كيف تحافظ الجاذبية الاصطناعية على صحة رواد الفضاء
رحلة المريخ تواجه تحديات صحية كبيرة بسبب انعدام الوزن وتأثيره على العظام والعضلات والبصر. الجاذبية الاصطناعية ممكنة تقنياً لكن التمويل والمعرفة ما زالت عقبة. تعرف على الطرق الثلاث لتوليد الجاذبية في الفضاء مع وورلد برس عربي.

هل تستطيع رحلة طويلة إلى المريخ أن تحافظ على عظام رواد الفضاء وعضلاتهم وأبصارهم سليمة؟ السؤال ليس افتراضياً؛ فكل شهر إضافي يقضيه إنسان في حالة انعدام الوزن يترك أثراً تراكمياً على الجسم، من فقدان كثافة العظام إلى تراجع اللياقة القلبية، مروراً باضطرابات في الرؤية سببها تغيّر توزّع السوائل داخل العين. الحل الذي يتردّد اسمه منذ عقود الجاذبية الاصطناعية ممكن تقنياً بحسب الباحثين، لكنّ الفجوة بين "ممكن" و"مطبَّق" لا تزال واسعة، وأسبابها ليست هندسية في جوهرها بل تتعلّق بالتمويل والمعرفة الناقصة.
يقول تورين كلارك، الأستاذ المشارك في هندسة الفضاء الجوي بجامعة كولورادو بولدر: "لا يوجد سببٌ حقيقي يمنع حدوث ذلك"، مضيفاً أنّه "من الناحية التقنية، هذا أمرٌ يمكن أن يتحقّق في المستقبل القريب جداً". لكن زميلته آنا دياز أرتيليس، الأستاذة المشاركة في الهندسة نفسها بجامعة تكساس إيه آند إم، تضع الموضوع في سياق أكثر واقعية: "الجميع يتّفق على أنّ هذا أمرٌ جيّد ينبغي القيام به. المشكلة أننا لا نعرف كيف ننفّذه".
ثلاث طرق لصنع جاذبية داخل الفضاء
يميّز الباحثون بين ثلاثة مسارات رئيسية لتوليد ما يشبه الجاذبية الأرضية: حلقة دوّارة تضمّ مقرّ سكن رواد الفضاء بالكامل، جهاز طرد مركزي قصير النصف قطر، وتسارع خطي.
فكرة الحلقة الدوّارة ليست جديدة على الخيال العلمي؛ فقد ظهرت حلقةٌ عملاقة مشابهة في فيلم ستانلي كوبريك الشهير "2001: A Space Odyssey" عام 1968. ميزتها، بحسب دياز أرتيليس، أنّ "نصف قطرها طويل نسبياً، ما يعني أنّك لست مضطراً للدوران بسرعة كبيرة لتوليد الجاذبية". لكنّ الثمن الهندسي باهظ: "هذا مشروعٌ ضخم. لا يمكنك نقل كل الأجزاء في مركبة فضائية واحدة تحتاج إلى عدّة مركبات وإلى تجميع كل شيء هناك. وبالتالي، يمكنك أن ترى حجم هذا المسعى".
أما التسارع الخطي، فيعمل بمبدأ مشابه لما يشعر به ركّاب السيارة حين يُدفعون إلى الخلف في مقاعدهم أثناء التسارع المفاجئ؛ إذ تدفع القوة أقدام الرواد نحو أرضية المركبة. غير أنّ هذا الخيار يتطلّب محرّكاً قادراً على تسارع مستمر طوال الرحلة، ثم عكس اتجاهه لاحقاً لإبطاء المركبة عبر إطلاق الدافعات في الاتجاه المعاكس. وهنا تضع دياز أرتيليس الخيار جانباً مؤقتاً: "تحتاج إلى شيء يشبه محرّكاً قادراً على التسارع طوال الوقت"، و"من ناحية الدفع، أعتقد أننا لم نصل إلى هناك بعد".
يبقى الخيار الثالث الطرد المركزي قصير النصف قطر الأكثر قابليةً للتنفيذ من حيث التكلفة والهندسة معاً. يتراوح نصف قطر هذا الجهاز بين 1.8 و3 أمتار (6 إلى 10 أقدام)، ويجلس الراكب أو يقف فيه ورأسه الأقرب إلى مركز الدوران، بينما تكون أقوى قوة شدّ عند القدمين. ولأنّه ليس مقرّ سكنٍ دائم، يمكن استخدامه في جلسات يومية قصيرة فقط، لا كبديل كامل عن مقصورة المركبة. تصفه دياز أرتيليس بأنّه "أشبه بجهاز تمرين رياضي"، وتقارنه بما هو متاح فعلياً على محطة الفضاء الدولية: "على محطة الفضاء الدولية، لديك جهاز مشي وجهاز مقاومة للتمارين، فتذهب إلى هناك لمدة 30 دقيقة لأداء تمرينك، ثم تخرج".
مشروعٌ أُلغي قبل أن يبدأ
لم يكن هذا الخيار نظرياً بحتاً؛ فقد خُطِّط فعلياً لتركيب جهاز طرد مركزي بعرض 2.5 متر (8.2 قدم) على محطة الفضاء الدولية، أُطلق عليه اسم "وحدة استيعاب الطرد المركزي" (Centrifuge Accommodation Module). لكنّ المشروع أُلغي عام 2005 لأسباب تتعلّق بالميزانية، قبل أن يُركَّب أصلاً.
عائق لا يُرى: الدوار، ثم عادة الجسم عليه
من المشكلات العملية التي تواجه فكرة الطرد المركزي سريع الدوران ظاهرة تُعرف بـ"وهم كوريوليس المتقاطع" (Coriolis cross-coupled illusion)، حيث يشعر الشخص بدوّار أو ترنّح حين يميل رأسه خارج محور الدوران. ويقول كلارك إنّ هذا الوهم يسبّب دوار الحركة. لكنّ فريقه وجد أنّ بالإمكان بناء تحمّل تدريجي لهذا التأثير من خلال التدريب داخل جهاز طرد مركزي يدور ببطء، على مدى جلسات متعددة وأيام متعددة. يوضح كلارك: "إذا زدت معدّل الدوران تدريجياً وببطء شديد... وفعلت ذلك ليس في جلسة واحدة فقط بل عبر جلسات متعددة على مدى أيام متعددة، فحسب ما استطعنا ملاحظته، يمكن لأي شخص أن يتأقلم تدريجياً مع بيئة الدوران حتى 20 إلى 30 دورة في الدقيقة".
غير أنّ مسألة التأقلم على الدوار ليست سوى نصف الإشكال؛ النصف الآخر هو تحديد الجرعة الفعلية اللازمة لتحقيق فائدة صحية حقيقية. فحتى الآن، لا يعرف الباحثون سرعة الدوران ولا المدة الزمنية المطلوبة داخل جهاز الطرد المركزي لتحصيل فوائد صحية ملموسة. استخدمت بعض الدراسات طريقة "الاستلقاء المائل بالرأس للأسفل" (head-down tilt bed rest)، وهي وسيلة بحثية معيارية لمحاكاة التدهور الجسدي الذي يسبّبه انعدام الوزن، ووجدت أنّ 30 دقيقة يومياً داخل جهاز الطرد المركزي منعت بعض فقدان الوظيفة العضلية. لكنّ كلارك يرى أنّ هذا قد لا يكفي: "30 دقيقة يومياً... ربما ليست كافية"، ويضيف أنّ "ساعة أو حتى ساعتين يومياً، وربما عند مستويات جاذبية أعلى، قد تكونان مفيدتين".
العقبة الحقيقية: ليست التكنولوجيا
تلخّص دياز أرتيليس جوهر المشكلة بصراحة: "إنّه أمرٌ صعبٌ جداً"، وتضيف: "أعتقد أنّ الناس مهتمّون بهذا المفهوم، لكننا لا نملك إجابةً جيدة". فالأسئلة التي لا تزال بلا جواب كثيرة: "كم من الجاذبية تحتاج؟ ما الحجم الذي يجب أن يكون عليه الجهاز؟ وما المدة التي تحتاجها؟ ولأي وقتٍ يجب أن تستخدم هذا؟ هل نستخدم جاذبيةً مستمرة أم جهاز طرد مركزي قصير، شيئاً تدخل فيه وتخرج منه؟".
ما يزيد المشهد تعقيداً هو نمطٌ متكرر وصفته دياز أرتيليس بنفسها: موجات من الاهتمام تليها موجات من النسيان. تقول: "الجاذبية الاصطناعية هي أحد تلك الأمور فجأة تصبح شائعة جداً، ويحصل كل علماء ناسا والجميع... على الكثير من التمويل لفهم كيفية تطبيق هذا فعلياً، ثم يموت الأمر ببساطة"، لتضيف: "ثم يعود، ويموت، ويعود. مررتُ بعدّة دورات من هذا النوع خلال الفترة التي قضيتها في هذا المجال".
ومع ذلك، لا تبدو دياز أرتيليس متشائمة بشأن القدرة التقنية على تنفيذ الفكرة؛ فهي تقول: "نحن نعرف كيف نفعل هذا. كبشر، فعلنا أموراً أصعب من هذا بكثير". ما ينقص، في نظرها، ليس المعرفة الهندسية الأساسية بل أمران مقترنان: "نحتاج إلى المال، لكننا نحتاج أيضاً إلى فهمٍ أفضل للحاجة نفسها".
وهذا بالضبط ما يجعل ملف الجاذبية الاصطناعية مختلفاً عن أغلب قصص التكنولوجيا: لا عائق براءة اختراع، ولا عائق هندسي حاسم، بل سؤالٌ لم يُجَب عنه بعد عن الجرعة الصحية الصحيحة، وتمويلٌ يظهر ويختفي في دورات متكرّرة. إلى أن يُحسم هذان الأمران معاً، ستبقى محطات الفضاء المستقبلية ومهمّات المريخ تعتمد على برامج التمارين الرياضية التقليدية، فيما تظل فكرة الحلقة الدوّارة التي تخيّلها كوبريك قبل أكثر من نصف قرن حلماً هندسياً قابلاً للتحقيق نظرياً، لكنه ينتظر من يموّله ومن يحدّد جرعته بدقة.
أخبار ذات صلة

برج الطاقة الضخم من Blue Origin لتعزيز الكهرباء الشمسية على القمر

ميلت ويندلر: مدير الرحلة بـ NASA الذي أنقذ أبولو 13 يرحل عن 94 عاماً

كيمياء المحيطات القديمة تُرشد البحث عن الحياة في العوالم الأخرى
