وورلد برس عربي logo

كيف حافظت محيطات الأرض على الأكسجين عبر العصور

كيف حافظت محيطات الأرض القديمة على مستويات الأكسجين وسمحت للحياة بالتطور؟ دراسة تكشف عن دورة طبيعية لإعادة تدوير الفوسفور تضمن استدامة الأكسجين وتفتح آفاقاً لفهم الحياة على كواكب أخرى عبر وورلد برس عربي.

منظر تخيلي للأرض القديمة مع براكين نشطة ومحيطات تعكس دورات الفوسفور التي ساعدت في استدامة الأكسجين وحياة معقدة.
رسم توضيحي لفنان يُجسّد الحياة المبكرة على الأرض. (حقوق الصورة: بيتر ساوير / مؤسسة سميثسونيان)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ متى نتنفّس الأكسجين دون أن نسأل كيف بقي في الهواء أصلاً؟ السؤال يبدو بديهياً، لكنّه ظلّ لعقودٍ من أكثر الألغاز إلحاحاً في علوم الأرض: كيف لغلافٍ جوّي خالٍ من الأكسجين تقريباً عند تشكّل الكوكب قبل نحو 4.5 مليار سنة، أن يتحوّل بعد ذلك بمليارات السنين إلى بيئةٍ احتفظت بهذا الغاز لملايين السنين، بما يكفي لتُتاح الفرصة لحياةٍ أكثر تعقيداً كي تنشأ وتتطوّر؟ دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications بتاريخ 27 أغسطس تقترح إجابةً: دورة إعادة تدوير طبيعية لعنصر الفوسفور في محيطات الأرض القديمة، حافظت على مستويات الأكسجين مرتفعة بعدما ارتفعت لأول مرة.

كيف انتقلت الأرض من غلافٍ بلا أكسجين إلى غلافٍ يحمله باستمرار؟

قبل نحو 2.4 مليار سنة، أي عندما كان عمر الأرض يقارب نصف عمرها الحالي، شهد الغلاف الجوي للكوكب تحوّلاً جذرياً عُرف لاحقاً باسم «الحدث الأكسجيني الكبير» ، حين أصبح الأكسجين سمةً دائمة في الغلاف الجوي بعدما كان غائباً تقريباً منذ تشكّل الكوكب. تشير الصخور القديمة إلى أنّ هذا الارتفاع لم يكن عابراً، بل استمرّ لملايين السنين، وهو ما وفّر على الأرجح الظروف الملائمة لحياةٍ متزايدة التعقيد.

غير أنّ إعادة بناء ما جرى بعد هذا الارتفاع ظلّت مهمةً صعبة على الباحثين؛ فالصخور القديمة تحتفظ بقياسٍ لإجمالي كمية الفوسفور الموجود فيها، لكنها لا تقدّم صورةً واضحة عن مدى توفّر هذا الفوسفور فعلياً للكائنات الحية البحرية في تلك الحقبة. وهذا بالضبط ما حاولت الدراسة الجديدة، التي قادها عالم الكيمياء الجيوحيوية لويس ألكوت من جامعة بريستول، معالجته بطريقةٍ تحليلية جديدة.

ما الذي تغيّر في طريقة قراءة الصخور القديمة؟

طوّر الفريق البحثي، الذي ضمّ أيضاً أستاذ الجيولوجيا أندريه بيكر من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، تقنيةً تفصل الفوسفور وفق أنواع المعادن التي يرتبط بها داخل الصخرة. عملياً، قام الباحثون بإذابة كل نوعٍ من هذه المعادن على حدة في عيّنات صخرية قديمة مأخوذة من جنوب أفريقيا، ما سمح لهم بالتمييز بين الفوسفور المتاح لاستخدام الكائنات الحية والفوسفور المحبوس في أشكالٍ غير قابلة للاستخدام.

الأرض من الفضاء تظهر المحيطات والقارات مع غلاف جوي يدعم دورة الفوسفور التي ساهمت في استدامة الأكسجين للحياة المعقدة.
Loading image...
صورة مقربة لكوكب الأرض في الفضاء (حقوق الصورة: ناسا)

يقول بيكر، أحد مُعدّي الدراسة: «لا يمكن للكائنات الحية أن تنمو أو تعمل بشكلٍ سليم من دون الفوسفور»، مضيفاً أنّ هذا العنصر يُعدّ لبنةً أساسية لكل أشكال الحياة المعروفة. ويوضح أنّ التقنية الجديدة غيّرت زاوية النظر إلى هذه الصخور: «يمكننا الآن فصل الفوسفور الذي كان متاحاً للكائنات الحية عن الفوسفور المحبوس عملياً بعيداً عن متناولها، ما يمنحنا صورةً أوضح بكثير عن مستويات المغذّيات في المحيطات القديمة مما كان متاحاً لنا سابقاً».

دورة فوسفور ذاتية الاستمرار، وأثرها على الأكسجين

الخلاصة التي توصّلت إليها الدراسة هي وجود دورة لإعادة تدوير الفوسفور في محيطات الأرض القديمة، قادرة على استدامة نفسها ذاتياً، ساهمت في الحفاظ على ارتفاع مستويات الأكسجين بعد أن بدأت بالصعود أصلاً. ويصف بيكر هذه الآلية بقوله: «أحد الآثار الجانبية لهذه العملية هو أنّ مزيداً من الأكسجين استمرّ في التحرّر إلى الغلاف الجوي». بعبارةٍ أخرى، لم يكن ارتفاع الأكسجين بعد الحدث الأكسجيني الكبير حدثاً لحظياً انتهى سريعاً، بل كان نتاج نظامٍ بيئي بحري متكامل ربط بين توفّر المغذّيات ونشاط الكائنات الحية وتراكم الأكسجين، في حلقةٍ متجدّدة استمرت لفترةٍ كافية لتثبيت ظروف الكوكب.

لماذا يهتمّ الباحثون عن الحياة خارج الأرض بهذه النتائج؟

يرى بيكر أنّ القيمة الأعمق لهذا البحث تتجاوز فهم ماضي الأرض وحده. يقول: «يُظهر تاريخ الأرض أنّ الأكسجين والمغذّيات والحياة تطوّرت معاً»، مضيفاً أنّ «فهم هذه الروابط يمنحنا منظوراً أكثر دقّة لمستقبل كوكبنا، ولما قد نبحث عنه في كواكب أخرى». فالأرض تبقى الموطن الوحيد المعروف للبشر، لكن فهم كيفية نشوء التوازن بين الأكسجين والمغذّيات والحياة فيها يوفّر، بحسب الباحثين، إطاراً مرجعياً يمكن الاستناد إليه عند البحث عن ظروفٍ مشابهة في عوالم أخرى تحتوي على محيطات مائية.

تبقى هذه النتائج، في جوهرها، تذكيراً بأنّ صلاحية أي كوكب لاستضافة حياةٍ معقّدة لا تُختزل في وجود الماء أو الأكسجين بمفردهما، بل في قدرة أنظمته الكيميائية على إعادة تدوير عناصر أساسية كالفوسفور بما يُبقي التوازن مستداماً عبر ملايين السنين. وهو ما يفتح، كما يشير بيان الجامعة حول كيمياء المحيطات القديمة، سؤالاً بحثياً قادماً: أي الكواكب المحيطية المكتشفة حديثاً قد تملك دوراتٍ كيميائية مشابهة قادرة على استدامة أكسجين كافٍ لحياةٍ معقّدة؟

أخبار ذات صلة

Loading...
محاكاة تفصيلية لتطور المجرات الفتية في الكون المبكر تظهر توزيع الغاز الساخن والكثيف باستخدام مشروع MEGATRON المرتبط برصد تلسكوب جيمس ويب.

محاكاة ميجاترون تكشف بصمات نجوم الكون الأولى

اكتشف كيف يكشف مشروع MEGATRON أسرار النجوم الأولى وتشكّل العناصر الكيميائية عبر محاكاة دقيقة تربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب ونجوم مجرتنا، لتفهم أصول الكون. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
سلحفاة صغيرة من نوع diamondback terrapin برأسين على جسم واحد، تم العثور عليها في ماساتشوستس، تعكس ظاهرة نادرة وتهديدات بيئية.

سلحفاة برأسين نادرة تُكتشف في كيب كود

اكتشف ظاهرة نادرة بسلاحف diamondback terrapin ذات الرأسين في ماساتشوستس المهددة بالانقراض، مما يسلط الضوء على تأثير العوامل الوراثية والبيئية. تابع التفاصيل لتعرف أكثر عن هذه الظاهرة البيئية الفريدة.
علوم
Loading...
ثقب أسود هائل ينطلق منه نفاث طاقة قوي يؤثر على الغاز المحيط في المجرة، موضحًا دور الثقوب السوداء في تعطيل تشكّل النجوم.

ثقوب سوداء عملاقة تقتل مجرّاتها بـ"أسلحة البلازما"

الثقوب السوداء الهائلة تؤثر في مجرات بأكملها عبر نفاثات طاقة تمتد لمئات آلاف السنين الضوئية، تعطل تشكل النجوم وتكشف لغز موت المجرات. اكتشف كيف تغير هذه الدراسة فهمنا الكوني وابقَ متابعاً للمزيد.
علوم
Loading...
مركبة Crew-13 التابعة لـ SpaceX تقترب من محطة الفضاء الدولية في رحلة قياسية أمريكية تستغرق 7 ساعات و55 دقيقة فقط.

رحلة تاريخية: رواد SpaceX يصلون للمحطة الفضائية في أسرع إقلاع أمريكي

حققت رحلة Crew-13 من SpaceX أسرع وصول أمريكي لمحطة الفضاء الدولية في 7 ساعات و55 دقيقة، ما يعكس تطوراً مذهلاً في هندسة الرحلات الفضائية. اكتشف أسرار هذا الإنجاز وكيف يغير قواعد سباق الفضاء الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية