أقمار صناعية تكشف أسرار النباتات وتحمي كوكب الأرض
وكالة الفضاء الأوروبية تطلق قمرين جديدين لمراقبة صحة النباتات ودورة الكربون بدقة غير مسبوقة ودعم التنبؤات المناخية والزراعية لتعزيز الأمن الغذائي ومواجهة تحديات تغير المناخ عبر بيانات فضائية متطورة من وورلد برس عربي

في عصرٍ تتصاعد فيه المخاوف من تدهور الغطاء النباتي وتراجع الأمن الغذائي العالمي، أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) مساء الخميس 14 سبتمبر 2023 قمرَين اصطناعيَّين من قاعدة الإطلاق الأوروبية في كورو بغويانا الفرنسية، على متن صاروخ Vega C. القمران FLEX وSentinel-3C يمثّلان إضافةً نوعية لمنظومة مراقبة الأرض، ليس لأنّهما يُضافان إلى قائمة الأقمار الصناعية الأوروبية، بل لأنّ كلاً منهما يُعالج سؤالاً بيئياً لم تتوفّر له إجابةٌ دقيقة من الفضاء من قبل.
قمرٌ يستمع إلى «تنهيدة» النبات
أُطلق القمر FLEX في تمام الساعة 9:21 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (0121 بتوقيت غرينتش في 15 سبتمبر)، وهو قمرٌ فريدٌ من نوعه يزن 397 كيلوغراماً (875 رطلاً)، ويُعدّ الأول عالمياً المصمَّم خصيصاً لرصد ظاهرة التألّق الفلوري (fluorescence) في النباتات، أي الضوء الخافت الذي تُصدره الأوراق الخضراء كأثرٍ جانبي لعملية التمثيل الضوئي. هذه الظاهرة غير مرئية للعين المجرّدة، لكنّها تحمل معلوماتٍ بالغة الدقّة عن مدى نشاط النبات وصحّته.
ما يُميّز FLEX علمياً هو قدرته على رسم خرائط شاملة لنشاط التمثيل الضوئي على مستوى الكوكب، وهو ما يعني تحسيناً جوهرياً في فهم دورة الكربون العالمية؛ إذ يُتيح للعلماء تتبّع كمية ثاني أكسيد الكربون التي تمتصّها النباتات فعلياً، لا تلك التي يُفترض أن تمتصّها وفق النماذج الحسابية. وتُشير ESA في وصف المهمة إلى أنّ هذا الأمر ذو أهمية بالغة بسبب الطلب المتزايد الذي يفرضه النمو السكاني العالمي على إنتاج الغذاء، وهو توصيفٌ يربط مباشرةً بين بيانات الأقمار الصناعية وأزمة الأمن الغذائي التي تواجهها مناطق واسعة من العالم، بما فيها شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
Sentinel-3C: الحلقة الثالثة في سلسلة المراقبة الأرضية
القمر الثاني على متن الصاروخ هو Sentinel-3C، الذي يزن 1,143 كيلوغراماً (2,520 رطلاً)، وهو الجيل الثالث من سلسلة Sentinel-3 التابعة لبرنامج Copernicus الأوروبي لمراقبة الأرض. سبقه القمران Sentinel-3A الذي أُطلق عام 2016، وSentinel-3B عام 2018، وكلاهما لا يزال يعمل في المدار. تصفه ESA بأنّه يحمل مجموعةً من الأدوات المتطوّرة التي تقيس بصورة منهجية محيطات الأرض وأراضيها وجليدها وغلافها الجوي لرصد الديناميكيات العالمية الكبرى وفهمها.
الجانب العملي لهذا القمر لا يقلّ أهمية عن الجانب العلمي؛ فهو، وفق ESA، يوفّر معلوماتٍ أساسية في الوقت الفعلي تقريباً لأغراض التنبّؤ بأحوال المحيطات والطقس. وفي سياقٍ تتكاثر فيه الظواهر المناخية المتطرّفة وتتسارع، تصبح هذه البيانات شريانَ حياةٍ لأنظمة الإنذار المبكر وإدارة الكوارث.
Vega C: سجلٌّ قياسي وعودةٌ إلى المسار
الصاروخ الحامل لهذه المهمة هو Vega C، الذي يبلغ ارتفاعه 35 متراً (115 قدماً)، وقد أجرى أولى رحلاته في يوليو 2022. حتى تاريخ هذا الإطلاق، أتمّ الصاروخ 7 رحلاتٍ إجمالية، نجح منها 6. طوّرته ESA وتتولّى شركة Avio الإيطالية تشغيله، وكانت هذه المهمة ثاني إطلاقٍ تديره Avio مباشرةً. سيبلغ القمران مدارهما على ارتفاع 820 كيلومتراً (509 أميال) تقريباً، ومن المقرّر أن يكونا في مداراتهما المستقلّة بعد 116 دقيقة من الإطلاق.
بُثَّت تغطية الإطلاق مباشرةً عبر قناة ESA على YouTube، وبدأ البثّ في الساعة 8:50 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (0050 بتوقيت غرينتش).
ماذا بعد الإطلاق؟
النجاح التقني في الإطلاق هو البداية لا النهاية. القيمة الحقيقية لـFLEX ستتجلّى حين تبدأ بياناته في تغذية نماذج الزراعة الدقيقة وتقديرات الإنتاجية الغذائية، وهو ما يستغرق عادةً أشهراً من المعايرة والاختبار بعد الإطلاق. أمّا Sentinel-3C فسيُكمّل منظومةً قائمة ويُعزّزها، مما يعني أنّ تأثيره على جودة التنبّؤات المناخية والبحرية قد يكون أسرع في الظهور. السؤال المفتوح والذي سيجيب عنه العلماء على مدى السنوات القادمة هو إلى أيّ حدٍّ ستُترجَم هذه البيانات الفضائية إلى سياساتٍ زراعية ومناخية فعلية في الدول التي تحتاجها أكثر من غيرها.
أخبار ذات صلة

المياه المخفية تحت الأرض: احتياطيات ضخمة على عمق ألفي كيلومتر

مذنب بين نجمي لم يتشكل حيث يصل ضوء نجمه

الرئاسة الأمريكية تؤكد جديتها في دراسة ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة
