تجاوز الخطوط الحمراء في السياسة الأمريكية
تجاوز عضو الكونغرس توماس ماسي الخطوط الحمراء في السياسة الأمريكية بدعمه لقضية فلسطين. هزيمته تُظهر هيمنة ترامب على الحزب الجمهوري، لكن الصراع أعمق من ذلك. اكتشف كيف يُعاقب من يتحدى لوبي إسرائيل في واشنطن.

في السياسة الأمريكية، ثمّة خطوطٌ حمراء لا يُسمح بتجاوزها. والتشكيك في دعم إسرائيل هو أشدّها حماية. عضو الكونغرس الأمريكي Thomas Massie تجاوز هذا الخطّ ودفع الثمن يوم الثلاثاء.
صُوِّرت هزيمته في الدائرة الانتخابية الرابعة بولاية كنتاكي على نطاقٍ واسع باعتبارها دليلاً جديداً على هيمنة الرئيس Donald Trump المستمرّة على الحزب الجمهوري. هذا التفسير مريحٌ سياسياً، لكنّه منقوصٌ تحليلياً.
ما جرى لـ Massie لم يكن مجرّد صراع شخصيات أو خلافاً حول الولاء لـ Trump. كان تطبيقاً لحدودٍ سياسية راسخة في بنية السلطة الأمريكية. Massie انتهك أحد أعمق المحظورات في السياسة الأمريكية: إغضاب لوبي إسرائيل.
على خلاف كثيرٍ من السياسيين الذين يُتّهمون بالخروج عن الإجماع، لم يكن خروج Massie خطابياً أو رمزياً. كان موثَّقاً بالتصويتات والتصريحات العلنية ونقدٍ متواصل للدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.
بوصفه العضو الوحيد في الكونغرس الذي صوّت ضدّ القرار رقم 888 في نوفمبر 2023، ارتكب Massie خطيئةً سياسية كبرى إذ رفض القرار البرلماني الذي يؤكّد "حقّ إسرائيل في الوجود" ويعارض الدعوات إلى تفكيك الدولة الإسرائيلية.
اجتاز القرار بأغلبية 412 صوتاً مقابل صوتٍ واحد، وصوّت لصالحه حتى أعضاء "الفرقة" التقدّميون، من بينهم Alexandria Ocasio-Cortez وIlhan Omar وAyanna Pressley.
كان Massie أيضاً ضمن عددٍ محدود من أعضاء الكونغرس الذين عارضوا حزم المساعدات العسكرية الطارئة وعدداً من القرارات المؤيّدة لإسرائيل في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023.
فضلاً عن ذلك، دأب على الحجاج بأنّ كلّ المساعدات الخارجية ولاذ سيّما المساعدات لإسرائيل تنتهك المبادئ الدستورية ومبادئ التقشّف المالي. وفي وقتٍ كانت فيه إسرائيل تنفّذ ما وصفته منظمات حقوق الإنسان الكثيرة وخبراء الأمم المتحدة وباحثو الإبادة الجماعية وحتى مسؤولون إسرائيليون سابقون بأنّه أعمال إبادة جماعية في غزة، جاهر Massie برفض توظيف أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل هذه الحرب.
في واشنطن، تُعامَل مثل هذه المواقف باعتبارها انحرافاً خطيراً عن الإجماع المتعلّق بإسرائيل تمرّدٌ لا بدّ من معاقبته سياسياً.
ظلّ الدعم لإسرائيل أحد أكثر ركائز السياسة الخارجية الأمريكية رسوخاً على أساسٍ ثنائي الحزبين. ومنذ أكتوبر 2023، ضخّت الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات في مساعداتٍ عسكرية لإسرائيل، مع تغطيتها دبلوماسياً في الأمم المتحدة.
ويُقدّر مشروع تكاليف الحرب التابع لجامعة Brown الرقمَ المباشر بأكثر من 22 مليار دولار.
في غزة، وثّقت وزارة الصحة والمراقبون الدوليون استشهاد أكثر من 75,000 فلسطيني وإصابة أكثر من 180,000 آخرين كثيرٌ منهم بإعاقاتٍ دائمة فيما جرى تدمير أحياءٍ بأكملها ومستشفيات وجامعات ومدارس ومنشآت مياه وشبكات كهرباء ومخيّمات للاجئين بصورةٍ ممنهجة.
لم يكن Massie يتحدّى سياسةً بعينها فحسب، بل كان يواجه بنيةَ سلطةٍ راسخة شكّلت السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط على مدى عقود.
