السرطان المرتبط بالعدوى كيف نحمي أنفسنا بفعالية
أكثر من 12% من حالات السرطان حول العالم سببها عدوى يمكن الوقاية منها بالتطعيم والفحص المبكر. لقاحات مثل HPV وHBV تملك القدرة على تقليل العبء خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض. تعرف على التفاصيل في وورلد برس عربي.

من بين كل ثمانية أورام سرطانية جديدة تُشخَّص في العالم اليوم، هناك واحد سبَّبته عدوى كان من الممكن الوقاية منها أو علاجها. هذا ما تكشفه دراسةٌ عالمية جديدة نُشرت في مجلة The Lancet Oncology يوم 28 سبتمبر، قدّرت أنّ الإصابات بالفيروسات والبكتيريا والطفيليات تسبّبت في 2.3 مليون حالة سرطان جديدة خلال عام 2024، أي ما يعادل نحو 12% من إجمالي الحالات المُشخَّصة عالمياً، والتي قدّرتها قاعدة بيانات GLOBOCAN بعشرين مليون حالة في العام نفسه. الرقم ليس مجرّد إحصائية، بل مؤشّرٌ على أنّ جزءاً كبيراً من العبء السرطاني العالمي قابلٌ للوقاية عبر أدواتٍ متاحة أصلاً: التطعيم، والفحص المبكر، والعلاج الموجّه للعدوى.
كيف حُسِب الرقم، وأين يتركّز العبء؟
اعتمد فريق البحث، الذي شمل Rumgay وGeorges وHuang وHirabayashi وShah وde Martel وPark وSoerjomataram وClifford، على الجمع بين تقديرات سجلّات السرطان المنشورة في Global Cancer Observatory وبيانات منشورة حول انتشار العدوى بين مرضى سرطاناتٍ محدّدة. رصدت الدراسة أثر اثني عشر مُمْرِضاً معروفاً بتسبّبه في السرطان، من بينها فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، والتهاب الكبد B وC، وفيروس نقص المناعة البشرية HIV، وفيروس Epstein-Barr (EBV) المسؤول أيضاً عن داء كثرة الوحيدات. ومن اللافت أنّ سجلّات السرطان المستخدمة في الدراسة لم تغطِّ سوى نحو 19% من سكّان العالم، وأقلّ من 2% من سكّان أفريقيا وهي فجوةٌ بيانية تستحقّ الانتباه بقدر ما تستحقّه النتائج نفسها، لأنها تعني أنّ الصورة الحقيقية في القارّة الأفريقية قد تكون غير مكتملة.
أربعة مُمْرِضات فقط تقف وراء نحو 92% من حالات السرطان المرتبطة بالعدوى: جرثومة المعدة Helicobacter pylori (760 ألف حالة، معظمها سرطانات معدية)، وفيروس HPV (750 ألف حالة تشمل سرطانات عنق الرحم والقضيب والحلق والفم)، والتهاب الكبد B (360 ألف حالة)، وفيروس EBV (260 ألف حالة). الأهمّ من هذا التوزيع هو توزيعه الجغرافي: تتحمّل الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل 77% من العبء العالمي للسرطانات المرتبطة بالعدوى، كما تقع فيها 81% من سرطانات HPV تحديداً. بكلامٍ آخر، العبء الأثقل يقع في الأنظمة الصحية الأقلّ قدرةً على تحمّله.
لقاح HPV: نجاحٌ مثبَت، لكن التغطية ما زالت بعيدة عن الهدف
البيانات هنا واضحة الدلالة. في عام 2024، لم يتلقَّ سوى 31% من الفتيات المراهقات المؤهّلات عالمياً جرعةً واحدة على الأقلّ من لقاح HPV، بينما يحدّد هدف منظمة الصحة العالمية سقفاً عند 90%. الفجوة بين الرقمين تُترجَم مباشرةً إلى حالات سرطان يمكن تفاديها.
ما يجعل هذه الفجوة مؤلمةً أكثر هو أنّ الدليل على فعالية اللقاح أصبح قاطعاً. تقول الدكتورة Rebecca Perkins، أستاذة أمراض النساء والتوليد في Tufts University School of Medicine، والتي لم تشارك في الدراسة: «لقد حقّقنا الآن إنجازاً بالغ الأهمية يتمثّل في بدء اختفاء سرطان عنق الرحم في الدول التي حقّقت بسرعة معدّلات تطعيم تفوق 80%». وتستشهد بدراساتٍ من أستراليا وإنجلترا وفنلندا أظهرت «صفر حالات من سرطانات أو وفيات مرتبطة بـHPV بين الشباب الذين تلقّوا التطعيم بحلول سن الثالثة عشرة».
ورغم هذا الدليل، لا تزال معدّلات التطعيم ضدّ HPV في الولايات المتحدة متفاوتةً بين الولايات، بين مرتفعة وأخرى متعثّرة. وتُرجِع Perkins جزءاً من المشكلة إلى تصوّراتٍ خاطئة لدى بعض أولياء الأمور، الذين يعتبرون اللقاح غير ضروري أو يظنّون أنّ أبناءهم أصغر من أن يحتاجوه. وتقول بوضوح: «أكبر سوء فهمٍ لدى العائلات هو أنّ لقاح HPV غير ضروري أو يمكن تأجيله»، مضيفةً: «الحقيقة هي أنّك لا تستطيع أن تُطعِّم مبكّراً جداً، بل فقط متأخّراً جداً».
