ميلت ويندلر قائد إنقاذ أبولو 13 وأساطير الفضاء
رحيل ميلت ويندلر قائد غرفة التحكم الذي قاد إنقاذ أبولو 13 بعد أزمة خطيرة في الفضاء قصة شجاعة وتفاني في مواجهة الطوارئ التقنية التي أنقذت حياة رواد الفضاء وكتبت فصلاً مشرقاً في تاريخ استكشاف الفضاء وورلد برس عربي

توفي ميلت ويندلر، أحد قادة غرفة التحكّم في المهمات بوكالة ناسا الذي أسهم في إعادة رواد أبولو 13 أحياءً إلى الأرض عام 1970، يوم الخميس عن عمرٍ ناهز 94 عاماً، محاطاً بأفراد أسرته، وفق ما ورد في نعيٍ نُشر على الإنترنت. برحيله تُطوى صفحة من أكثر فصول تاريخ الفضاء الأمريكي توتّراً، حين تحوّلت مهمة روتينية إلى عملية إنقاذٍ جماعي تابعتها غرفة التحكّم على مدار الساعة.
كيف قاد ويندلر عملية إنقاذ أبولو 13؟
كان ويندلر أحد أربعة قادة في مركز التحكّم تناوبوا على إدارة جهود الإنقاذ أثناء أزمة أبولو 13 عام 1970، بصفته مدير الطيران الرئيسي للمهمة. فبعد انفجارٍ أصاب وحدة الخدمة في المركبة وأدّى إلى تسرّب مخزون الأكسجين المخصّص لطاقم الرحلة إلى الفضاء، وجد ويندلر نفسه أمام معضلةٍ تقنية تتطلّب قراراً سريعاً لا يحتمل التردّد. تعاون مع مدير «الطيران الذهبي» (Gold Flight) جيري غريفين (Gerry Griffin) على استطلاع آراء طاقم المراقبين حول ثلاثة خيارات لإشعال محرّك الوحدة القمرية بغرض إعادة توجيه المركبة نحو الأرض قرارٌ تقني دقيق تحوّل في النهاية إلى نجاحٍ تاريخي أعاد الطاقم سالماً.
وصف ويندلر نفسه لاحقاً طبيعة المهمة بعد الانطلاق بقوله: «كان ذلك يعني أنك تنفّذ الصعود الانطلاق من الأرض، أقصد الإطلاق ثم تنفّذ أنشطة السطح القمري. لكن بالطبع، بعد أن أقلعنا من الأرض، وحين اقتربنا أكثر من القمر، فإنّ المهمة بأكملها تغيّرت». وهذه الشهادة تلخّص جوهر عمل مراكز التحكّم في تلك الحقبة: أنظمة تخطيط جامدة تُجبَر على التكيّف لحظياً مع طوارئ لا يمكن التنبؤ بها.
وقد كرّم الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فريق عمليات مهمة أبولو 13 بمنحه وسام الحرية الرئاسي (Presidential Medal of Freedom) في 18 أبريل 1970، كما حصل ويندلر بشكل فردي على وسام ناسا للخدمة الاستثنائية.
مسيرة بدأت من الدفعة الثالثة إلى غرفة الحرب في أبولو 8
عيّنت ناسا ويندلر مدير طيرانٍ عام 1968، ليصبح سابع شخصٍ يحصل على هذا المنصب، وواحداً من أوّل اثنين يُختاران من خارج دائرة عمليات الطيران التقليدية. كان فريقه يحمل اسم «الطيران الكستنائي» (Maroon Flight)، في إشارة إلى العُرف الذي اعتمدته ناسا آنذاك لتسمية فرق مديري الطيران بألوان مميّزة.
كانت مهمته الأولى على طاولة التحكّم في أبولو 8، حيث قاد الدفعة الثالثة خلال مناورة الدفع نحو القمر المعروفة بـ«الحقن الانتقالي القمري» (Trans-Lunar Injection)، التي أرسلت الرواد فرانك بورمان (Frank Borman) وبيل أندرز (Bill Anders) وجيم لوفيل (Jim Lovell) في مسارهم نحو مدار القمر. كانت تلك المهمة تحمل بعداً سياسياً إضافياً، إذ سعت الولايات المتحدة من خلالها إلى أن تكون أول دولة تُدير بشراً حول القمر، متقدّمةً بذلك على الاتحاد السوفييتي في سباق الفضاء.
وفي لمسة إنسانية من ذلك السباق، أعدّ ويندلر وزوجته بيتي رايات صغيرة من قماش الفلانيل بلونَي الأحمر والأزرق، عليها رقم «1» أبيض، بمساعدة زوجات مراقبي الطيران، ليلوّح بها أعضاء فريق «الطيران الكستنائي» احتفالاً باكتمال مناورة الحقن الانتقالي بنجاح. غير أنّ هذه الرايات لم تُرفَع فعلياً خلال المهمة؛ إذ كتب ويندلر في رسالةٍ عام 2020 يشرح فيها القرار: «لكن تقرّر أنّ هذا العرض غير مناسب، خصوصاً أنّ المهمة لم تكن قد بلغت نصفها بعد. وبالتالي، لم تُرفَع الرايات أبداً أثناء المهمة، واستُخدمت الأعلام الأمريكية عند الهبوط الناجح على الأرض».
بعد أبولو 8، واصل ويندلر قيادة دفعات التحكّم في أبولو 10 البروفة النهائية قبل الهبوط القمري ثم في أبولو 12 وأبولو 14 وأبولو 15، أي الهبطات القمرية الثانية والثالثة والرابعة على التوالي، قبل أن تأتي محطّة أبولو 13 الأكثر دراماتيكية في مسيرته.
من سكايلاب إلى المحطة الدولية: مهندسٌ يساير تحوّلات الفضاء
لم تتوقف مسيرة ويندلر عند برنامج أبولو؛ فقد شغل منصب مدير الطيران في الرحلات الثلاث المأهولة لمحطة سكايلاب (Skylab). واستلزم العمل العلمي على متن المحطة ابتكار أنظمة تخطيط جديدة قادرة على التكيّف مع الأحداث الشمسية التي أثّرت على الجدول الزمني أكثر من مرة. يقول ويندلر في هذا الصدد: «كان علينا أن نبتكر نظاماً يسمح لنا بالتخطيط في الوقت الفعلي ويستوعب احتياجات فريق العلماء. فإذا حدث شيء مثير للاهتمام على الشمس، وهو ما وقع عدة مرات، كنّا بحاجة إلى جدولة عمل مرصد أبولو للتلسكوب الشمسي (Apollo Telescope Mount)».
وأضاف، واصفاً الآلية التي ابتكرها فريقه: «ابتكرنا طريقة للتخطيط الآني للرحلات، أو ما أسميناه الدورات، حيث يتحدّث فريق العلماء في يومٍ معيّن عمّا يريدون تنفيذه، ثم يجتمع معهم ‘قيصر العلوم’ ليقول: حسناً، إذن نحتاج هذه الأهداف المحدّدة ليوم الغد».
لاحقاً، انتقل ويندلر إلى العمل على برنامج مكوك الفضاء، وشارك في تطوير نظام الذراع الآلية المعروف باسم «الذراع الكندية» (Canadarm)، وهي مساهمة كندية في برنامج المكوك الأمريكي. وبعد تقاعده من ناسا، انضمّ إلى القطاع الخاص، حيث قدّم استشاراته حول عمليات محطة الفضاء الدولية، وشارك لاحقاً في إجراءات التحقّق من وحدات المحطة قبل إطلاقها.
جذور مهندس من هامبتون إلى هيوستن
وُلد ميلتون ويندلر في 10 يناير 1932 في مدينة هامبتون بولاية فيرجينيا، وتخرّج من معهد فيرجينيا للتقنية (Virginia Tech) عام 1954 حاملاً شهادة في هندسة الطيران. انضمّ خلال دراسته إلى برنامج تدريب ضباط الاحتياط التابع لسلاح الجو الأمريكي (ROTC)، وعمل بعدها في اللجنة الاستشارية الوطنية للملاحة الجوية (NACA)، الهيئة التي سبقت تأسيس ناسا، قبل أن يخدم أربع سنوات في القوات الجوية الأمريكية.
عاد بعدها إلى NACA في مركز لانغلي للأبحاث، حيث شهد عن قربٍ تحوّل المركز إلى منشأة تابعة لناسا، ثم انتقل إلى هيوستن تزامناً مع تأسيس مركز المركبات المأهولة (الذي يُعرف اليوم بمركز جونسون للفضاء).
حين يتحدّث المؤرّخ عن نفسه
في مقابلة تاريخية شفهية أجرتها جامعة شمال تكساس (University of North Texas) عام 2006، استعاد ويندلر وتيرة العمل في تلك الحقبة بصراحة لافتة: «كانت أبولو سريعة الوتيرة لدرجة أنني لا أظنّ أنّ الناس كانت لديهم فرصة للتفكير فيها كثيراً. لم يتّضح لي الأمر إلا لاحقاً، أننا كنّا نصنع التاريخ». وأضاف: «كنت تُنجز مهمة، ثم تستدير فوراً للاستعداد لمهمة أخرى»، مؤكداً: «لم يكن وقتاً للتأمّل».
وفي لحظة تأمّل ذاتي نادرة، قال: «لو أعدت الكرّة، ربما حاولت أن أهتمّ أكثر بالانتباه إلى ما كان يجري». ثم عاد ليصف الإيقاع العام لتلك السنوات بقوله: «كانت أبولو بل كل المهمات ... متلاحقة كالرصاص. لم تكن تستطيع أن تستمتع بها حقاً، بمعنى أنك لا تستطيع أن تتذوّقها، ولعلّه كان من الأفضل لو فعلنا ذلك».
تبقى شهادة ويندلر الأخيرة أقرب إلى وصيةٍ صامتة لكل من يعمل تحت ضغط الأزمات: أن إنجاز المهمة لا يغني عن وقفةٍ قصيرة لإدراك قيمتها وهي تحدث، لا بعد سنواتٍ من مرورها.
أخبار ذات صلة

برج الطاقة الضخم من Blue Origin لتعزيز الكهرباء الشمسية على القمر

كيمياء المحيطات القديمة تُرشد البحث عن الحياة في العوالم الأخرى

هل يمكن إنشاء جاذبية اصطناعية على متن سفينة فضائية؟