نمطٌ مألوف
شهدت واشنطن حوادث مشابهة من قبل. عضو الكونغرس الجمهوري السابق Paul Findley من ولاية إلينوي خسر مقعده عام 1982 بعد انتقاده للسياسة الإسرائيلية والنفوذ المتنامي لـ Aipac. وعلى المنوال ذاته، لقي السيناتور الجمهوري Charles Percy من الولاية نفسها مصيراً مماثلاً عام 1984 إثر توتّراته مع شبكات الضغط الموالية لإسرائيل.
وخلال العقدين الماضيين، واجه كثيرٌ من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين المصير ذاته. Cynthia McKinney في جورجيا، وEarl Hilliard في ألاباما، وJamaal Bowman في نيويورك، وCori Bush في ميزوري جميعهم واجهوا تدخّلاتٍ مالية ضخمة بعد انتقادهم للسياسة الإسرائيلية أو دفاعهم عن الحقوق الفلسطينية.
هذه الحالات كثيرةٌ جداً وموجَّهةٌ بدقّة بحيث يتعذّر اعتبارها مجرّد استثناءات فردية. المنظومة التي تُنفّذها بنيويةٌ في طبيعتها. صندوق Aipac للإنفاق السياسي المستقل (Super PAC)، الذي وصف Massie بأنّه "أكثر الجمهوريين معاداةً لإسرائيل في مجلس النواب"، ضخّ 9 ملايين دولار في هذا السباق وحده. وحين صدرت النتيجة، أعلن Aipac: "الأمريكيون المؤيّدون لإسرائيل فخورون بالمساهمة في هزيمة المرشّحين المعادين لها."
في زمن الحرب الباردة، كان التشكيك في أرثوذكسية معاداة الشيوعية يحمل تبعاتٍ سياسية. اليوم، يحمل التشكيك في الدعم غير المشروط لإسرائيل الثقلَ الأرثوذكسي ذاته في واشنطن.
وتحوّل سباق كنتاكي إلى أغلى انتخاباتٍ تمهيدية لمجلس النواب في التاريخ الأمريكي الحديث، إذ تجاوز الإنفاق فيها 34 مليون دولار. غير أنّ الدلالة الحقيقية تكمن في طريقة تعبئة هذا المال وتنسيقه بقدر ما تكمن في حجمه.
تشير تقارير صحفية إلى أنّ الملايين في النفقات الخارجية جاءت من شبكات مرتبطة بمنظّمات المناصرة الموالية لإسرائيل وبيئات المانحين التي باتت تتدخّل بصورةٍ متزايدة في الانتخابات التشريعية على المستوى الوطني.
اتّبعت الحملة ضدّ Massie نموذجاً باتَ مألوفاً: نفقاتٌ مستقلّة ضخمة، وحملات إعلانية لا هوادة فيها، وروايات إعلامية منسّقة، وجهودٌ لتصوير المرشّحين المعارضين بوصفهم متطرّفين أو عناصر غير موثوقة خارج الحدود المقبولة للسياسة الواشنطنية.
لم يكن Massie قد أُنفق عليه أكثر فحسب، بل كان مُستهدَفاً سياسياً بصورةٍ استراتيجية.
هذه الحملات ليست مجرّد سعيٍ لهزيمة مرشّحٍ بعينه. إنّها مصمَّمة لبثّ الخوف وإرسال رسالةٍ واضحة إلى كلّ عضو في الكونغرس مفادها أنّ معارضة السياسة الإسرائيلية، لا سيّما في زمن الحرب، تنطوي على تكاليف سياسية باهظة بصرف النظر عن الأقدمية أو الشعبية أو المصداقية الأيديولوجية.
رأيٌ عامّ في تحوّل
تحوّل الرأي العام الأمريكي تحوّلاً جذرياً ضدّ إسرائيل. تُظهر استطلاعاتٌ متعدّدة أُجريت خلال العامين الماضيين تراجعاً حادّاً في مستوى التأييد، لا سيّما في أوساط الأمريكيين الأصغر سناً. وكشف استطلاعٌ أجرته Gallup في فبراير أنّ التعاطف مع الفلسطينيين تجاوز التعاطف مع الإسرائيليين للمرّة الأولى.
وأظهرت استطلاعاتٌ أُجريت قبيل الانتخابات أنّ الناخبين الجمهوريين الأكبر سناً في الدائرة صوّتوا بحسمٍ لصالح Ed Gallrein، في حين مال الناخبون الأصغر والأوسط عمراً نحو Massie وهو انقسامٌ جيلي يتجاوز حدود كنتاكي.
