقليمية متكرّرة تُديرها الحكومات بأدواتٍ قاصرة، مع تراكمٍ في الهشاشة.
المحتمل :أن يُفضي حدثٌ واحد ثوران بركاني كبير أو عاصفة شمسية إلى صدمةٍ غذائية عالمية تكشف عن الفجوات الحقيقية في منظومة الاستعداد الدولية. الأقلّ احتمالاً لكنّ الأشدّ تأثيراً، أن تتزامن عدّة أحداث في وقتٍ واحد على غرار ما حدث حين تقاطعت الجائحة مع الحرب في أوكرانيا فتُنتج أزمةً مركّبة تتجاوز قدرة أيّ نظامٍ وطني على الاستيعاب.
كما قال أحد الخبراء المعنيّين بهذا الملفّ: «الفارق بين المجتمعات التي استعدّت وتلك التي لم تفعل سيُقاس بالأرواح». هذه ليست مبالغةً بلاغية إنّها قراءةٌ في ما تقوله البيانات التاريخية بوضوح.
أخبار ذات صلة

فيضانات جراند كانيون تغلق أماكن الإقامة السياحية وتهدد الاقتصاد بعد حريق العام الماضي

إعصار إدوار المداري يقترب من تكساس ولويزيانا بقوة متزايدة

تدفّقات مائية مفاجئة تهدّد خط أنابيب المياه الحيوي بالقاني الكبرى
