وورلد برس عربي logo

كيف يؤثر المجال المغناطيسي على عمر ذبابة الفاكهة والباركنسون

تجربة على ذبابة الفاكهة تكشف أن إزالة المجال المغناطيسي الأرضي تقصر عمر الذباب السليم بينما تطيل عمر ذبابات باركنسون بنسبة 20% فتحقيق جديد قد يغير فهمنا لمرض باركنسون والزهايمر ومستقبل رواد الفضاء وورلد برس عربي

الأرض محاطة بخطوط المجال المغناطيسي التي تؤثر على الخلايا والميتوكوندريا، وتلعب دوراً في أبحاث مرض باركنسون والشيخوخة.
تصوير مبسط للمجال المغناطيسي للأرض. (حقوق الصورة: استوديو التصوير العلمي التابع لوكالة ناسا)
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يعيش نوعان من ذبابة الفاكهة داخل المختبر ذاته، لكن نزع المجال المغناطيسي الأرضي من محيطهما أعطى كلاًّ منهما مصيراً معاكساً تماماً: الذبابة السليمة عاشت عمراً أقصر حين حُرمت من هذا المجال، بينما الذبابة الحاملة لطفرة جينية مرتبطة بمرض باركنسون عاشت أطول بنسبة تقارب 20%. هذه النتيجة المتناقضة، التي نشرتها مجلة Aging في 23 سبتمبر، ليست مجرد فضول بيولوجي؛ فهي تفتح ملفاً بحثياً قد يمسّ يوماً ما علاج أمراض التنكّس العصبي كباركنسون والزهايمر، كما يمسّ مباشرةً سلامة رواد الفضاء في رحلاتٍ مستقبلية إلى القمر والمريخ.

تجربة على ذبابة الفاكهة كشفت مفارقة غير متوقّعة

أجرى فريق من جامعة Nottingham البريطانية تجربةً خفّضت المجال المغناطيسي المحيط إلى مستوًى شبه معدوم، بطريقةٍ غير جراحية، ثم قارنت الباحثون بين مجموعتين من ذبابة الفاكهة: مجموعة سليمة، وأخرى تحمل عيباً في جين Pink1 المرتبط عند البشر بمرض باركنسون الوراثي المبكّر الظهور. تابع الفريق الذبابتين يومياً من مرحلة البلوغ وحتى اليوم السبعين، مسجّلاً معدّلات البقاء على قيد الحياة، إضافةً إلى الأداء الحركي عبر اختبارٍ بسيط يقيس الزمن الذي تستغرقه الذبابة في تسلّق أنبوبٍ زجاجي صغير.

النتائج جاءت مفاجئة حتى لفريق البحث نفسه. يقول جاكوب ريد، طالب الدكتوراه في علوم الأحياء بجامعة Nottingham: "شعرتُ بارتباك حقيقي في البداية"، مضيفاً: "كنتُ أفكّر: لماذا تعيش ذبابات باركنسون هذه أطول من بعض الذبابات السليمة؟ اضطُررتُ إلى مراجعة كل بياناتي مرتين". فذبابات Pink1 المحمية من المجال المغناطيسي عاشت أطول بنحو 20%، رغم أن أداءها الحركي تراجع في المقابل. أما الذبابات السليمة، فسجّلت النتيجة المعاكسة تماماً: عمر أقصر، لكن أداء حركي أفضل.

ما علاقة الميتوكوندريا بالقصة؟

يربط الباحثون هذا التباين بوظيفة الميتوكوندريا، العضية المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلية. فقد لاحظ الفريق أن الذبابات السليمة المحمية من المجال المغناطيسي أظهرت ارتفاعاً ملحوظاً في نشاط "المُركّب الثاني" (Complex II)، أحد مكوّنات آلية إنتاج الطاقة في الميتوكوندريا، إلى جانب ارتفاعٍ في مستويات جزيء الأكسجين الفائق (superoxide)، وهو ناتج ثانوي لعملية إنتاج الطاقة يمكن أن يُتلف الخلايا عند تراكمه بكمياتٍ كبيرة.

