وورلد برس عربي logo

الكهرباء الخيار الأذكى للسيارات والتدفئة اليوم

الكهرباء تقود تحول الطاقة حول العالم بتكلفة أقل وأمان أكبر مقارنة بالوقود التقليدي لكن التحديات السياسية والبنية التحتية تعيق سرعة الكهربة. تعرف كيف تغير الكهرباء قواعد اللعبة في قطاع الطاقة مع وورلد برس عربي.

عامل يرتدي خوذة وفستان أمان يفحص ألواح شمسية على سطح كبير، يعكس أهمية الطاقة الشمسية في التحول نحو الكهربة والطاقة النظيفة.
حقوق الصورة: فيثون خامسونغ
التصنيف:المناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

بمئة دولار، يستطيع سائق سيارة كهربائية اليوم أن يقطع 2,310 ميلاً، بينما لا يتجاوز نظيره الذي يملأ خزّان سيارته بالبنزين 862 ميلاً بالمبلغ ذاته أي أنّ الكهرباء توصله مسافة تقارب ثلاثة أضعاف ما يوصله الوقود التقليدي. هذا الفارق، الذي أورده تقرير الكهربة العالمية الصادر عن وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي، ليس مجرّد إحصاءٍ تقني، بل مؤشّرٌ على تحوّلٍ هيكلي أعمق في طريقة حساب تكلفة الطاقة حول العالم.

حين تتّفق المعايير الثلاثة لأول مرّة

لعقودٍ، كان صانعو السياسات في قطاع الطاقة يواجهون معضلةً كلاسيكية عُرفت بـ«ثلاثية الطاقة»: هل يختارون المصدر الأكثر أمناً، أم الأكثر اقتصاداً، أم الأنظف بيئياً؟ غالباً ما كانت هذه الأهداف الثلاثة متنافرة، تفرض مفاضلاتٍ صعبة. لكنّ فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، طرح في اليوم التالي لصدور التقرير، خلال كلمةٍ أمام الأمم المتحدة، فكرةً مختلفة: «لسنواتٍ عديدة في عالم الطاقة، كانت أمامنا ثلاثة خيارات: هل أختار الخيار الأكثر أماناً؟ هل أختار الخيار الأكثر اقتصاداً؟ أم أختار الطاقة الأنظف؟ كان علينا أن نجري مفاضلات، لكن حين ننظر إلى العالم اليوم، ولأول مرّة منذ سنوات، تبدأ هذه الأهداف الثلاثة بالتقارب».

ربط بيرول هذا التقارب جزئياً بالحرب في إيران وما تبعها من ارتفاعٍ في أسعار الوقود ومخاوف أمنية متصاعدة، مشيراً إلى أنّ القفزات في أسعار البنزين والغاز الطبيعي تجاوزت الزيادات المسجَّلة في تكاليف الكهرباء. الكهرباء، بهذا المعنى، لم تعد فقط خياراً أنظف، بل باتت في كثيرٍ من الحالات الخيار الأرخص والأكثر أماناً في آنٍ واحد.

الرقم الآخر الذي يعزّز هذا الاتجاه يخصّ التدفئة المنزلية: بمبلغ 100 دولار، يمكن لغلّاية غاز تدفئة منزلٍ لمدة 30 يوماً، مقابل 42 يوماً لمضخة حرارية أي ميزة تبلغ 40% لصالح الكهربة. وهذه الأرقام، بحسب التقرير، تمثّل متوسطاتٍ عالمية لعام 2025، لا حالات استثنائية في سوقٍ بعينها.

الإشارة الأضعف: من 16.7% إلى 23.4%

على مستوى النظام الأشمل، تُظهر بيانات الوكالة أنّ حصة الكهرباء من إجمالي الطاقة النهائية المستهلكة عالمياً أي الطاقة التي يستخدمها المستهلك فعلياً ارتفعت من 16.7% في عام 2000 إلى 23.4% في عام 2025. الصين سجّلت أكبر تحوّلٍ في هذا المسار خلال الفترة نفسها، فيما كانت أمريكا الشمالية من بين الأضعف تغيّراً، وهو تباينٌ تفسّره الوكالة أساساً بمستويات اعتماد الطاقة المتجدّدة وانتشار السيارات الكهربائية في كل منطقة.

هذا التباين الإقليمي يحمل دلالةً تتجاوز الأرقام: فالكهربة ليست عمليةً متجانسة الوتيرة حول العالم، بل محكومة بعواملَ محلية بنية تحتية، سياسات دعم، وهيكل صناعي تجعل بعض الاقتصادات أسرع في التحوّل من غيرها.

