وورلد برس عربي logo

نفاق الغرب في تجاهل الأزمات الأفريقية

يدافع البعض عن الإبادة الجماعية في غزة بتوظيف قضايا أخرى كالسودان والكونغو، لكن الحقيقة أن هذه القضايا تُستخدم كأداة سياسية. الاحتجاجات الغربية ليست مجرد تعاطف، بل مطالبة بوقف الدعم الحكومي للإبادة في غزة.

لافتة في مظاهرة تطالب بالحرية لفلسطين ودول أخرى، مع كلمات "حرية" مكتوبة بشكل بارز، تعكس التضامن مع القضايا الإنسانية.
يتظاهر المحتجون في تجمع لدعم غزة حاملين لافتات تطالب بالاهتمام العالمي بفلسطين وصراعات أخرى في مدينة نيويورك في 31 مايو 2024.
التصنيف:أفريقيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

من يدافعون عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة يملكون سيناريو جاهزاً.

إن أمضيتَ وقتاً على الإنترنت، أو تابعتَ نقاشات نشرات الأخبار التلفزيونية، أو أصغيتَ إلى السياسيين الإسرائيليين والغربيين، فأنت على الأرجح تعرف معظم فصوله.

«يستخدمون المدنيين دروعاً بشرية في غزة» هذا خطٌّ شائع. «كان على الفلسطينيين ألّا يبدأوا حرباً لا يستطيعون الفوز بها» هذا خطٌّ آخر. «الجيش الإسرائيلي هو أكثر جيوش العالم أخلاقيةً» وهذا من أكثرها سخافةً وابتعاداً عن الواقع.

ثمّة أسئلة أيضاً: «هل تدين حركة حماس؟» «هل تدافع عمّا جرى في 7 أكتوبر؟» «هل لإسرائيل الحق في الوجود؟» كلّها فخاخ.

غير أنّ ثمّة سؤالاً واحداً أحدث نسبياً، يتمحور حول أحداثٍ تجري بعيداً عن غزة والضفة الغربية المحتلّة. يقول هذا السؤال: «وماذا عن السودان والكونغو؟»

المعنى الضمني واضح: أنت لا تشارك في مسيرات الاحتجاج على ما يجري في غزة إلّا لأنّك تريد إلصاق التهمة بإسرائيل. وكثيراً ما يُرافق هذا الاتهامُ الترديدُ المعروف: «لا يهود، لا أخبار». وهذا هو جوهر الاتهام.

إن كنتَ لا تحتجّ على النزاعات في السودان أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، فأنت معادٍ للسامية، ولا يُحرّكك الاكتراث بالشعب الفلسطيني إلّا لأنّه يخدم أجندتك المعادية للغرب.

نجرؤ هنا على القول بصراحة: إنّ الذين يُطلقون هذه الحجّة لا يعنيهم في الواقع ما يجري في السودان أو جمهورية الكونغو الديمقراطية. فالبحث في منشوراتهم على منصّات التواصل الاجتماعي يكشف في الغالب أنّهم لم يذكرا أيٍّ من البلدين قط، إلّا حين يُريدون توظيف ذلك نقطةً انتهازيةً ضدّ حركة فلسطين أكشن.

أفارقة يُستغلّون

هؤلاء يريدون استحضار شعبَي السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية لتوظيفهم أداةً لمهاجمة خصومهم السياسيين، ثم التخلّص منهم حين تنتهي الغاية. يرون في مئات الآلاف من القتلى في هذين البلدين مجرّد أوراق ضغط.

بيد أنّ ثمّة نقطةً مهمّة مدفونةً تحت هذه الهجمات الانتهازية، وإن جاءت عرَضاً لا قصداً: وهي أنّ الأهوال في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية أو في اليمن وإثيوبيا وهايتي وميانمار لا تحظى بالقدر ذاته من الاهتمام الذي تحظى به الحرب الإسرائيلية المستمرّة منذ سنتين ونصف على غزة.

لكنّ ذلك ليس ذنب من يتدفّقون إلى شوارع لندن ونيويورك لمحاسبة حكوماتهم على دعمها للإبادة في غزة.