الفرضية التي يطرحها فريق البحث هي أن هذا الارتفاع في نشاط المُركّب الثاني قد يُعوّض جزئياً النقص الجيني الذي تعاني منه ذبابات Pink1، ما يفسّر إطالة عمرها رغم الطفرة. وصف الباحثون هذه الاستجابة بأنها "استجابة مفيدة ومُطيلة للعمر". أما لماذا كانت النتيجة معاكسة تماماً في الذبابات السليمة، فيبقى ذلك جزءاً من لغزٍ بيولوجي أوسع؛ فاستجابة الخلايا للمجال المغناطيسي، بحسب الباحثين، "قد تؤثر في عمليات خلوية أساسية"، لكن هذا التأثير يختلف "بحسب نوع الخلية".

هل يفتح هذا باباً لعلاج باركنسون والزهايمر؟

تقول ليزا شكرباتي، أستاذة في كلية الطب البيطري والعلوم بجامعة Nottingham: "نعيش حياتنا كلّها داخل المجال المغناطيسي للأرض، فهو يخترق أجسادنا وخلايانا وكل كائنٍ حي على هذا الكوكب، ومع ذلك لا نعرف سوى القليل بشكل مفاجئ عمّا إذا كانت هذه القوة غير المرئية تؤثر في عمل خلايانا وكيف يحدث ذلك". وتضيف أن "فهم كيفية استشعار الخلايا للمجالات المغناطيسية واستجابتها لها قد يكشف في نهاية المطاف عن طرقٍ جديدة للتحكّم في وظيفة الميتوكوندريا في سياق الشيخوخة والأمراض".

هنا تجدر الإشارة، بما يقتضيه الحذر العلمي، إلى أن هذه النتائج جاءت من دراسة تجريبية على ذبابة الفاكهة، وهي كائن نموذجي شائع في أبحاث الشيخوخة والجينات لكنه يبقى بعيداً جينياً وفسيولوجياً عن الإنسان. الحديث عن إمكانية استفادة مرضى باركنسون أو الزهايمر من ظروف انعدام المجال المغناطيسي يبقى في طور الفرضية العلمية، لا في طور التطبيق السريري أو الإجماع الطبي.

من الطيور المهاجرة إلى الفئران: علمٌ متناثر ومتضارب

المجال المغناطيسي للأرض ليس اكتشافاً حديثاً في علاقته بالحياة؛ فقد تكوّن هذا المجال في أعماق نواة الكوكب منذ 3.7 مليار سنة على الأقل، وهو يحمي الأرض من الرياح الشمسية ويساعد على الاحتفاظ بالماء الضروري للحياة. الطيور المهاجرة والسلاحف البحرية تستشعر هذا المجال للاهتداء في رحلاتها الطويلة، وهو مثالٌ معروف على الحساسية البيولوجية لهذه القوة غير المرئية.

لكن خارج هذه الأمثلة الواضحة، يبقى العلم مشوّشاً. دراسات سابقة على البشر ربطت تقليل التعرّض للمجال المغناطيسي بتراجعٍ طفيف في أداء حل المشكلات، وبتغيّراتٍ صغيرة في حجم حدقة العين. أما دراسات الفئران، فقد أعطت نتائج متضاربة حول تأثير المجال المغناطيسي على كثافة العظام: بعضها سجّل ضعفاً في العظام، وبعضها الآخر لم يجد أي تأثير يُذكر. الباحثون أنفسهم يصفون هذا الحقل البحثي بأنه "متناثر وإيحائي وفوضوي ومتناقض" وصفٌ يليق بمجالٍ ما زال في بداياته.