في هذا السياق، قد يكون الحلّ التقني جزءاً من الإجابة على فجوة التغطية: تشير تجارب حديثة إلى فعالية نظامٍ بجرعةٍ واحدة من اللقاحات نفسها المستخدمة حالياً، وهو ما تقول Perkins إنه قد يُخفّف من تعقيد الحملات الجماعية عبر خفض التكاليف وإلغاء الحاجة إلى تتبّع المتابعة.
التهاب الكبد B: لقاحٌ فعّال، وقرارٌ أمريكي يثير القلق
على عكس EBV، يتوفّر لقاحٌ شديد الفعالية ضدّ التهاب الكبد B، وتوصي الجهات الصحية بإعطاء الجرعة الأولى منه في أقرب وقتٍ ممكن بعد الولادة. غير أنّ مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) الأمريكي توقّف مؤخّراً عن التوصية بالتطعيم الشامل عند الولادة في الولايات المتحدة وهو قرارٌ يرى خبراء أنه قد يرفع معدّلات الإصابة بالتهاب الكبد B والسرطانات المرتبطة به داخل البلاد. القرار يستحقّ المتابعة كنقاش سياساتٍ صحية أمريكي بامتياز، لا كإجماعٍ طبّي؛ فالأدلّة العلمية حول فعالية اللقاح عند الولادة لم تتغيّر، بل تغيّرت التوصية الإدارية.
EBV: الفيروس المراوغ الذي لا يملك لقاحاً بعد
يصيب فيروس Epstein-Barr ما يصل إلى 95% من البشر بحلول سنّ الرشد، لكنّ معظم المصابين لا يُصابون بسرطانٍ مرتبطٍ به. المشكلة أنه لا يوجد حتى الآن لقاحٌ معتمَد ضدّه، رغم ارتباطه أيضاً بأنواعٍ من الليمفوما وسرطانات المعدة والحلق، إضافةً إلى أمراضٍ مناعية ذاتية.
تشرح Claire Shannon-Lowe، عالمة الفيروسات الورمية في University of Birmingham، سبب صعوبة تطوير لقاحٍ له: «العقبة الأكبر كانت تعقيد الفيروس». وتضيف: «على عكس فيروساتٍ أخرى كثيرة تستخدم بروتيناً أو اثنين فقط لدخول الخلايا، يستخدم EBV بروتيناتٍ متعدّدة... ويختبئ داخل الخلايا طوال حياتنا». لكنّ الاهتمام المتزايد بارتباط الفيروس بأمراضٍ مثل التصلّب المتعدّد والذئبة قد يفتح باباً جديداً، إذ تقول Shannon-Lowe: «مع الزخم المتزايد الناتج عن ارتباط EBV بالتصلّب المتعدّد والذئبة، قد يكون لدينا أخيراً لقاحٌ محتمل في الأفق، لا يقتصر على الوقاية من العدوى، بل قد يساعد أيضاً في علاج السرطانات المرتبطة بـEBV».
جرثومة المعدة: وقايةٌ عبر الفحص، لا عبر اللقاح
بالنسبة لجرثومة H. pylori، المسؤولة عن 760 ألف حالة سرطان معدي سنوياً، يتّجه الباحثون إلى مسارٍ مختلف: فحص السكّان على نطاقٍ واسع وعلاج المصابين للوقاية من سرطان المعدة، بدل انتظار لقاح لم يُطوَّر بعد وما زال يحتاج استثماراتٍ إضافية لتحقيق تقدّمٍ فيه.
الوقاية استثمارٌ، لا رفاهية
من الهند، يضع الدكتور Prashant Mathur، مدير المركز الوطني الهندي للمعلوماتية والبحوث المتعلّقة بالأمراض (National Centre for Disease Informatics and Research)، والذي لم يشارك في الدراسة، هذه الأرقام في سياقٍ أوسع. يقول إنّ العدوى حين تُجمع مع عوامل خطرٍ أخرى كالتدخين وتناول الكحول والنظام الغذائي غير المناسب وقلّة النشاط البدني والتلوّث البيئي، فإنّ «ما يُقدَّر بنحو 50 إلى 60 بالمئة من جميع حالات السرطان في الهند قابلةٌ للتجنّب». ويضيف أنّ الأبحاث السابقة تشير إلى أنّ تقديراتٍ مماثلة للسرطانات القابلة للوقاية تنطبق عالمياً، لا على الهند وحدها.
ويختصر Mathur المعادلة الاقتصادية للوقاية بوضوح: «أظهرت الدراسات بجلاء أنّ العائد على الاستثمار في الوقاية من السرطانات أعلى بكثير من العائد على علاجها على المدى الطويل»، مؤكّداً أنّ «الجوانب الوقائية يجب تعزيزها لتحقيق مكاسب طويلة الأمد».
هذا بالضبط هو الدرس الذي تحمله الدراسة لصنّاع السياسات الصحية في المنطقة العربية وأفريقيا: الفجوة بين 31% و90% في تغطية لقاح HPV ليست رقماً تقنياً، بل مؤشّرٌ على المسافة التي تفصل بين سرطانات عنق الرحم التي بدأت تختفي في بعض الدول، وأخرى لا تزال تُشخَّص متأخّرة في دولٍ أخرى بسبب ضعف التغطية. وبينما تتوفّر سجلّات سرطان شبه معدومة في أجزاءٍ واسعة من أفريقيا، تبقى الصورة الكاملة لحجم العبء الحقيقي هناك غائبة، ما يجعل سدّ الفجوة البيانية خطوةً أولى لا تقلّ أهمية عن سدّ فجوة التطعيم نفسها.
أخبار ذات صلة

الحصبة تودي بحياة شخص خامس لم يتلقَّ اللقاح؛ مراكز السيطرة الأمريكية لا تحسب جميع الوفيات

دواء السمنة الأقوى حتى الآن: خسارة تصل إلى 25% من الوزن في التجارب

لماذا يُعتبر الليثيوم العلاج الأساسي لاضطراب ثنائي القطب؟
