كيف غيّرت تعرفة الكهرباء مستقبل النقل في كينيا وجنوب أفريقيا
كيف نجحت كينيا في مضاعفة مبيعات الكهرباء للتنقل الكهربائي عبر تعرفة منخفضة ذكية بينما تواجه جنوب أفريقيا تحديات رغم بنية تحتية قوية؟ تعرف على قصة تحول النقل الكهربائي وتأثيرها على الاقتصاد والركاب في وورلد برس عربي.

في مدينة ستيلينبوش، وبينما كان متحدّثٌ من شركة حافلاتٍ عمرها 160 عاماً يشرح كيف توفّر محطّته الحافلات الكهربائية مالاً حقيقياً لركّابها، كانت كيني على بعد آلاف الكيلومترات تكشف عن مضاعفة مبيعات الكهرباء المخصّصة للتنقّل الكهربائي خلال عامٍ واحد فقط. المفارقة ليست في الأرقام وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه: لماذا تنجح سياسة تعرفة كهربائية صغيرة في نيروبي في تحريك سوقٍ كاملة، بينما تقف جنوب أفريقيا بما تملكه من بنيةٍ صناعية وشركات نقلٍ عريقة بلا برنامجٍ مماثل؟
الإجابة تبدأ من حساب بسيط يعرفه كلّ صاحب أسطول حافلاتٍ أو شاحنات: كلفة الكيلوواط/ساعة. وهي كلفةٌ تحدّد، في نهاية المطاف، هل يُبقي صاحب العمل على عمّاله أم يُضطرّ لتقليص الرحلات والوظائف.
كيف ضاعفت كينيا مبيعات الكهرباء للتنقّل الكهربائي؟
لم تُطلق كينيا حزمة حوافز ضخمة لتسريع تبنّي السيارات والشاحنات الكهربائية، لكنّها فعلت شيئاً أبسط وأكثر مباشرة: صمّمت تعرفة كهربائية خاصة بالتنقّل الكهربائي. في أوقات الذروة، يدفع المستخدم 16 شلناً كينياً لكلّ كيلوواط/ساعة (0.12 دولار)، وفي أوقات خارج الذروة ينخفض السعر إلى 8 شلنات فقط (0.06 دولار). قارِن ذلك بالتعرفة التجارية القياسية التي تقترب من 20 شلناً (0.15 دولار)، أو التعرفة السكنية التي تصل إلى 30 شلناً (0.23 دولار)، لتفهم لماذا يجد أصحاب الأساطيل في هذه التعرفة فرصةً لخفض كلفة التشغيل بشكلٍ ملموس خصوصاً لمن يقطعون مسافات طويلة.
النتيجة ظهرت في ميزانية شركة Kenya Power نفسها: ارتفعت إيرادات الكهرباء بمقدار 18.96 مليار شلن لتبلغ 238.24 مليار شلن، فيما قفزت مبيعات الكهرباء الإجمالية بنسبة 12%، من 11,403 جيغاواط/ساعة إلى 12,777 جيغاواط/ساعة. الشركة تنسب جزءاً من هذا النمو إلى مبادرات حماية الإيرادات، لكنّ الجزء الأكثر دلالةً لسوق التنقّل الكهربائي هو أنّ مبيعات الكهرباء المخصّصة لهذا القطاع تحديداً قفزت من 65.6 مليون شلن عام 2025 إلى 185.3 مليون شلن في السنة المالية 2026 أي ما يقارب الضعف تقريباً. هذا الرقم يغطّي فقط العملاء المسجّلين على منصّة القياس الخاصة بالتنقّل الكهربائي، بينما تستخدم منازل ومؤسسات أخرى غير مسجّلة الكهرباء لشحن سيارات ودرّاجات وشاحنات صغيرة كهربائية من دون أن تظهر أرقامها في الحصيلة الرسمية ما يعني أنّ الحجم الفعلي للسوق قد يكون أكبر ممّا تعكسه البيانات المعلنة.
الحكومة الكينية لم تتوقّف عند هذا الحدّ: ألغت أخيراً سقف الاستهلاك الشهري الذي كان محدّداً سابقاً بـ15,000 كيلوواط/ساعة ضمن تعرفة التنقّل الكهربائي. وهذه الخطوة، وإن بدت تقنية، تحمل أثراً مباشراً على أصحاب الأساطيل التجارية الكبيرة الذين كانوا يصطدمون بهذا السقف عند توسيع عملياتهم أي أنّها خطوةٌ تخدم تحديداً الشركات التي تشغّل عشرات المركبات، لا المستخدم الفردي فقط.
حافلات غولدن أرو: وفورات حقيقية بلا دعم رسمي
في المقابل، لا تملك جنوب أفريقيا برنامجاً مماثلاً من حيث الحجم أو الطموح. بل إنّ السيارات الكهربائية المستوردة إليها تخضع لرسوم جمركية وضرائب أعلى من نظيراتها العاملة بمحرّكات الاحتراق الداخلي وهو ما يضع جنوب أفريقيا في موقعٍ أقلّ تفضيلاً مقارنةً بدولٍ أفريقية أخرى مثل مالاوي وزامبيا ورواندا وموريشيوس وإثيوبيا، التي أعفت جميعها السيارات الكهربائية وبنية الشحن من الرسوم الجمركية والضرائب.
هذا الغياب في السياسة لم يمنع شركة Golden Arrow Bus Services (GABS) عامل النقل العريق الذي يعمل منذ 160 عاماً ويوظّف 2,500 شخص من المضيّ قدماً بمفردها. تشغّل الشركة اليوم 1,200 حافلة، منها 120 حافلة كهربائية والباقي يعمل بالديزل، وتتوقّع انضمام 40 حافلة كهربائية إضافية إلى أسطولها في المستقبل القريب.
جيديون نيتلينغ، المتحدّث باسم الشركة، أوضح خلال جلسة نقاشية في منتدى أسبوع التنقّل الكهربائي الأفريقي (Africa E-Mobility Week Forum) المنعقد في ستيلينبوش الأسبوع الماضي، أنّ الوفورات الناتجة عن تشغيل الحافلات الكهربائية الـ120 ساعدت في حماية ركّاب النقل العام من الارتفاعات الحادّة في أسعار الديزل. بعبارة أخرى، الفائدة لم تبقَ حبيسة دفاتر حسابات الشركة، بل انتقلت إلى جيب الراكب العادي الذي لم يتحمّل كامل وطأة ارتفاع الوقود.
الشركة تدير استهلاكها الكهربائي بذكاء: 40% فقط من كهربائها يُستهلك خلال أوقات التعرفة القياسية، بينما تشحن معظم حافلاتها خارج أوقات الذروة وتستخدم كمّيات ضئيلة جداً من الكهرباء خلال الذروة نفسها. كما تملك مصفوفة ألواح شمسية كبيرة في مرآبها، ما يمنحها هامش مناورة إضافياً أمام تقلّبات التعرفة.
لكن هذا الهامش بدأ يضيق. فقد وصف نيتلينغ ارتفاع تعرفة الذروة في كايب تاون بنسبة 7% بأنّه "متواضع"، في حين ارتفعت التعرفة القياسية بنسبة 9% والتعرفة خارج الذروة بنسبة 25% خلال السنة المالية الحالية وهو ارتفاعٌ لافت تحديداً لأنّه يطال الفترة التي تعتمد عليها الشركة أكثر من غيرها لشحن حافلاتها. دعوته كانت واضحة: تعرفة كهربائية داعمة بما يكفي "ألّا تُخرجهم من العمل" وهي عبارة تختصر هاجس كلّ صاحب أسطول نقلٍ عام يحاول التوسّع في الكهرباء دون أن يتحوّل ذلك إلى عبءٍ يهدّد استمرارية التشغيل والوظائف التي يوفّرها.
إسكوم يستعيد الاستقرار... فهل يحين وقت التعرفة الخاصة؟
المفارقة أنّ الظروف الفنية لشبكة الكهرباء الجنوب أفريقية باتت، على الأقل من حيث الموثوقية، أفضل حالاً ممّا كانت عليه منذ سنوات. أعلنت شركة Eskom أنّها حافظت على أقوى أداء تشغيلي لها خلال ست سنوات، إذ بلغ معامل توافر الطاقة لديها منذ بداية العام حتى تاريخه 68.11%، بينما تراجعت نفقات الديزل بنسبة 80.49% على أساسٍ سنوي. والأهم أنّ جنوب أفريقيا سجّلت 504 أيام متتالية من دون انقطاعات مبرمجة للكهرباء (Loadshedding) منذ 16 مايو 2025 إنجازٌ عزته Eskom إلى تحسّن أداء الأسطول، وتراجع الأعطال غير المخطّط لها، وزيادة القدرة التوليدية، وتقليص الاعتماد على التوليد الطارئ. الشركة وصفت هذا المسار بأنّه انعكاسٌ لتقدّمٍ حقيقي على صعيد الموثوقية وأمن الطاقة والنمو الاقتصادي، رغم أنّ مبيعاتها من الكهرباء تراجعت أكثر من 6% خلال السنة المالية ذاتها.
هذا التحسّن في الاستقرار التشغيلي يفتح، من الناحية النظرية، نافذة لم تكن متاحة سابقاً: يمكن لـ Eskom أن تنظر الآن في تعرفة خاصة بالتنقّل الكهربائي موزّعة على فترات الذروة والتعرفة القياسية وخارج الذروة، على غرار النموذج الكيني، ما قد يشجّع الشحن خارج أوقات الذروة ويساعد على إدارة الطلب على خدمات الشبكة بدل تركه عشوائياً. البلديات التي تحصل على معظم كهربائها من Eskom يمكنها بدورها تبنّي تعرفات مماثلة بدل انتظار مبادرة مركزية.
ما الذي يتوقّف على هذا القرار؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس تقنياً بقدر ما هو اقتصادي اجتماعي: هل ستنتظر جنوب أفريقيا حتى يضطر مشغّلو الأساطيل، مثل Golden Arrow، إلى تقليص خططهم التوسعية بسبب كلفة الكهرباء، أم ستستبق الأمر بتصميم تعرفة تُبقي الوظائف في قطاع النقل وتخفّض الاستيراد المكلف للوقود الأحفوري؟ فتوسّع تبنّي المركبات الكهربائية، كما تشير التجربة الكينية، لا يرفع الطلب على الكهرباء المحلية فحسب، بل يقلّص الاعتماد على الوقود المستورد ويخفّض الانبعاثات الكربونية في آن. لكن المكسب الحقيقي، في نهاية المطاف، لن يُقاس بعدد الحافلات الكهربائية على الطرقات، بل بعدد الوظائف التي تبقى محمية حين يصل فاتورة الكهرباء، لا فاتورة الديزل، إلى جيب الراكب والعامل في آنٍ معاً.
أخبار ذات صلة

مبيعات السيارات الكهربائية الأمريكية: الأرقام التي تستحقّ إعادة قراءة

السيارات الكهربائية في أوروبا تحقق حصة سوقية قياسية بـ 30%

أريزونا باور سرفيس تسعى لإحياء محطة فور كورنرز الفحمية قبل إغلاقها المقرر