لكن الثلاثية لا تُحلّ وحدها

رغم تفاؤل بيرول، يحذّر باحثون من أنّ المعادلة أكثر تعقيداً ممّا توحي به الأرقام المجرّدة. ديفيد فيكتور، أستاذ الابتكار والسياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، يصف نظام الطاقة الحالي بطريقةٍ أقرب إلى اختبار رورشاخ النفسي: «أرى نظام الطاقة اليوم أشبه باختبار رورشاخ» بمعنى أنّ كل طرفٍ يقرأ فيه ما يريد أن يراه. ويضيف أنّ «المفاضلات لا مفرّ منها»، مشيراً إلى عقباتٍ فعلية أمام كهربة الشاحنات الثقيلة والنقل البحري والطيران، وهي قطاعاتٌ يصعب تحويلها كهربائياً بالسهولة ذاتها التي تحوّلت بها السيارات الخفيفة. كما يرى فيكتور أنّ الحواجز التجارية قد تدفع نحو تفضيل الإنتاج المحلي على الواردات، مثل الألواح الشمسية الصينية، ما يُبطئ وتيرة الانتشار العالمي للتقنيات النظيفة.

أما إميلي غروبرت، الباحثة في أنظمة الطاقة بجامعة نوتردام، فتوجّه النقد إلى من تقول إنّهم يمسكون بزمام القرار فعلياً: «أعتقد أنّ بيرول مُحقٌّ في الأساس، لكنّ سبب عدم حدوث التحوّل بسرعةٍ وبشكلٍ طبيعي هو أنّ كلمة ‹نحن› التي يشير إليها ليست ‹نحن› التي تتّخذ القرارات فعلاً». بعبارةٍ أخرى، المسؤولون المنتخَبون والصناعات الراسخة قادرون سياسياً على إبطاء الكهربة، إذ يُغلّب بعض صنّاع القرار أرباح الصناعة فيفضّلون الفحم والغاز الطبيعي والنفط على مصادرَ أنظف والولايات المتحدة مثالٌ تُستشهد به غالباً كدولةٍ لا تزال فيها صناعات الوقود الأحفوري تملك نفوذاً سياسياً معتبراً.

تكلفة البناء التي لا تظهر في العناوين

ما قد لا يظهر في العناوين التي تحتفي بتقارب أهداف ثلاثية الطاقة هو حجم الاستثمار الأوّلي المطلوب لبناء البنية التحتية نفسها. كينيث ميدلوك الثالث، المدير الأول لمركز دراسات الطاقة في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس، يرى أنّ أنصار الكهربة يقلّلون من شأن التكاليف المرتفعة لبناء الأنظمة الجديدة: «في الحقيقة، الدرس المستفاد من اللحظة الراهنة هو تنويع خيارات الطاقة وسلاسل الإمداد الخاصة بكل نوعٍ من أنواعها، لكن بأقل تكلفةٍ ممكنة». فالرياح والطاقة الشمسية تتمتّعان بتكاليف تشغيلٍ منخفضة، لكنّ تكاليف إنشائها مرتفعة وهو ما ينطبق أيضاً على محطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري.

هذه المعادلة تتفاقم خارج الاقتصادات الغنية. تشوكس أوكيريكي، أستاذ حوكمة المناخ العالمية والسياسة العامة في جامعة بريستول، يرى أنّ تبرير الكهربة يصبح أصعب كلما ابتعدنا عن الدول الأكثر ثراء: «أحياناً، في سعينا نحو التفاؤل، نُبسّط الأمور ونتجاهل سياقاتٍ مهمّة». أوكيريكي شارك في إعداد ورقةٍ بحثية نُشرت في مجلة Energy Economics، تتناول الجدوى الاقتصادية قصيرة المدى التي تدفع نيجيريا نحو الاعتماد على الوقود الأحفوري ونماذج تنميةٍ شديدة التلويث، وتُرجِع ذلك جزئياً إلى ارتفاع التكاليف الأوّلية للبنية التحتية. وبحسب الورقة، فإنّ استفادة الاقتصاد النيجيري الكلي من التحوّل الطاقوي تحتاج إلى مساعدةٍ فعلية من الدول الغنية والمنظمات الدولية وليس مجرّد تشجيعٍ سياسي.

موعدٌ في أنطاليا

وسط هذا الجدل، يطرح بيرول هدفاً رقمياً محدّداً: كهربة 35% من الطاقة النهائية عالمياً بحلول عام 2035. هذا الهدف كان حاضراً في نقاشات السياسة المناخية التي عُقدت في بون بألمانيا خلال شهر يونيو، وهو مدرجٌ الآن على جدول أعمال مؤتمر الأطراف COP31 المقرر عقده في أنطاليا بتركيا في نوفمبر. ويعتقد بيرول أنّ التوصّل إلى اتفاقٍ في المؤتمر المناخي سيكون كافياً لإرسال ما وصفه بأنه «إشارة قوية جداً لا لبس فيها» بشأن مسار الطاقة المقبل.

