كيف حافظت محيطات الأرض على الأكسجين عبر العصور
كيف حافظت محيطات الأرض القديمة على مستويات الأكسجين وسمحت للحياة بالتطور؟ دراسة تكشف عن دورة طبيعية لإعادة تدوير الفوسفور تضمن استدامة الأكسجين وتفتح آفاقاً لفهم الحياة على كواكب أخرى عبر وورلد برس عربي.

منذ متى نتنفّس الأكسجين دون أن نسأل كيف بقي في الهواء أصلاً؟ السؤال يبدو بديهياً، لكنّه ظلّ لعقودٍ من أكثر الألغاز إلحاحاً في علوم الأرض: كيف لغلافٍ جوّي خالٍ من الأكسجين تقريباً عند تشكّل الكوكب قبل نحو 4.5 مليار سنة، أن يتحوّل بعد ذلك بمليارات السنين إلى بيئةٍ احتفظت بهذا الغاز لملايين السنين، بما يكفي لتُتاح الفرصة لحياةٍ أكثر تعقيداً كي تنشأ وتتطوّر؟ دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications بتاريخ 27 أغسطس تقترح إجابةً: دورة إعادة تدوير طبيعية لعنصر الفوسفور في محيطات الأرض القديمة، حافظت على مستويات الأكسجين مرتفعة بعدما ارتفعت لأول مرة.
كيف انتقلت الأرض من غلافٍ بلا أكسجين إلى غلافٍ يحمله باستمرار؟
قبل نحو 2.4 مليار سنة، أي عندما كان عمر الأرض يقارب نصف عمرها الحالي، شهد الغلاف الجوي للكوكب تحوّلاً جذرياً عُرف لاحقاً باسم «الحدث الأكسجيني الكبير» ، حين أصبح الأكسجين سمةً دائمة في الغلاف الجوي بعدما كان غائباً تقريباً منذ تشكّل الكوكب. تشير الصخور القديمة إلى أنّ هذا الارتفاع لم يكن عابراً، بل استمرّ لملايين السنين، وهو ما وفّر على الأرجح الظروف الملائمة لحياةٍ متزايدة التعقيد.
غير أنّ إعادة بناء ما جرى بعد هذا الارتفاع ظلّت مهمةً صعبة على الباحثين؛ فالصخور القديمة تحتفظ بقياسٍ لإجمالي كمية الفوسفور الموجود فيها، لكنها لا تقدّم صورةً واضحة عن مدى توفّر هذا الفوسفور فعلياً للكائنات الحية البحرية في تلك الحقبة. وهذا بالضبط ما حاولت الدراسة الجديدة، التي قادها عالم الكيمياء الجيوحيوية لويس ألكوت من جامعة بريستول، معالجته بطريقةٍ تحليلية جديدة.
ما الذي تغيّر في طريقة قراءة الصخور القديمة؟
طوّر الفريق البحثي، الذي ضمّ أيضاً أستاذ الجيولوجيا أندريه بيكر من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، تقنيةً تفصل الفوسفور وفق أنواع المعادن التي يرتبط بها داخل الصخرة. عملياً، قام الباحثون بإذابة كل نوعٍ من هذه المعادن على حدة في عيّنات صخرية قديمة مأخوذة من جنوب أفريقيا، ما سمح لهم بالتمييز بين الفوسفور المتاح لاستخدام الكائنات الحية والفوسفور المحبوس في أشكالٍ غير قابلة للاستخدام.
يقول بيكر، أحد مُعدّي الدراسة: «لا يمكن للكائنات الحية أن تنمو أو تعمل بشكلٍ سليم من دون الفوسفور»، مضيفاً أنّ هذا العنصر يُعدّ لبنةً أساسية لكل أشكال الحياة المعروفة. ويوضح أنّ التقنية الجديدة غيّرت زاوية النظر إلى هذه الصخور: «يمكننا الآن فصل الفوسفور الذي كان متاحاً للكائنات الحية عن الفوسفور المحبوس عملياً بعيداً عن متناولها، ما يمنحنا صورةً أوضح بكثير عن مستويات المغذّيات في المحيطات القديمة مما كان متاحاً لنا سابقاً».
دورة فوسفور ذاتية الاستمرار، وأثرها على الأكسجين
الخلاصة التي توصّلت إليها الدراسة هي وجود دورة لإعادة تدوير الفوسفور في محيطات الأرض القديمة، قادرة على استدامة نفسها ذاتياً، ساهمت في الحفاظ على ارتفاع مستويات الأكسجين بعد أن بدأت بالصعود أصلاً. ويصف بيكر هذه الآلية بقوله: «أحد الآثار الجانبية لهذه العملية هو أنّ مزيداً من الأكسجين استمرّ في التحرّر إلى الغلاف الجوي». بعبارةٍ أخرى، لم يكن ارتفاع الأكسجين بعد الحدث الأكسجيني الكبير حدثاً لحظياً انتهى سريعاً، بل كان نتاج نظامٍ بيئي بحري متكامل ربط بين توفّر المغذّيات ونشاط الكائنات الحية وتراكم الأكسجين، في حلقةٍ متجدّدة استمرت لفترةٍ كافية لتثبيت ظروف الكوكب.
لماذا يهتمّ الباحثون عن الحياة خارج الأرض بهذه النتائج؟
يرى بيكر أنّ القيمة الأعمق لهذا البحث تتجاوز فهم ماضي الأرض وحده. يقول: «يُظهر تاريخ الأرض أنّ الأكسجين والمغذّيات والحياة تطوّرت معاً»، مضيفاً أنّ «فهم هذه الروابط يمنحنا منظوراً أكثر دقّة لمستقبل كوكبنا، ولما قد نبحث عنه في كواكب أخرى». فالأرض تبقى الموطن الوحيد المعروف للبشر، لكن فهم كيفية نشوء التوازن بين الأكسجين والمغذّيات والحياة فيها يوفّر، بحسب الباحثين، إطاراً مرجعياً يمكن الاستناد إليه عند البحث عن ظروفٍ مشابهة في عوالم أخرى تحتوي على محيطات مائية.
تبقى هذه النتائج، في جوهرها، تذكيراً بأنّ صلاحية أي كوكب لاستضافة حياةٍ معقّدة لا تُختزل في وجود الماء أو الأكسجين بمفردهما، بل في قدرة أنظمته الكيميائية على إعادة تدوير عناصر أساسية كالفوسفور بما يُبقي التوازن مستداماً عبر ملايين السنين. وهو ما يفتح، كما يشير بيان الجامعة حول كيمياء المحيطات القديمة، سؤالاً بحثياً قادماً: أي الكواكب المحيطية المكتشفة حديثاً قد تملك دوراتٍ كيميائية مشابهة قادرة على استدامة أكسجين كافٍ لحياةٍ معقّدة؟
أخبار ذات صلة

محاكاة ميجاترون تكشف بصمات نجوم الكون الأولى

سلحفاة برأسين نادرة تُكتشف في كيب كود

ثقوب سوداء عملاقة تقتل مجرّاتها بـ"أسلحة البلازما"