حتى في صفوف الجمهوريين، تراجع الدعم للتدخّل العسكري غير المشروط في الخارج بصورةٍ ملحوظة، لا سيّما بعد التصعيد نحو الحرب على إيران. ويرى عددٌ متنامٍ من الأمريكيين، وفي مقدّمتهم الشباب، أنّ إسرائيل لم تعد أصلاً استراتيجياً بل باتت مصدراً لزعزعة الاستقرار الإقليمي القادر على جرّ الولايات المتحدة إلى حروبٍ أوسع لا تخدم أيّ مصلحةٍ أمريكية حقيقية.
عبّر Massie عن هذا الشعور بصراحة. وخلال النقاشات التي دارت حول احتمال المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، حذّر من أنّ واشنطن تُدفع نحو حربٍ كارثية جديدة في الشرق الأوسط تحرّكها في المقام الأوّل المصالح الإقليمية الإسرائيلية لا المصالح الأمريكية الجوهرية.
وفي تصريحٍ تداوله كثيرون، قال Massie إنّ الكونغرس لا ينبغي له التفويض بالتصعيد العسكري دون إذنٍ دستوري صريح، وتساءل لماذا يتحمّل دافعو الضرائب الأمريكيون والجنود الأمريكيون عبء حروبٍ تنبثق من أولويّات سياسة خارجية منفصلة عن الاحتياجات الداخلية.
بعد عقودٍ من الحروب والديون وتراجع الخدمات الأساسية، باتت هذه الحجج تلقى صدىً لدى أمريكيين أكثر بكثير ممّا تودّ النخب الواشنطنية الاعتراف به.
وزاد من حدّة هذه التوتّرات الأزمةُ المتفاقمة في صورة إسرائيل لدى الرأي العام. مشاهد غزة حيث مُحيت عائلاتٌ بأكملها، ودُفن الأطفال تحت الأنقاض، وفُرضت أوضاعٌ مجاعية على سكّانٍ مدنيين محاصرين حوّلت الرأي العام العالمي تحويلاً جذرياً.
وضاعف من هذا التدقيق الدولي دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، فيما اتّهمت كبرى منظّمات حقوق الإنسان إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية. وبالنسبة لملايين حول العالم، دمّرت غزة الأسطورة القائلة بأنّ خطاب حقوق الإنسان الغربي يُطبَّق بالتساوي على جميع البشر.
في مواجهة هذه الأزمة في الشرعية، استثمرت إسرائيل ومؤيّدوها استثماراً كثيفاً في السيطرة على السرديات عبر منصّات الإعلام والفضاء الرقمي والجامعات والمؤسسات السياسية. ورئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، المتّهم بجرائم حرب وصادرٌ بحقّه مذكّرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، تفاخر مراراً بنفوذ إسرائيل داخل شبكات الإعلام الغربي ومنصّات التواصل الاجتماعي. والمعركة باتت في جوهرها معركةً على المعلومات والتصوّرات.
وفي خطاب اعترافه بالهزيمة، قال Massie: "استغرق الأمر بعض الوقت للعثور على Ed Gallrein في تل أبيب."
لم يكن Massie يُقرّ بالهزيمة أمام منافسه فحسب. كان يُحدّد الميدان الذي خاض فيه المعركة. لم يكن هذا مجرّد سباقٍ تمهيدي في كنتاكي. كانت انتخاباتٍ شكّلتها شبكات المانحين الوطنية وتوجّهات السياسة الخارجية وآليّات الإنفاذ السياسي الممتدّة إلى ما هو أبعد بكثير من حدود الدائرة الانتخابية.
الرسالة الأشمل
يعزو بعض المعلّقين المرتبطين بلوبي إسرائيل هزيمة Massie إلى Donald Trump وحده. لكنّ هذه الرواية مغلوطةٌ وقاصرةٌ تحليلياً. لا شكّ أنّ Trump أدّى دوراً مهمّاً إذ أيّد Ed Gallrein، الضابط السابق في القوات البحرية الخاصة (Navy SEAL)، وشنّ هجماتٍ متكرّرة على Massie متّهماً إيّاه بعدم الولاء، محوّلاً الانتخابات التمهيدية إلى استفتاءٍ على الانتماء لحركة Maga.
غير أنّ Trump وحده لا يمول أكثر من 30 مليون دولار في انتخاباتٍ تمهيدية لمجلس النواب، ولا يستطيع بمفرده تعبئة بنيةٍ تحتية ضخمة من المانحين ضدّ نائبٍ واحد من بين عشرات النواب الذين اختلفوا معه على مرّ السنين.
القراءة الأدقّ هي أنّ آلة Trump تقاطعت مع شبكات المانحين الصهيونية الراسخة وهياكل الإنفاذ ما يصفه بعض المنتقدين بـ"طبقة Epstein": شبكةٌ من الممولين المليارديرية والمشغّلين السياسيين وشبكات النفوذ الإعلامي والشخصيات المرتبطة بالاستخبارات، الذين يبدو ولاؤهم في أحيانٍ كثيرة أقرب إلى الحفاظ على التفوّق الإقليمي الإسرائيلي منه إلى الدفاع عن مصالح أمريكية وطنية متماسكة.
Trump لم يضع الهدف على ظهر Massie لكنّه ساعد في الضغط على الزناد.
ما جرى لـ Massie يكشف عن حقيقةٍ بنيوية طالما فُهمت لكن نادراً ما نوقشت علناً: ثمّة خطوطٌ حمراء للسياسة داخل المنظومة الأمريكية، وإسرائيل تقبع بين أشدّها وضوحاً. تجاوز هذه الخطوط يستتبع عواقب تدفّقاتٌ تمويلية منسّقة، وحملاتٌ معارضة على المستوى الوطني، ورسائل إعلامية منسّقة تصوّر المعارضة تطرّفاً، وعزلٌ سياسي.
لكنّ التداعيات تمتدّ إلى ما هو أبعد من كنتاكي بكثير.
بالنسبة لجمهوريّي Maga، تُشير هذه النتيجة إلى أنّ "أمريكا أوّلاً" لها حدود. يمكن تحدّي اتّفاقيات التجارة وسياسة الهجرة والمؤسسات الدولية وحتى قيادة الحزب. لكنّ التشكيك في التوافق الواشنطني مع إسرائيل يظلّ بالغ الخطورة.
وبالنسبة للمحافظين الليبراليين، الجواب بالقدر ذاته من الحسم: التقشّف المالي والتشكيك في التدخّل الخارجي مقبولان فقط حتى تتقاطعا مع الملفّ الإسرائيلي.
وبالنسبة للحزب الجمهوري في مجمله، الدرس لا يحتاج إلى توضيح: انضباط الحزب بات يستلزم التمسّك بـ Trumpism والالتزام بتوافقٍ في السياسة الخارجية تظلّ فيه الأولويّات الإسرائيلية راسخةً في الأسس الدائمة للسلطة الأمريكية.
هُزم Massie لسببٍ رئيسي واحد: تحدّى إحدى أكثر البنى حمايةً في الحياة السياسية الأمريكية. وحين فعل ذلك، تحرّكت الآلة الصهيونية بسرعةٍ لافتة: ضُخّت أموالٌ طائلة، وتوحّدت شبكات المعارضة بين عشية وضحاها، ونُشرت الروايات الإعلامية، وأُرسيت عوامل الردع السياسي.
هذه ليست ظواهر عابرة. إنّها تُنظّم السلوك السياسي وتضبطه. ومع تعمّق الغضب الشعبي إزاء غزة واستمرار الأجيال الشابة في القطيعة مع الأرثوذكسيات السياسية القديمة، لم يعد واضحاً أنّ هذه الأدوات الانضباطية قادرةٌ على الصمود إلى أجلٍ غير مسمّى في مجتمعٍ يدخل أصلاً في أزمة شرعية أعمق.
بيد أنّه على الرغم من هزيمة Massie، تشير نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة إلى أنّ الهيمنة التاريخية لـ Aipac على السياسة الأمريكية ربّما تتراجع. في الليلة ذاتها، فاز Chris Rabb الاشتراكي الديمقراطي والمدافع الصريح عن فلسطين والمنتقد العلني لـ Aipac بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية في الدائرة الثالثة بولاية بنسلفانيا، متغلّباً على منافسَين يحظيان بدعم Aipac.
وفي وقتٍ سابق من هذا العام، ارتدت حملة Aipac ضدّ الديمقراطي المعتدل Tom Malinowski في نيوجيرسي بنتائج عكسية مدوّية، إذ أسهمت بصورةٍ غير مباشرة في إيصال Analilia Mejia الأعلى صوتاً في الدفاع عن فلسطين في ذلك السباق إلى الفوز.
الأرض تتحرّك، واللوبي يدرك ذلك.
أخبار ذات صلة

أوروبا ترفض التسلح والتجنيد الإجباري

إسرائيل تستنجد: الصقور الجمهوريون يهاجمون صفقة إيران الناشئة

ماتشادو تتعهد بترشح رئاسي جديد وتتطلع للعودة من المنفى بنهاية 2026