لماذا يهمّ هذا رواد الفضاء تحديداً؟

يتجاوز المجال المغناطيسي للأرض الغلاف الجوي ليمتد بعيداً في الفضاء، وهنا يكمن الجانب الأكثر إلحاحاً في هذا البحث. فرواد الفضاء في مهمات طويلة الأمد نحو القمر أو المريخ سيغادرون منطقة الحماية المغناطيسية للأرض، ما يعرّضهم لإشعاعٍ كوني ضار معروفٌ تأثيره جيداً. لكن ما تحاول هذه الدراسة عزله هو أثرٌ مختلف تماماً: التأثيرات الفسيولوجية لغياب المجال المغناطيسي نفسه، بمعزلٍ عن الإشعاع الكوني، وهي تأثيرات ما زالت مفهومة بشكلٍ ضعيف جداً.

تقول شكرباتي: "الرابط مع السفر بين الكواكب أساسي بشكل مطلق"، محذّرةً: "ما لم نعرف ما هي هذه المعايير التي يجب قياسها، فإننا سنُرسل رواد فضاء إلى هناك قد يعانون فعلاً، سواء على المدى القصير أو حتى على المدى الأطول". هذا التحذير يضع المسألة في سياقها الحقيقي: ليست القصة عن ذبابة فاكهة عاشت عمراً أطول أو أقصر، بل عن فجوة معرفية قد تتحوّل، مع كل مهمة فضائية طويلة مقبلة، إلى سؤال عن سلامة من نرسلهم بعيداً عن مجالٍ حمانا لمليارات السنين دون أن ندرك تماماً كيف.

أخبار ذات صلة

Loading...
سن ناب ناضج مستأصل بواسطة ملقط جراحي مع إبرة حقن، تمثل حالة نادرة لسن منتبذ خارج الفم فوق العين.

نمو سن في الجفن: حالة نادرة تحيّر الأطباء

في أول حالة عالمية، نمت سن ناب كاملة فوق عين مراهق هندي، ما أثار دهشة الأطباء وأدى لجراحة ناجحة. اكتشف التفاصيل الطبية النادرة وراء هذه الظاهرة الغامضة واستمر في القراءة لمعرفة المزيد.
صحة
Loading...
تظهر صور الرنين المغناطيسي تجمعات بيوض دودة Schistosoma japonicum في الفص الجبهي الأيسر للدماغ، ما يشير إلى داء البلهارسيا الدماغي.

عدوى دودة الدماغ: تأكيد التشخيص بعد نمو ذيول للبيض في الاختبار المخبري

نوبة صرعية مفاجئة كشفت عن عدوى دماغية نادرة بداء البلهارسيا الطفيلي في الفلبين، حيث بيض الدودة يصل الدماغ مسبباً مضاعفات خطيرة. اكتشف التفاصيل وطرق التشخيص والعلاج الفعّال الآن.
صحة
Loading...
رجل يمد لسانه حاملاً كبسولة دواء حمراء وبيضاء، تعبير عن الأجهزة الطبية القابلة للبلع والبطاريات القابلة للتحلل الحيوي داخل الجسم.

بطارية ورقية قابلة للبلع تُشغّل الأجهزة الطبية الداخلية

اكتشف كيف طوّر باحثو MIT بطارية قابلة للتحلّل الحيوي تشغل الأجهزة الطبية داخل الأمعاء دون الحاجة للجراحة. تعرف على مستقبل التكنولوجيا الطبية وكن أول من يقرأ التفاصيل المثيرة.
صحة
Loading...
مخطط يوضح قياس أنماط النوم الستة باستخدام جهاز معصم على مدى 7 أيام وعلاقتها بـ1049 حالة صحية في 16 فئة مرضية مختلفة.

مرحلة الأحلام الحية في النوم مرتبطة بانخفاض خطر 83 مرضاً

هل تعلم أن مرحلة حركة العين السريعة REM تؤثر على صحتك أكثر من مدة النوم؟ اكتشف كيف يرتبط نوم REM بانخفاض مخاطر أمراض القلب والزهايمر. تابع القراءة لتعرف أسرار نوم صحي وحياة أفضل.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية