الليثيوم العلاج الذهبي لمرض ثنائي القطب
يعيش ملايين حول العالم مع اضطراب ثنائي القطب والليثيوم هو العلاج الأقدم والأكثر فعالية للمرض. تعرف على كيف يساعد هذا العنصر البسيط في ضبط المزاج والوقاية من الانتكاسات رغم غموض آليته. من وورلد برس عربي.

يعيش نحو 36 مليون شخصٍ حول العالم مع اضطراب ثنائي القطب، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، وهو رقمٌ يجعل من مسألة العلاج قضيةً صحية عامة لا تخصّ المريض وأسرته فحسب. واللافت أنّ الدواء الأكثر فعاليةً في ضبط هذا الاضطراب المزمن ليس منتجاً حديثاً خرج من مختبرات الجيل الجديد من الأدوية النفسية، بل عنصرٌ بسيط اسمه الليثيوم، استُخدم لأوّل مرة في علاج ثنائي القطب سنة 1949، ولا يزال حتى اليوم يحمل لقب «المعيار الذهبي» رغم مرور أكثر من سبعة عقود ورغم أنّ آليّة عمله الدقيقة لم تُفكّ شيفرتها بعد بالكامل.
اضطرابٌ مدى الحياة بين قطبين متناقضين
اضطراب ثنائي القطب حالة نفسية مزمنة تستمرّ مدى الحياة، وتنطوي على تغيّراتٍ دائمة في المزاج ومستوى الطاقة، قد تتجلّى في نوبات هوس (مانيا)، أو هوس خفيف، أو اكتئاب. ويكفي وحده ظهور نوبة الهوس لتأكيد التشخيص، كما يوضح الدكتور David Cousins، المحاضر السريري وطبيب النفس الاستشاري الفخري في جامعة Newcastle: «تجربة الهوس بحدّ ذاتها كافية لتشخيص اضطراب ثنائي القطب».
ويصف Cousins حالة الهوس بأنها الوجه المقابل تماماً للاكتئاب: «من الأسهل تصوّرها كنقيضٍ للاكتئاب — يصبح الشخص مرتفع المزاج، فائق النشاط، مندفعاً، متحفّزاً، وينخرط في سلوكياتٍ متعة مع الكثير من المجازفة». لكنّ هذه الحالة، رغم مظهرها المفعم بالطاقة، بعيدة عن أن تكون إيجابية، إذ يصفها بأنها «حالة شديدة الضرر، شديدة التخريب، شديدة الاضطراب».
هذا التعقيد في طبيعة المرض ذاته ينعكس على صعوبة علاجه. فإعطاء مضادات الاكتئاب وحدها، دون دواءٍ مضادّ للهوس، قد يأتي بنتائج عكسية خطيرة، كما يشرح Cousins: «لو أعطيتَ شخصاً مضادات اكتئاب دون دواءٍ مضادّ للهوس، فقد تُحفّز نوبة هوس أو تُزعزع استقرار المرض». ولهذا غالباً ما يلجأ الأطباء إلى الجمع بين مضادات الاكتئاب، ومضادات الذُّهان، ومثبّتات المزاج من فئة مضادات الصرع.
لماذا يصعب إيجاد بديلٍ عن الليثيوم؟
المشكلة الأعمق أنّ قلّة من الأدوية تُظهر فعاليةً في مواجهة قطبَي المرض معاً. تقول Becci Strawbridge، المحاضرة الأولى في الطب النفسي بجامعة King's College London: «توجد أدويةٌ قليلة جداً ذات تأثيرٍ شامل على القطبين معاً». وهنا يبرز موقع الليثيوم الفريد: فهو يساعد في علاج كلٍّ من الاكتئاب والهوس، لكنّ فائدته الأساسية، بحسب Strawbridge، تكمن في مكانٍ آخر: «غالباً ما يُعتبر المعيار الذهبي لعلاج ثنائي القطب؛ فهو مفيد للاكتئاب والهوس، لكنّ فائدته الرئيسية تكمن في الوقاية من الانتكاس، أي منع عودة أيٍّ من نوعَي النوبات».
ويوصف الليثيوم للمرضى إمّا على شكل أقراص كربونات الليثيوم، أو محلول سائل من سترات الليثيوم، وكلا الشكلين يتفكّكان داخل الجسم إلى أيونات ليثيوم مصحوبة بمرافقاتٍ من الكربونات أو السترات.
أيونٌ بسيط يخترق حاجز الخلايا العصبية
يكمن جزءٌ من سرّ فعالية الليثيوم في بساطته الكيميائية ذاتها. فمعظم الأدوية تعمل على سطح الخلايا فقط، بينما يستطيع الليثيوم اختراق الخلايا العصبية في الدماغ عبر تقمّص دور الصوديوم. تشرح Strawbridge ذلك بقولها: «لأنّ الليثيوم أيونٌ بسيط جداً، فهو قادرٌ على تمويه نفسه كصوديوم، وهذا يعني أنه يستطيع التسلّل إلى داخل الخلايا العصبية، بينما تعمل معظم الأدوية على سطح الخلايا فقط». وبمجرّد دخوله، ينتشر الليثيوم في أنحاء الدماغ وسائر أجزاء الجسم، لا في نقطةٍ واحدة محدّدة.
