مشروع فالابوروا يفتح آفاق جديدة للعناصر النادرة
في فالابوروا بجنوب أفريقيا، مشروع أمريكي لاستخراج العناصر الأرضية النادرة من نفايات التعدين. يستهدف المشروع تلبية الطلب المتزايد على المعادن الحيوية ويعتمد على الطاقة المتجددة. تعرف على تفاصيل هذا الاستثمار الاستراتيجي.





-في بلدة فالابوروا (Phalaborwa) بجنوب أفريقيا، تقع منشأةٌ كيميائية قديمة تحتضن كثبانَين رمليَّين ضخمَين، يتوسّطان مشروعاً استكشافياً تدعمه الولايات المتحدة لاستخراج العناصر الأرضية النادرة من نفايات التعدين الصناعي عناصر باتت من أكثر المعادن طلباً في الأسواق العالمية.
يحظى مشروع فالابوروا للعناصر الأرضية النادرة (Phalaborwa Rare Earths Project) بدعمٍ أمريكي مباشر، تجلّى في استثمارٍ بقيمة 50 مليون دولار أجرته مؤسسة التمويل الدولي للتنمية (DFC) التابعة للحكومة الأمريكية. ويندرج هذا المشروع ضمن مساعي واشنطن المتسارعة للحدّ من اعتمادها على الصين منافستها الاقتصادية في المعادن الحيوية اللازمة لصناعة الأجهزة الإلكترونية والروبوتات وأنظمة الدفاع والمركبات الكهربائية وسائر المنتجات التقنية المتقدّمة.
صنّفت دولٌ عديدة عشرات المعادن من بينها النحاس والكوبالت والليثيوم والنيكل بوصفها معادن حيوية لا غنى عنها في التقنيات الحديثة. والعناصر الأرضية النادرة السبعة عشر تُشكّل فئةً فرعية ضمن هذه المنظومة.
جعل الرئيس Donald Trump توسيع وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الحيوية، بما فيها العناصر الأرضية النادرة، ركيزةً محوريةً في سياسته لمواجهة النفوذ الصيني. وأعلنت إدارته هذا العام عزمها ضخّ ما يقارب 12 مليار دولار لإنشاء احتياطيٍّ استراتيجي خاص بها.
المشروع يمضي قُدُماً رغم التوتر الدبلوماسي
أُسِّست مؤسسة DFC في عهد الولاية الأولى لـ Trump، وأقرّت استثمارها في مشروع فالابوروا عام 2023 في عهد الرئيس السابق Joe Biden.
وقد مضت إدارة Trump الحالية في دعم المشروع على الرغم من التوتر الدبلوماسي الحادّ مع جنوب أفريقيا، الذي اندلع فور عودة Trump إلى البيت الأبيض، حين أصدر مرسوماً تنفيذياً في فبراير الماضي يقضي بتجميد كل أشكال المساعدات المالية للبلاد. غير أنّ الإدارة أثبتت أنّ الاعتبارات الاقتصادية الاستراتيجية تعلو على الخلافات الدبلوماسية، إذ تُروّج مؤسسة DFC لمشاركتها في المشروع باعتبارها جزءاً من مسعىً لاستثمار الثروات المعدنية الأفريقية "مع تعزيز المصالح الاستراتيجية الأمريكية".
تتولّى شركة Rainbow Rare Earths تطوير مشروع فالابوروا، فيما يجري استثمار مؤسسة DFC عبر الشريك TechMet، وهي شركة تُعلن تركيزها على تأمين إمدادات المعادن الحيوية للغرب. ولا تمتلك حكومة جنوب أفريقيا حصةً مباشرة في المشروع.
وفي تصريحٍ لوكالة أسوشيتد برس، قال George Bennett الرئيس التنفيذي لشركة Rainbow Rare Earths إنّهم يطمحون إلى تزويد الولايات المتحدة بالحصة الأكبر من الإنتاج، مشيراً إلى أنّ اهتمام واشنطن بالمشروع يرتبط في جوهره بأنظمة الدفاع.
تسعى الشركة إلى استخراج عناصر أرضية نادرة من بينها النيوديميوم (Neodymium) والبراسيوديميوم (Praseodymium) والديسبروسيوم (Dysprosium) والتيربيوم (Terbium) وغيرها، وهي عناصر تدخل في صناعة المغناطيسات عالية الأداء المستخدمة في توربينات الرياح والمركبات الكهربائية وأنظمة الدفاع وتطبيقات ناشئة كالروبوتات.
شاهد ايضاً: الناتو يعترض طائرات روسية عسكرية فوق بحر البلطيق
يستهدف المشروع بدء استخراج العناصر الأرضية النادرة من الكثبانَين الضخمَين عام 2028. وتتألّف هذه الكثبان من 35 مليون طن من الفوسفوجبس (Phosphogypsum)، وهو ناتجٌ ثانوي لنفايات التعدين ومعالجة صخر الفوسفات لإنتاج الأحماض والأسمدة.
ومن المتوقّع أن يمتدّ عمر المشروع 16 عاماً وفق ما أفادت به Rainbow Rare Earths. ولن يُضخّ الاستثمار البالغ 50 مليون دولار من مؤسسة DFC إلا حين تشرع الشركة في بناء مصنع المعالجة في فالابوروا، وهو ما يُتوقّع أن يبدأ مطلع عام 2027.
العناصر الأرضية النادرة شائعةٌ نسبياً في الطبيعة، لكنّها توجد عادةً بتركيزاتٍ منخفضة ويصعب فصلها، ممّا يجعل استخراجها مكلفاً.
شاهد ايضاً: بلغاريا تمنح الرئيس السابق ولايةً واضحة للتغيير
وقالت Neha Mukherjee، مديرة الأبحاث في مؤسسة Benchmark Mineral Intelligence، إنّ مشروع فالابوروا فريدٌ من نوعه بحكم اعتماده على عملية استخراج معدني فوق السطح ذات طابع تجريبي، غير أنّ إمكاناته لا تزال مجهولة.
وأضافت: "يبدو أنّه أصلٌ منخفض التكلفة من حيث التشغيل، كما أنّ متطلبات رأس المال ليست مرتفعة... وهذا مؤشّرٌ إيجابي." ونوّهت إلى أنّ أهمية المشروع تكمن في أنّ "المشاريع المتاحة لا تكفي لتلبية الطلب الكلّي خارج الصين."
واشنطن "تحاول اللحاق بالركب"
تؤكّد Rainbow Rare Earths أنّ عملية استخراج المعادن من الكثبان ستعتمد على الطاقة المتجدّدة بنسبة تصل إلى 90%، وستكون أقلّ تكلفةً بشكلٍ ملحوظ مقارنةً بعمليات التعدين التقليدية للعناصر الأرضية النادرة.
وأشار Bennett إلى أنّ فالابوروا ستكون منتجاً منخفض التكلفة يضاهي المنتجين الصينيين.
وأوضح Alberto Bruttomesso، مدير المشروع في Rainbow Rare Earths، متحدّثاً عن العمليات التي خضعت لها النفايات في السابق: "لقد سحقوها وطحنوها وضخّوا فيها الطاقة والحرارة، كلّ ذلك لإنتاج الفوسفوجبس الذي يُعدّ المادة الأساسية لاستخراج العناصر الأرضية النادرة. والتسخين هو أكثر مراحل العملية كلفةً وأعلاها ثمناً."
كما استثمرت إدارة Trump في مجال التعدين عن المعادن الحيوية داخل الأراضي الأمريكية، وسعت إلى إبرام صفقاتٍ لتأمين الوصول إلى هذه المعادن في الخارج، بما في ذلك في أوكرانيا. وتُشكّل العناصر الأرضية النادرة في غرينلاند أحد الأسباب الرئيسية وراء رغبة Trump في ضمّ الجزيرة القطبية الشمالية.
ويُعدّ مشروع فالابوروا واحداً من عدة مشاريع معدنية أفريقية تحظى باستثمار مؤسسة DFC.
وقالت Patience Mususa، المتخصّصة في شؤون التعدين بمعهد الدراسات الأفريقية الإسكندنافي (Nordic Africa Institute) في السويد، إنّ الولايات المتحدة "تحاول اللحاق بالركب في مجال الاستثمار التعديني" في القارة الأفريقية، حيث تهيمن الصين على المشهد.
وفي فبراير الماضي، وقّعت وكالة التجارة والتنمية الأمريكية (U.S. Trade and Development Agency) اتفاقيةً رسمية لتقديم 1.8 مليون دولار لدراسة الجدوى الخاصة بمشروع Monte Muambe للعناصر الأرضية النادرة في موزمبيق.
وفي السياق الأفريقي ذاته، تواصل إدارة Trump دعمها المالي لمشروع ممرّ لوبيتو (Lobito Corridor)، وهو مبادرةٌ أطلقتها إدارة Biden لإنشاء خطّ سكك حديدية بطول 800 ميل (1,290 كيلومتراً) يربط المناطق الغنية بالمعادن في الكونغو وزامبيا بالساحل الأطلسي لأفريقيا.
أخبار ذات صلة
