الحمى الصفراء تعود بقوة بسبب تغير المناخ والتوسع البشري
الحمى الصفراء تعود وتنتشر بسبب التغير المناخي والتوسع البشري نحو الغابات، مهددة مناطق جديدة حول العالم. تعرف كيف تؤثر الحرارة والجفاف على انتشار المرض وكيف يمكن أن يصل إلى مدن غير متوقعة في تقرير شامل من وورلد برس عربي.

بين 31,000 و82,000 شخص يموتون كل عام بسبب مرضٍ يعتقد كثيرون أنه طُوي في صفحات التاريخ. الحمى الصفراء لم تختفِ بل تعود بهدوء، وتتوسّع جغرافياً في مناطق لم تشهدها منذ عقود، مدفوعةً بضغوط مناخية تُعيد رسم خرائط انتشار الأمراض المنقولة بالبعوض. هذا ليس سيناريو افتراضياً إنه نمطٌ تُسجّله البيانات منذ ثلاثة عقود.
حين تتحرّك الحدود البيولوجية
الحمى الصفراء مرضٌ فيروسي تنقله البعوضة، ويُسبّبه فيروس Yellow fever virus (YFV)؛ أعراضه تبدأ بالحمى وآلام العضلات والصداع والقيء، لكن 15% من الحالات تتحوّل إلى شكلٍ حاد تبلغ فيه نسبة الوفيات بين 20% و50%. ما يجعل المشهد الراهن مختلفاً عن الماضي هو أن الضغوط المناخية باتت تُوسّع النطاق الجغرافي الذي تعمل فيه البعوضة الناقلة، وتُقصّر دورة تكاثر الفيروس داخل جسمها.
ارتفاع درجات الحرارة لا يعني فقط صيفاً أكثر حرارة بل يعني معدّلات عضّ أعلى للبعوض، وفترة حضانة أقصر للفيروس داخل الحشرة، وبالتالي دورة انتقال أسرع. والأخطر من ذلك أن التطرّف المناخي في الاتجاهين يُغذّي هذه الديناميكية؛ كما تقول الدكتورة Joelle Ivy Rosser، الباحثة في الأمراض المعدية بجامعة Stanford: «التطرّف في أيٍّ من اتجاهَي الطقس يمكن أن يُفاقم انتقال الأمراض المنقولة بالبعوض.»
الدليل الأوضح جاء من البرازيل. بين عامَي 2017 و2018، شهدت البلاد أول فاشية حضرية للحمى الصفراء منذ ما يقرب من مئة عام. ما لم يكن مصادفة هو أن موجات الجفاف دفعت بعوض الغابات والرئيسيات غير البشرية نحو المدن، حيث التقت بتجمّعات بشرية كثيفة. الجفاف لا الأمطار وحدها يُعيد رسم مسارات الانتشار.
والإشارة الأضعف التي قد لا تظهر في العناوين: عودة الحمى الصفراء إلى جبال الأنديز الكولومبية، حيث لم تُسجَّل منذ عام 1940. هذا ليس عودة إلى منطقة نسيت الإجراءات الوقائية بل هو توسّع جغرافي حقيقي في نطاق الفيروس.
حين تلتقي الغابة بالمدينة
ثمة عاملٌ بنيوي يُغذّي هذا الانتشار بمعزل عن المناخ، وإن كان المناخ يُضخّمه: التوسّع البشري نحو الغابات. Gabriel Parra-Henao، عالم الأحياء في منظمة الصحة العالمية (WHO)، يضع الأمر بوضوح: «البشر يوسّعون الحدود الزراعية ويتوغّلون في الغابات حيث توجد بعوضة الحمى الصفراء. هذا يُفضي إلى تعرّض مزيدٍ من الناس لعضّاتها.»
الدراسات تُشير إلى أن مناطق التماس بين المناطق الحضرية والغابات هي البيئة الأكثر خطورة لانتقال الفيروس، إذ تلتقي فيها ثلاثة عناصر في آنٍ واحد: البعوض الناقل، والرئيسيات المصابة، والإنسان غير المحصّن. اللقاح المُكتشَف عام 1937 قلّص نطاق المرض تاريخياً، لكنه لم يُغلق الباب بالكامل والفجوات في التغطية التطعيمية تظل ثغرةً يمكن للفيروس استغلالها.
الدكتور Seth Judson، الطبيب الباحث في الأمراض المعدية بجامعة UCLA، يُلفت إلى مفارقة في الوعي العام: «نتصوّر الحمى الصفراء مرضاً تاريخياً. أعتقد أن كثيرين لا يدركون أننا ما زلنا نشهد فاشياتٍ كبيرة منها. من المهم جداً أن ندرك المخاطر ونفكّر في كيفية الاستعداد لها.»
هل تصل إلى شيكاغو؟
السؤال الذي يشغل نماذج التوقّع الوبائي ليس إن كانت بعوضة Aedes aegypti الناقل الحضري الرئيسي للفيروس ستتوسّع شمالاً، بل متى وإلى أين. البعوضة موجودة أصلاً في ولايات أمريكية عدة: Florida وMississippi وArizona وNew Mexico. النماذج المناخية تُشير إلى أنها قد تصل إلى شيكاغو بحلول عام 2050 في ظل سيناريوهات الاحترار المتقدّمة.
الأرقام الأكبر تأتي على المستوى العالمي: ما يقرب من مليار شخص قد يتعرّضون لأول مرة لبعوض حامل لفيروس YFV في أسوأ سيناريوهات المناخ. ومن المفارقات اللافتة أن أوروبا التي لا تربطها تاريخياً علاقة وثيقة بهذا المرض يُتوقّع أن تشهد أكبر ارتفاع في التعرّض لبعوضة Aedes aegypti على مستوى العالم.
لكن ثمة فارقٌ جوهري ينبغي استيعابه: وجود البعوضة لا يعني بالضرورة انتشار الفيروس. الولايات المتحدة تمتلك بعوضة Aedes aegypti، لكن الفيروس غائبٌ حالياً عن مجتمعاتها المحلية، بفضل جهود إبادة البعوض والتطعيم التي جرت على مدار عقود. الدكتورة Rosser تُحدّد نقطة التحوّل الحرجة: «إذا أعاد فيروس الحمى الصفراء تأسيس نفسه في مجتمعات بعوضة Aedes aegypti المحلية لدينا، فسيكون ذلك مثيراً للقلق الشديد.»
ثلاثة سيناريوهات، ومسارٌ مفتوح
منظمة الصحة العالمية أطلقت عام 2017 استراتيجية للقضاء على أوبئة الحمى الصفراء بحلول عام 2026، غير أن حملة الإزالة انتهت بنهاية عام 2024 دون وضوح حول الخطوات التالية. هذا الفراغ المؤسسي يُضاف إلى المخاوف القائمة.
ثلاثة سيناريوهات تبدو معقولة في ضوء البيانات المتاحة:
الأرجح: استمرار الفاشيات في مناطق الغابات الاستوائية وأطراف المدن في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، مع توسّع تدريجي في نطاق البعوض الناقل دون اختراق حضري واسع في مناطق جديدة شريطة الحفاظ على مستويات التطعيم الحالية وتعزيز المراقبة الوبائية.
المحتمل: فاشية حضرية في منطقة ذات كثافة سكانية عالية وتغطية تطعيمية منخفضة، تُشبه ما جرى في البرازيل 2017-2018، لكن في سياقٍ جغرافي جديد ربما في مدينة استوائية أو شبه استوائية تشهد توسّعاً عمرانياً متسارعاً.
الأقلّ احتمالاً: إعادة توطين الفيروس في مجتمعات البعوض في الولايات المتحدة أو أوروبا في الأفق المنظور، نظراً للبنية التحتية الصحية القائمة وإن كان هذا السيناريو يكتسب احتمالية أعلى مع كل درجة حرارة إضافية.
Jamie Caldwell، عالمة بيئة الأمراض في Princeton، توضح المعادلة بدقة: «إنه مصدر قلق، لكنه لن يكون COVID التالي أبداً.» التوصيف دقيق لكنه لا يُلغي الحاجة إلى يقظة منهجية. الحمى الصفراء ليست وباءً وشيكاً بالمعنى الحرفي، لكنها إشارةٌ في نظامٍ أكبر: نظام يُعيد فيه المناخ توزيع المخاطر البيولوجية بصمتٍ وثبات، بينما تنتهي حملات الإزالة وتبقى خطط الخلافة غير واضحة المعالم.
أخبار ذات صلة

نيويورك تُلغي خطّة فرض رسومٍ على منتجي الوقود الأحفوري لتمويل أضرار المناخ

البحيرات الخضراء الغريبة تندمج في الصحراء الأسترالية بعد عامين من الأمطار الغزيرة

ظاهرة النينيو الحالية الأقوى في آخر ألف سنة