وتُظهر الأبحاث أنّ اضطراب ثنائي القطب يُخلّ بأنظمة الأحادية الأمين (monoamine) والنواقل العصبية المرتبطة بالمكافأة والانفعالات والإدراك. تقول Victoria Wing، المحاضرة السريرية في المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية والرعاية بجامعة Newcastle وهيئة CNTW NHS Foundation Trust: «نعلم أنّ نظام الأحادية الأمين والنواقل العصبية في الدماغ المرتبطة بالمكافأة والانفعالات والإدراك تتعرّض للاضطراب»، حيث قد يصبح الدوبامين والسيروتونين ناقصَي النشاط أو مفرطَي النشاط خلال نوبات المرض.
أمّا على المستوى الجزيئي، فيُعتقد أنّ الليثيوم يعمل عبر حجب إنزيم «كيناز سينثاز الغليكوجين 3» (glycogen synthase kinase 3)، وهو إنزيمٌ ذو تأثيراتٍ واسعة على نشاط الجينات، والإيقاع اليومي (الساعة البيولوجية)، والالتهاب، وبقاء الخلايا على قيد الحياة. وتضيف Wing بُعداً آخر لفهم آلية العمل: «يمكن للليثيوم أيضاً أن يساعد في الالتهام الذاتي (autophagy)، وهو تخليص الخلايا من الحطام والسموم، كما أنّ له تأثيراتٍ مضادة للأكسدة ويُعزّز وظيفة الميتوكندريا، وهي أمورٌ مهمّة لعمليات إنتاج الطاقة في الخلية». ومع ذلك، تبقى الآلية الدقيقة التي يُحقّق بها الليثيوم فوائده العلاجية غير مفهومةٍ تماماً حتى الآن، وفق ما تشير إليه الأدبيات العلمية حول هذا الدواء (انظر الدراسة المنشورة).
استجابةٌ متفاوتة ونافذة علاجية ضيّقة
رغم كل هذه الفوائد المحتملة، لا يستجيب جميع المرضى بالطريقة ذاتها. فبحسب البيانات المتاحة، يختبر نحو ثلث المرضى فائدةً عميقة من الليثيوم، فيما يحصل ثلثٌ آخر قريبٌ من ذلك على تأثيرٍ متوسط، بينما لا يستجيب الثلث المتبقّي تقريباً للعلاج على الإطلاق. هذا التفاوت يجعل من تحديد المرضى المرشّحين للاستجابة الإيجابية في وقتٍ مبكّر أولويةً بحثية مهمّة.
كما أنّ الليثيوم يتميّز بنافذة علاجية ضيّقة، أي أنّ الفارق بين الجرعة الفعّالة والجرعة السامة صغير نسبياً، ما يستوجب متابعةً دقيقة ومستمرّة. فالجرعات السامة قد تُلحق ضرراً بالكليتين والغدة الدرقية، وقد يُبلّغ بعض المرضى عن أعراضٍ أخفّ مثل كثرة التبوّل أو رعشةٍ طفيفة في اليدين. وكما هو الحال مع بدائل الليثيوم الأخرى التي تحمل مخاطرها الخاصة، فإنّ التخلّص التام من الآثار الجانبية أمرٌ غير ممكن مع أيّ دواء، وتبقى المتابعة الطبية الدقيقة شرطاً أساسياً لضمان الاستفادة الآمنة من العلاج.
ورغم هذه التحديات، تشهد Victoria Wing على الأثر الإيجابي الذي لمسته عبر عملها الميداني: «التقيتُ كثيراً من المرضى عبر مجموعات إشراك المرضى، وأخبروني كيف كان الليثيوم فعّالاً ومُنقِذاً لحياتهم». كما أنّ تقييم فعالية الليثيوم في الوقاية من الانتكاس على المدى الطويل قد يستغرق سنواتٍ من المتابعة لتأكيده بدقّة عند كل مريض على حدة.
سؤالٌ لا يزال بحاجة إلى إجابة
بعد ستّة وسبعين عاماً من الاستخدام، لا يزال الليثيوم — العنصر الذي يعرفه كثيرون اليوم بارتباطه ببطاريات الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية — يحتفظ بموقعه كخيارٍ علاجي لا بديل واضح له في إدارة ثنائي القطب. لكن السؤال الذي يشغل الباحثين اليوم لم يعد «هل يعمل الليثيوم؟»، بل كما تصيغه Victoria Wing: «نعلم أنه يعمل، لكن هل يمكننا ضبط استخدامه بدقّةٍ أكبر كي يستفيد منه عددٌ أكبر من الناس؟». والإجابة عن هذا السؤال، القائمة على تحديد من سيستجيب مبكّراً وتخصيص المتابعة الدقيقة لكل حالة، قد تحدّد ملامح علاج ثنائي القطب للعقود المقبلة أكثر مما فعله اكتشاف الدواء نفسه.
أخبار ذات صلة

فهم المجال المغناطيسي للأرض قد يساعد في علاج الزهايمر والشلل الرعاش

نمو سن في الجفن: حالة نادرة تحيّر الأطباء

عدوى دودة الدماغ: تأكيد التشخيص بعد نمو ذيول للبيض في الاختبار المخبري