الحروب الأفريقية، وتلك التي تشتعل في الشرق الأوسط دون أن يكون فيها خصمٌ أنغلو-أمريكي واضح، ظلّت تُهمَل بصورة منهجية في الإعلام الغربي منذ ما يزيد على قرن. وكما كتبتُ في هذه الصفحات من قبل، ثمّة أسبابٌ كثيرة لذلك، في مقدّمتها عنصريّةٌ ضمنية تعتبر بعض الأرواح أثمن من غيرها.

غير أنّ الاحتجاجات ليست تعبيراً لاسياسياً عن التعاطف. فـمئات الآلاف من المشاركين في مظاهرات مناهضة الإبادة في العواصم الغربية يُحاسبون حكوماتهم على قراراتٍ ذات طابعٍ سياسي صريح.

في الولايات المتحدة، يقفون في وجه إدارةٍ لولاها لما أمكن الاستمرار في تنفيذ عملية الإبادة العرقية في غزة. يطالبون حكوماتهم بوقف تزويد إسرائيل بالأسلحة التي تستخدمها في إبادة النساء والأطفال الفلسطينيين.

وحين يملأ المحتجّون شوارع لندن، يطالبون حكومة رئيس الوزراء Keir Starmer بوقف تصدير مكوّنات مقاتلات F-35 إلى إسرائيل. ويريدون تفسيراً لماذا حلّقت طائرات التجسّس التابعة لسلاح الجوّ الملكي البريطاني فوق غزة لأكثر من عامين.

ما يطالب به المحتجّون في بريطانيا والولايات المتحدة وسائر الدول هو أن تتوقّف حكوماتهم عن دعم إبادةٍ جماعية دبلوماسياً ومادياً باسمهم.

النفاق الغربي

من يستحضرون السودان والكونغو يريدون طمس هذا البُعد السياسي. يريدون تجريد الحركة من محتواها، وتصوير غزة على أنّها مأساةٌ بلا سبب.

المطالب التي يمكن للناشطين رفعها أمام حكوماتهم بشأن حروب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية تبقى أقلّ وضوحاً. ليس معنى ذلك أنّه لا أثر للنفوذ الغربي فيها إذ يصعب تسمية نزاعٍ لا يدٍ للغرب فيه لكنّ هذا الأثر ضبابيٌّ ولا يتصدّر العناوين الدولية.

وعلى عكس غزة، لا يوجد مئات الشروحات والبودكاستات والكتب التي تُعين الناس على فهم ما يجري وكيف تتورّط حكوماتهم فيه.

ففي السودان، عُثر في ميادين القتال على معدّاتٍ عسكرية بريطانية استخدمتها قوّات الدعم السريع، وكانت قد زوّدها بها الإمارات العربية المتحدة، الداعم الرئيسي لهذه القوّات شبه العسكرية، والحليف الوثيق للولايات المتحدة في الوقت ذاته.

وفيما يخصّ جمهورية الكونغو الديمقراطية، فرض الاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على عددٍ من قيادات حركة M23 ومسؤولين في الجيش الرواندي بسبب تأجيجهم للحرب، لكنّه في الوقت ذاته تجاهل الضغوط الداعية إلى إلغاء اتفاقية المعادن مع كيغالي، التي تُغذّي صناعات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية والرقائق الإلكترونية الأوروبية.

أمّا الرئيس Donald Trump، فقد قدّم نفسه صانعَ سلامٍ بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في حين سعت واشنطن في الوقت ذاته إلى إبرام شراكة استراتيجية للمعادن مع كينشاسا، تمنح الولايات المتحدة وصولاً موسّعاً إلى الموارد الحيوية للبلاد.

جيلٌ جديد

من السهل فهم لماذا تمرّ كثيرٌ من هذه التفاصيل دون أن يلتفت إليها عموم الناس حتى من دفعتهم أحداث غزة إلى الانخراط في النشاط الحقوقي لأوّل مرّة.

لكنّ ثمّة مفارقةً لم يتوقّعها أصحاب النوايا السيئة في المعسكر المؤيّد لإسرائيل: يبدو أنّهم أشعلوا جزئياً ردّ فعلٍ حسن النيّة. باتت اليوم لافتاتٌ تظهر في مسيرات مناهضة الإبادة تحمل عبارة: «حرّروا فلسطين. حرّروا السودان. حرّروا الكونغو».

وإن كان من غير المفيد على المدى البعيد تسوية ثلاثة نزاعاتٍ متباينة في أسبابها وتداعياتها بالمسطرة ذاتها، فإنّ هذا يبقى بداية حقيقية.

لقد كشفت الإبادة في غزة الغطاءَ عن أعين كثيرين في الغرب، ممّن باتوا يُدركون أنّ حكوماتهم ليست «الطرف الخيّر»، وأنّ القانون الدولي لم يُطبَّق يوماً على الجميع بالتساوي، وأنّ المؤسسات الإعلامية التي كانوا يثقون بها متورّطة في هذا الواقع.

وإن لم تكن ثمّة مسيراتٌ كبرى تطالب بإنهاء الحروب في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فإنّ الوعي بها في تنامٍ مستمرّ، وجيلٌ جديد من الناشطين بات أكثر إدراكاً للتصرّفات المشبوهة لحكوماته في مناطق شتّى من العالم.

«وماذا عن السودان والكونغو؟» ليس نداءً من أجل إيلاء ضحايا الحروب اهتماماً متساوياً. إنّه محاولةٌ لتجريد التضامن من معناه السياسي، وفرض اختبارٍ أخلاقي لا يمكن اجتيازه. وهو قبل كلّ شيء محاولةٌ لوصم انتقاد إسرائيل بالعار.

أخبار ذات صلة

Loading...
خريطة توضح موقع السودان وأطرافه مع إبراز الخرطوم كمركز للصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع.

غارات بطائرات مسيّرة على مركبات مدنية تقتل 20 شخصاً على الأقل في السودان

تصاعدت ضربات الطائرات المسيّرة في السودان مستهدفة المدنيين ومركباتهم، ما أودى بحياة العشرات وأثار قلقاً دولياً. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإنساني العميق الآن.
أفريقيا
Loading...
حطام سيارات محترقة وحصان ميت على طريق في الأبيض، شمال كردفان، يعكس آثار القصف بالطائرات المسيّرة على البنية التحتية المدنية والحياة اليومية.

حصار قوات الدعم السريع في الأبيض: خيوط الدعم الإماراتي

تعاني مدينة الأبيض في شمال كردفان حصاراً خانقاً وغارات بالطائرات المسيّرة تستهدف محطات الوقود والكهرباء، مما يزيد من معاناة المدنيين ويهدد الأمن الغذائي والمائي. اكتشف المزيد عن الأزمة وتداعياتها الآن.
أفريقيا
Loading...
جندي من قوات الدعم السريع السودانية يحمل علم السودان ويقف بجانب رشاش ثقيل، يعكس النزاع المسلح في دارفور وتأثيراته الإنسانية.

تنظيمات حقوقية تتهم قادة ميليشيات بجرائم حرب في السودان

تكشف منظمة Amnesty International عن جرائم حرب مريعة ارتكبها قادة قوات الدعم السريع في الفاشر، داعيةً المجتمع الدولي لتحرك عاجل لمحاسبتهم وحماية المدنيين. اكتشف التفاصيل الآن.
أفريقيا
Loading...
طاقم طبي يرتدي بدلات واقية يعالج مريض إيبولا في الكونغو، مع امرأة تراقب من خلف زجاج، في ظل تفشٍّ وباء الإيبولا.

الكونغو تحظر التجمعات في مناطق بعيدة عن بؤرة الإيبولا.. قيود على الحريات؟

في ظل تفشٍّ خطير للإيبولا في الكونغو وحظر التجمّعات، تتصاعد المخاوف حول حرية التعبير وتأثير الوباء على الاستقرار. اكتشف المزيد عن الأزمة وخطط المواجهة الآن.
أفريقيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية