الأبيض تحت القصف وتدمير البنية التحتية الحيوية
في الأبيض شمال كردفان قصف مستمر بالطائرات المسيّرة يستهدف البنية التحتية الحيوية ما أدى لانقطاع الكهرباء وشح المياه وسط حصار قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً، في ظل معاناة إنسانية متفاقمة وتزايد أعداد النازحين تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

-صباح يوم الجمعة، وجد عبدالله وهو محامٍ في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان لحظةً من الهدوء ليستعيد أنفاسه، بعد أسبوعَين من الغارات بالطائرات المسيّرة وأكثر من ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة.
قال : "المعاناة التي يتحمّلها مواطنو الأبيض جرّاء الحرب تفوق الوصف."
وأضاف: "فقدان الأرواح، والجوع، وانعدام الأمن هذه الكلمات الثلاث تعكس بدقّة الكوارث التي أفرزها الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع."
وتابع: "تواصل هذه القوات قصف المدنيين والمراكز الحيوية والاستراتيجية والمرافق الخدمية وأسس الحياة، بهدف تهجير المواطنين وإجبارهم على مغادرة أراضيهم ومدنهم."
في الوقت الذي كان فيه عبدالله وسكّان آخرون في عاصمة شمال كردفان يدلون بشهاداتهم، كان مجلس حقوق الإنسان الأممي يعقد جلسةً طارئة حول الأوضاع في السودان، فيما كانت قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً تُحكم حصارها على الأبيض من الجهات الغربية والشمالية والجنوبية.
تحتلّ الأبيض موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، إذ تقع عند تقاطع عدد من الطرق التي تربط العاصمة الخرطوم بكردفان ودارفور، المعقل الرئيسي لقوات الدعم السريع في غرب السودان. وقد عاش سكّان المدينة طوال سنوات الحرب تحت وطأة الخوف من سقوطها في أيدي هذه القوات.
يبلغ عدد سكّان الأبيض حالياً نحو 600,000 شخص، من بينهم أكثر من 105,000 نازح لجأوا إليها هرباً من العنف والمجاعة في مناطق أخرى.
بُعيد اندلاع الحرب بين القوات المسلّحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، باتت الأبيض ساحةً للتنافس، في حين واصل الفيلق الخامس مشاة التابع للقوات المسلّحة الحفاظ على مقرّه الرئيسي داخل المدينة.
خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، شنّت قوات الدعم السريع التي يتمركز مقاتلوها في الأرياف المحيطة وفي بلدة برح على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال الأبيض موجةً متصاعدة من الضربات بالطائرات المسيّرة، استهدفت محطات الوقود وناقلات النفط.
وطالت الضربات المحطة الرئيسية للكهرباء، ومرافق المياه، والسوق المركزية، ومستودعات الوقود، فسقط مدنيون بين شهيد و جريح، وارتفعت أسعار السلع الأساسية ارتفاعاً حادّاً.
وكشفت صور الأقمار الاصطناعية التي حلّلها مختبر الأبحاث الإنسانية (HRL) التابع لجامعة Yale عن أضرارٍ واضحة "تتّسق مع القصف المتعمّد للبنية التحتية المدنية الضرورية لاستمرار الحياة".
وأفاد المختبر في تقريرٍ صدر مطلع هذا الأسبوع بأنّه بين 25 مايو و25 يونيو، "تعرّضت ثماني محطات وقود على الأقل في الأبيض لأضرارٍ مستهدَفة تتّسق مع الضربات الجوية".
كما كشف تحليل صور الأقمار الاصطناعية أنّ الجيش السوداني أقام ما لا يقلّ عن 14 نقطة تفتيش، وشيّد شبكةً من السواتر الترابية والخنادق الدفاعية تمتدّ على طول 51 كيلومتراً حول المدينة.
تقرير جديد يؤكّد وجود أضرار في محطات الطاقة ومحطات الوقود تهدد قدرة الأبيض على إنتاج المياه النظيفة، وذلك استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية الحديثة.
كما رصدت الصور 700 خيمة جديدة للنازحين خلال شهرٍ واحد في المخيم الرئيسي للنازحين في الأبيض.
أصدرت قوى دولية، في مقدّمتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة، تحذيراتٍ مشدّدة من تدهور الأوضاع في شمال كردفان، غير أنّها أحجمت عن الإشارة صراحةً إلى الدور الذي تضطلع به الإمارات في دعم قوات الدعم السريع وتزويدها بالسلاح وهي القوات المتّهمة على نطاقٍ واسع بارتكاب إبادةٍ جماعية في دارفور، حيث أوقعت عشرات الآلاف من الشهداء المدنيين.
وقد أحجمت وزارة الخارجية الإماراتية عن الردّ على طلب التعليق. وتواصل الإمارات نفيها لأيّ دعمٍ تقدّمه لقوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، قال عبدالله معبّراً عن رأي أبناء الأبيض: "الجميع هنا يعلم أنّ الإمارات تدعم قوات الدعم السريع."
ضربات المسيّرات تستهدف البنية التحتية الحيوية
في 18 يونيو، استهدفت طائرات قوات الدعم السريع المسيّرة محطة الأبيض الكهربائية، التي تمثّل المحور الرئيسي لإمداد المدينة بالطاقة، فأحدثت أضراراً جسيمة أفضت إلى انقطاعٍ شامل للتيار الكهربائي.
قال عبدالله: "هذا الانقطاع فاقم الأزمات القائمة، إذ أدّى إلى تعطّل إمدادات المياه واضطرار كثيرٍ من المستشفيات إلى إغلاق أبوابها."
وأضاف: "يعاني سكّان المدينة شُحّاً حادّاً في المياه جرّاء التوقّف الكامل للمصادر العامة، وباتت المدينة تعتمد كلياً على الآبار الداخلية وناقلات المياه القادمة من خارجها."
وأشار عبدالله إلى أنّ طائرات قوات الدعم السريع المسيّرة كانت تشنّ، حتى منتصف هذا الأسبوع، ما بين ضربتَين وستّ ضربات يومياً. وقال: "لقد استهدفت المراكز الحيوية وضروريات الحياة في المدينة: مقرّ قيادة الجيش، والمركبات القتالية، وناقلات الوقود، وصهاريج مياه الشرب والصرف الصحي."
وأفاد كذلك بأنّ المنازل السكنية تعرّضت للقصف، فضلاً عن الشاحنات المسيرة على الطريق الوطني الرابط بين الأبيض وبقية أنحاء البلاد. وقال: "احترقت شاحناتٌ ومركباتٌ وناقلاتٌ كثيرة على الطريق جرّاء الطائرات المسيّرة."
وباتت نسبةٌ كبيرة من مضخّات الوقود في المدينة خارج الخدمة، سواءً بسبب الضربات المباشرة أو بسبب أوامر الاستخبارات العسكرية في الأبيض بإغلاقها، في ظلّ التحليق المستمرّ للمسيّرات في أجواء المدينة.
ونظراً لاستهداف الطائرات المسيّرة الشاحناتِ التجارية على الطريق الوطني المؤدّي إلى الأبيض، إلى جانب شحّ الوقود، تعطّلت حركة البضائع إلى المدينة تعطّلاً شبه تامّ، ما أفضى إلى ارتفاعٍ حادّ في أسعار الغذاء والخبز والدواء.
وقال مصدرٌ آخر من المدينة فضّل عدم الكشف عن هويّته: "أدّت أزمة الوقود إلى تدهور الأوضاع في المدينة، وأوقفت حركة النقل العام بالكامل." وقد قفزت تكاليف التنقّل إلى مستوياتٍ غير مسبوقة.
"يصل سعر الجالون الواحد من الوقود (نحو 3.8 لترات) إلى 800,000 جنيه سوداني أو أكثر (ما يعادل 1,332 دولاراً). كما ارتفعت أجور السفر إلى المناطق المجاورة والولايات الأخرى، ومن المتوقّع أن تواصل ارتفاعها مع استمرار الأزمة."
وتضاعف سعر برميل المياه أربع مرات، من 5,000 إلى 25,000 جنيه سوداني (ما بين 8 و41 دولاراً)، فيما بلغ سعر الجركن الواحد 3,000 جنيه.
وعلّق عبدالله: "هذه المياه مالحةٌ وغير صالحة للشرب"، وهو ما أكّده سكّانٌ آخرون، مشيرين إلى صعوبةٍ بالغة في الحصول على مياه شربٍ نظيفة.
أمّا ناقلات المياه التي كانت تنقل المياه الصالحة للشرب من مصادر خارج المدينة، فقد توقّفت عن العمل بسبب الضربات المتواصلة بالطائرات المسيّرة.
ويخشى الآباء والأمهات في الأبيض إرسال أطفالهم إلى المدارس؛ فرغم أنّ المدارس لا تزال تعمل، يهرع الأهل لاصطحاب أبنائهم فور سماع دويّ القصف، طمأنينةً على سلامتهم.
هل يبذل الجيش والحكومة ما يكفي؟
على الرغم من الضربات المتواصلة وقرب قوات الدعم السريع من المدينة، قال عبدالله إنّ "المدينة لا تخشى عموماً هجوماً مباشراً من قوات الدعم السريع."
وأوضح: "إنّهم يكذبون. لا يستطيعون مهاجمة المدينة لأنّ الجيش موجودٌ هنا وما زال قوياً. لهذا السبب تلجأ قوات الدعم السريع إلى القصف الجوّي، لأنّنا لا نملك منظومة دفاع جوّي."
وقال أمجد فريد الطيب، مستشار مجلس السيادة الانتقالي المدعوم من الجيش،: "بصرف النظر عن المعطيات العسكرية، تواصل ميليشيا الدعم السريع استهداف المدنيين، في حين يواصل الجيش الحكومي الدفاع عنهم."
وأضاف: "في الوقت الراهن، يمثّل بقاء الأبيض تحت السيطرة الحكومية الحاجز الوحيد الذي يحول دون تكرار المجازر التي شهدتها الفاشر حين تقدّمت قوات الدعم السريع نحوها."
في أكتوبر من العام الماضي، اجتاحت قوات الدعم السريع الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وارتكبت خلال ذلك جرائم اغتصابٍ وقتلٍ وابتزازٍ طالت آلاف المدنيين. وكانت الحكومات الدولية قد تلقّت تحذيراتٍ مسبقة بهذا الاحتمال على مدى أشهر، غير أنّها لم تتحرّك.
وقال عبدالله معبّراً عن شعور مواطني الأبيض تجاه الجيش: "نشعر بأنّ القوات المسلّحة تحمينا، لكنّنا نشعر في الوقت ذاته بأنّ ذلك لا يكفي. نرى منذ فترةٍ طويلة هذه المسيّرات تقصف في كلّ مكان، والجيش عاجزٌ عن التصدّي لها. يشعر الناس بخيبة أملٍ من ذلك."
ويتساءل المدنيون في المدينة بانتظامٍ عن سبب عجز الجيش عن حمايتهم من القصف، ويشكون من غياب منظومة الدفاع الجوّي.
وقال عبدالله: "لولا المنظّمات الإنسانية والخدمات التي تقدّمها للنازحين، لكان الوضع قد انفجر منذ زمنٍ بعيد."
وأضاف: "حكومتا المدينة والولاية عاجزتان تماماً عن توفير الأمن والسلامة للمواطنين، وعن حمايتهم من الغارات اليومية للمسيّرات والثغرات الأمنية المتكرّرة التي تعصف بالمدينة منذ بداية الحرب."
وتشمل هذه الثغرات، وفق مصادر محلية، عمليات اغتيالٍ وإصاباتٍ ونهبٍ لممتلكات المدنيين على أيدي قواتٍ عسكرية متمركزة داخل المدينة، كثيراً ما تستخدم أسلحتها في ذلك.
وختم عبدالله بقوله: "يقطع الأطفال مسافاتٍ طويلة سيراً على الأقدام للوصول إلى مدارسهم، ويصل العمّال إلى مقارّ عملهم في غياب الكهرباء ومياه الشرب، بل وحتى مصدر الرزق، في ظلّ الفقر والبطالة وشحّ السيولة النقدية في المدينة."
"تمرّ المدينة بمرحلةٍ عسيرة؛ نأمل أن تتجاوزها بسلامٍ وأن يسود الأمن والسلام ربوع السودان."
أخبار ذات صلة

تنظيمات حقوقية تتهم قادة ميليشيات بجرائم حرب في السودان

الكونغو تحظر التجمعات في مناطق بعيدة عن بؤرة الإيبولا.. قيود على الحريات؟

هجوم مسلح على قرية زراعية في شمال غرب نيجيريا يوقع 15 قتيلاً على الأقل