لكنّ الإشارة القوية شيء، والتنفيذ على الأرض شيءٌ آخر فالفجوة بين الصين وأمريكا الشمالية في وتيرة الكهربة، وتحفّظات فيكتور بشأن الشحن الثقيل والطيران والنقل البحري، وتحذير أوكيريكي من تبسيط السياق النيجيري، كلّها عناصر تُبقي المسار نحو 35% رهين متغيراتٍ سياسية ومالية لم تُحسم بعد.

ثلاثة سيناريوهات تستحق المتابعة مع اقتراب أنطاليا:

الأرجح: أن يتحوّل هدف 35% إلى بندٍ تفاوضي رمزي يُعاد تأجيله جزئياً، مع تقدّمٍ ملموس في الاقتصادات الكبرى وحده دون تعميمٍ عالمي حقيقي.

المحتمل، أن تدفع تقلّبات أسعار الوقود الأحفوري على غرار ما أحدثته الحرب في إيران عدداً أكبر من الحكومات نحو تسريع الكهربة كخيارٍ أمني بحت، بصرف النظر عن القناعة المناخية.

الأقلّ احتمالاً، أن يتبلور في COP31 تمويلٌ دولي فعلي يُخفّف تكلفة البناء الأوّلية للدول كنيجيريا، فيتحوّل الهدف الرقمي من شعارٍ إلى مسارٍ قابل للقياس. الفارق بين هذه السيناريوهات الثلاثة لن يُحسم بخطابٍ في الأمم المتحدة، بل بمن يتحمّل فعلياً تكلفة البنية التحتية الجديدة.

أخبار ذات صلة

Loading...
فريق تصوير يعمل في منطقة صحراوية شاسعة تحت ضوء الشمس الساطعة، يعكس أهمية الطاقة الشمسية في أفريقيا ونمو مشاريع الطاقة المتجددة.

ثورة الطاقة الشمسية غير المرئية في أفريقيا

تتضاعف صادرات الألواح الشمسية الصينية لأفريقيا بسرعة غير معلنة رسمياً، مع نمو هائل في الطاقة الشمسية الموزعة التي تعيد تشكيل مستقبل الطاقة في القارة. اكتشف المزيد عن هذا التحول الطاقي المذهل الآن.
المناخ
Loading...
طائرة متوقفة عند بوابة مطار مزودة بنظام إمداد الكهرباء الأرضي لتقليل انبعاثات الكربون وتحسين جودة الهواء في المطارات الأوروبية.

شحن السفن والطائرات في الموانئ والمطارات الأوروبية: مسارات تسريع الكهربة

تتصاعد انبعاثات الطيران والشحن في أوروبا رغم جهود خفض الكربون، مما يسلط الضوء على تحديات كهربة الموانئ والمطارات. اكتشف كيف تسعى القوانين الأوروبية لحل هذه الأزمة وتحقيق مستقبل أنظف. اقرأ المزيد الآن!
المناخ
Loading...
خريطة توضح ارتفاع غير طبيعي في مستوى سطح البحر قبالة سواحل كاليفورنيا في أغسطس 2026 بسبب موجة كلفن المرتبطة بظاهرة النينيو.

موجة كلفن قوية ناجمة عن ظاهرة النينيو تهدد بارتفاع منسوب سطح البحر قبالة ساحل كاليفورنيا لعدة أشهر

ارتفاع مستوى سطح البحر قبالة سواحل كاليفورنيا قد يصل إلى 30 سنتيمتراً بسبب موجة كلفن الناتجة عن ظاهرة النينيو. استعد للفيضانات والعواصف مع تحذيرات الخبراء وتعبئة الطوارئ. اقرأ المزيد لتفهم المخاطر.
المناخ
Loading...
مصفوفة ألواح شمسية بقدرة 11 ميغاواط في مشروع Bowes بإلينوي، تُظهر استخداماً مكثفاً للأرض لتوليد الطاقة الشمسية في مناطق محدودة المساحة.

ضيق المساحات يدفع مطوّري الطاقة الشمسية للابتكار

في ظل تحديات المساحات المحدودة، نجح مشروع Bowes Solar في إلجين بتحويل الأرض إلى مصدر طاقة شمسية بكفاءة عالية وتقنيات مبتكرة. اكتشف كيف يغير هذا النموذج قواعد اللعبة ويدعم المجتمعات المحلية، تابع التفاصيل الآن!
المناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية