الصراع البيئي والقانوني حول تعدين أعماق البحار في أمريكا
دعوى بيئية في أمريكا توقف خطط التعدين في أعماق البحار قرب ساموا بسبب تهديدها للأنواع المهددة والثقافة المحلية وسط خلاف قانوني وجيوسياسي كبير يكشف تصادم بين التنمية وحماية البيئة في مياه المحيط الهادئ وورلد برس عربي

رُفعت في الولايات المتحدة دعوى قضائية بيئية أمام المحاكم الفيدرالية، في خطوةٍ تكشف عن توتّرٍ حقيقي بين مسار التعدين في أعماق البحار الذي تسعى إليه إدارة Trump، وبين المنظومة القانونية والبيئية التي تحكم المياه الأمريكية.
رفعت منظمة Earthjustice — وهي مجموعة قانونية بيئية غير ربحية — الدعوى الثلاثاء أمام المحاكم الفيدرالية، بعد نحو شهرٍ من إعلان إدارة Trump عزمها طرح عطاءات لتأجير مساحاتٍ شاسعة من المياه المحيطة بـ American Samoa بهدف التعدين في أعماق البحار. وقُدِّمت الدعوى بالنيابة عن مجموعتين: Fa'asao Amerika Samoa ومجلس الحفاظ على البيئة في Hawai'i.
ما تطلبه الدعوى
تطالب Earthjustice المحكمة بإصدار أمرٍ يُوقف خدمة الصيد البحري الوطنية (National Marine Fisheries Service) عن المضيّ قُدُماً في خططها، وإلزامها بالامتثال لقانون الأنواع المهدّدة بالانقراض (Endangered Species Act) وسائر القوانين الفيدرالية ذات الصلة. وقد وجّهت الدعوى كذلك إلى وزير التجارة Howard Lutnick.
وتُشير وثيقة الدعوى إلى نقطةٍ جوهرية: «لم تفتح الولايات المتحدة مياهها أمام التعدين في أعماق البحار قطّ — حتى الآن». ويتضمّن المخطّط الحكومي تأجير مساحاتٍ تبلغ نحو 33 مليون فدان (ما يعادل نحو 51,560 ميلاً مربعاً) من قاع البحر قبالة سواحل American Samoa، وهي منطقةٌ غنية بمعادن النيكل والكوبالت والمنغنيز المستخدمة في تصنيع البطاريات والإلكترونيات.
الإشارة الأضعف: البُعد الثقافي والبيئي
ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ هذه الدعوى ليست مجرّد نزاعٍ قانوني حول إجراءات إدارية — بل هي تعبيرٌ عن تصادمٍ بين نموذجَين مختلفَين لإدارة الموارد. فالمياه المحيطة بـ American Samoa ليست فضاءً اقتصادياً مجرّداً؛ إنّها نظامٌ بيئي تعتمد عليه المجتمعات المحلية غذاءً وحمايةً للسواحل وممارساتٍ ثقافية متجذّرة منذ أكثر من ألف عام.
وتُشير الدعوى إلى أنّ كثيراً من الحيوانات البحرية في محيط American Samoa تهاجر إلى المياه الهاوايية، من بينها السلاحف البحرية المعروفة بـ«i'a sa». كما تُعدّ الحيتان وأسماك القرش وأسماك المانتا العملاقة من الكائنات المقدّسة في الثقافة الساموية، وثمّة حظرٌ صريح على اصطيادها أو إيذائها.
وتُحدّد الدعوى أنّ المنطقة المعنية تحتضن خمسة أنواعٍ من السلاحف البحرية وأربعة أنواعٍ من الحيتان المصنّفة جميعها ضمن الأنواع المهدّدة بالانقراض، إضافةً إلى خمسة أنواعٍ من الشعاب المرجانية وأربعة كائناتٍ مهدّدة من بينها سمكة المانتا العملاقة. وتقع المنطقة المرشّحة للتأجير على بُعد 57 ميلاً (92 كيلومتراً) فحسب من محمية Rose Atoll الوطنية للحياة البرية.
وتصف Earthjustice قرار الخدمة الوطنية للصيد البحري بأنّ عمليات التأجير لن تؤثّر في الموائل الحيوية أو الأنواع المهدّدة بأنّه «قرارٌ تعسّفي وغير مبرَّر كلياً».
السياق الدولي: الولايات المتحدة خارج المنظومة
ثمّة بُعدٌ جيوسياسي يستحقّ التوقّف عنده. تسعى إدارة Trump إلى تسريع منح تصاريح التعدين في وقتٍ تطالب فيه عشرات الدول بفرض وقفٍ مؤقّت أو حظرٍ كامل على التعدين في أعماق البحار بسبب المخاوف البيئية المتعلّقة بالضوضاء والضوء وعواصف الغبار الخانقة.
والولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما يعني أنّ وكالة المحيطات والغلاف الجوي الوطنية (NOAA) هي الجهة المنظِّمة للاستكشاف واستخراج المعادن في المياه الأمريكية — لا هيئة قاع البحار الدولية (International Seabed Authority) ومقرّها جامايكا، والتي أصدرت تراخيص استكشافٍ لنحو عشرين متعاقداً دون أن تأذن بأيّ عملياتٍ تجارية حتى الآن.
وخلصت Earthjustice في دعواها إلى أنّه «حتى اليوم، لم تُنشأ أيّ عملية تعدين تجارية في قاع البحار في أيّ مكانٍ في العالم». وتتمركز معظم عمليات الاستكشاف الجارية حالياً في منطقة Clarion-Clipperton الصدعية التي تمتدّ على مساحة 1.7 مليون ميل مربع (4.5 مليون كيلومتر مربع) بين Hawaii والمكسيك.
ثلاثة مسارات محتملة
أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات:
الأرجح: تُصدر المحكمة الفيدرالية أمراً مؤقّتاً بوقف الإجراءات ريثما يُبتّ في الدعوى، ما يُعطّل الجدول الزمني الحكومي لأشهرٍ على الأقلّ، وتدخل القضية في مسارٍ قانوني مطوّل يتناول مدى التزام الخدمة الوطنية للصيد البحري بقانون الأنواع المهدّدة.
المحتمل: تنتهي الدعوى بتسويةٍ تُلزم الحكومة بإجراء دراسات بيئية أكثر شمولاً قبل المضيّ في أيّ مزادات، ما يُعيد رسم الجدول الزمني دون إلغاء المشروع كلياً.
الأقلّ احتمالاً: تُرفض الدعوى وتُمضي الإدارة في مزاداتها وفق الخطّة الأصلية — وهو مسارٌ يصطدم بعقباتٍ قانونية وسياسية جوهرية في ظلّ الضغوط الدولية المتصاعدة.
أفادت المتحدّثة باسم خدمة الصيد التابعة لـ NOAA بأنّها غير قادرة على التعليق على الشؤون القضائية، فيما لم يردّ وزير التجارة على طلب التعليق حتى وقت نشر هذا التقرير.
أخبار ذات صلة

المسلمون يجتمعون من أجل صلاة الاستسقاء في إندونيسيا

فلوريدا تظهر كيفية التكيف مع المدن الساحلية لمواجهة التهديدات المتزايدة من ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف

الحرائق الغابية تكشف ذخائر الحربين العالميتين المدفونة وتفجّرها
