فوز راديف يفتح آفاق جديدة للسياسة البلغارية
فاز التحالف الوسطي اليساري بقيادة رومين راديف في الانتخابات البلغارية، منهياً فترة من التشرذم السياسي. راديف يعد بمسار أوروبي مع تحفّظات، ويواجه تحديات كبيرة في مكافحة الفساد. هل تنتهي سنوات البرلمانات المشتتة؟





_ أسفرت الانتخابات البرلمانية البلغارية عن فوزٍ واضح للتحالف الوسطي اليساري بقيادة الرئيس السابق رومين راديف، وفق ما أعلنته اللجنة الانتخابية المركزية في البلاد يوم الاثنين، في نتيجةٍ تُنهي نحو خمس سنوات من التشرذم السياسي.
بعد فرز جميع الأصوات، حصل تحالف «بلغاريا التقدّمية» على 44.6% من الأصوات، متقدّماً بفارق يقارب 30 نقطة مئوية على حزب GERB اليميني الوسطي بزعامة السياسي المخضرم بويكو بوريسوف، وعلى الكتلة الإصلاحية الموالية للغرب بقيادة حزب «نواصل التغيير». وجاء الحزبان الأخيران متقاربَين بشكلٍ لافت، بنسبتَي 13.4% و12.6% على التوالي. وقد أقرّ بوريسوف بالهزيمة وهنّأ راديف بالفوز.
وتشير النتائج الأوّلية إلى أنّ حزبَين آخرَين تمكّنا من الحصول على مقاعد في البرلمان المؤلَّف من 240 مقعداً.
وكانت رئيسة المفوّضية الأوروبية Ursula von der Leyen قد بادرت يوم الاثنين إلى تهنئة راديف على فوزه، كاتبةً على منصة X: «بلغاريا عضوٌ فخور في الاتحاد الأوروبي وتؤدّي دوراً مهمّاً في مواجهة تحدّياتنا المشتركة. أتطلّع إلى التعاون معاً من أجل ازدهار بلغاريا وأوروبا وأمنهما».
راديف يعد بـالمسار الأوروبي لكن بشروط
وصف راديف فوز تحالفه بأنّه انتصارٌ لا لبس فيه، قائلاً إنّه «انتصار الأمل على الريبة، وانتصار الحرية على الخوف»، مؤكّداً أنّ بلغاريا ستبذل «كلّ جهدٍ ممكن لمواصلة مسيرتها الأوروبية». غير أنّه أضاف بنبرةٍ تحفّظية: «لكن صدّقوني، بلغاريا القوية وأوروبا القوية تحتاجان إلى تفكيرٍ نقدي وبراغماتية. لقد وقعت أوروبا ضحيّةً لطموحها في أن تكون قائداً أخلاقياً في عالمٍ بلا قواعد».
وقد اكتسب راديف خلال فترة رئاسته سمعةً بالتعاطف مع روسيا؛ إذ عارض مراراً جهود الاتحاد الأوروبي لإرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي الشامل، وكثيراً ما حذّر من أنّ دعم كييف قد يجرّ بلغاريا إلى الحرب، مؤيّداً استئناف المفاوضات مع موسكو مخرجاً للأزمة.
وفي هذا السياق، رأت Maria Simeonova، رئيسة مكتب صوفيا التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، أنّه رغم التصريحات الموالية لروسيا التي أطلقها راديف إبّان رئاسته وهو ما دفع بعضهم إلى مقارنته بـ«أوربان جديد» فإنّ انتصاره الساحق في الداخل سيدفعه على الأرجح إلى السعي لاكتساب شرعيةٍ خارجية عبر بناء علاقاتٍ مع القادة الأوروبيين.
وقالت Simeonova: «من غير المرجّح أن يتبنّى راديف خطاباً على غرار أوربان، لا سيّما في تعاملاته مع نظرائه الأوروبيين. انتقاداته خاصةً فيما يتعلّق بالدعم المالي والعسكري لأوكرانيا أو العقوبات على روسيا ستكون موجَّهةً أساساً للجمهور الداخلي».
راديف يترك الرئاسة ساعياً إلى رئاسة الحكومة
كان راديف قد استقال من منصبه الرئاسي في يناير الماضي، قبل أشهرٍ قليلة من انتهاء ولايته الثانية، ليخوض السباق نحو رئاسة الحكومة في الدور الأكثر نفوذاً. وهذا الرجل البالغ من العمر 62 عاماً، الطيّار العسكري السابق، حاصلٌ على درجة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية من كلية الحرب الجوية الأمريكية عام 2003، قبل أن يُعيَّن قائداً للقوّات الجوية البلغارية. وينقسم مؤيّدوه بين من يأملون في أن يضع حدّاً للفساد الأوليغارشي في البلاد، ومن يصطفّون خلفه بسبب مواقفه المتشكّكة في الاتحاد الأوروبي وتعاطفه مع روسيا.
وكانت الحكومة البلغارية المحافِظة السابقة قد سقطت في ديسمبر إثر احتجاجاتٍ شعبية واسعة ضدّ الفساد، أخرجت مئات الآلاف إلى الشوارع، غالبيّتهم من الشباب. وقد ارتفع رصيد راديف الشعبي حين قدّم نفسه خصماً للمافيا الراسخة وارتباطاتها بالسياسيين النافذين، واعداً في مهرجاناته الانتخابية بـ«اقتلاع النموذج الفاسد الأوليغارشي من السلطة السياسية».
وتتعرّض بلغاريا، العضو في حلف NATO والاتحاد الأوروبي، لانتقاداتٍ متكرّرة بسبب إخفاقها في مكافحة الفساد وضعف سيادة القانون فيها.
وقالت Vessela Tcherneva، نائب مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في برلين، إنّ المهمّة الأولى لحكومة راديف لن تكون السياسة الخارجية، بل تحرير المؤسّسات البلغارية من قبضة بوريسوف وزعيم حركة الحقوق والحريات Delyan Peevski، الأوليغارشي الذي فرضت عليه كلٌّ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوباتٍ بسبب الفساد. وأضافت: «لتحقيق ذلك، سيحظى راديف بدعم التحالف الإصلاحي الموالي لأوروبا "نواصل التغيير" داخل البرلمان».
هل تنتهي أخيراً سنوات البرلمانات المشتّتة؟
شاهد ايضاً: إسبانيا تعتمد خطّةً لتخفيف أزمة السكن
منذ عام 2021، عانت بلغاريا ذات الـ6.5 مليون نسمة من برلماناتٍ متشرذمة أفرزت حكوماتٍ هشّة، لم تصمد أيٌّ منها أكثر من عام واحد قبل أن تُطيحها احتجاجاتٌ شعبية أو صفقاتٌ خلف الكواليس. وقد أبدى المواطنون في الشوارع مشاعر متباينة حيال نتائج الانتخابات الأخيرة، في ظلّ إرهاقٍ واضح من هذه الدوّامة الانتخابية التي لا تنتهي.
قالت نيكوليتا ديميتروفا، موظّفة في إحدى محلّات صوفيا وتبلغ من العمر 37 عاماً: «نتوقّع قبل كلّ شيءٍ منظومةً قضائية أكثر استقراراً، وأن تُستعاد الثقة في المؤسّسات فعلاً. لقد كانت هذه المؤسّسات حتى الآن رهينةً لأشخاصٍ بعينهم، كثيرٌ منهم كما تكشف النتائج الحالية باتوا خارج الحكومة».
في المقابل، كانت المحاسِبة تسفيتا غيروغييفا، 55 عاماً، أقلّ تفاؤلاً: «أتمنّى أن نعيش حقّاً حياةً أفضل، لكنّني لست متأكّدة من أنّ الاستقرار سيدوم طويلاً. على الأرجح سنعود إلى صناديق الاقتراع مجدّداً».
