حرائق الغابات تكشف ألغام الحرب القديمة في أوروبا
حرائق غابات أوروبا تكشف ذخائر حربية قديمة خطيرة تحت الأرض تهدد فرق الإطفاء وتعيد إلى الواجهة مخاطر الحرب العالمية. تعرف على كيف تؤثر النيران والجفاف في كشف هذه الأسلحة المتفجرة بين الأشجار والمياه على وورلد برس عربي.





حين تندلع النيران في غابات أوروبا، لا تأكل الأشجار وحدها بل تُعيد إلى السطح ما دفنته الحرب قبل ثمانية عقود. هذا الصيف، كشفت حرائق البرية المتصاعدة عبر القارة عن تهديدٍ من نوعٍ مختلف: قنابل وألغام صدئة من الحربين العالميتين الأولى والثانية، تتربّص تحت الأرض المحترقة، وتُشكّل خطراً حقيقياً على فرق الإطفاء التي تتقدّم نحو الجبهة.
النيران تجتاح ميادين المعارك القديمة وتُفجّر ذخائر مدفونة
بعض هذه الأسلحة انفجرت فعلاً تحت وطأة الحرارة الشديدة. تقارير عن انفجاراتٍ وردت من فرنسا وبلجيكا وألمانيا وهولندا، حيث أُوفد فريق متخصّص في تفكيك الذخائر للتحقّق من غابةٍ تهدّدها النيران بالقرب من موقع معارك ضارية في مقاطعة Limburg عام 1944.
في غابةٍ جافّة جنوب غرب فرنسا، كشف حريقٌ ضخم قرب مدينة Bordeaux عن مخزنٍ يُعتقد أنّه يحتوي على ذخائر تعود إلى الحرب العالمية الثانية. وفي المقاطعة البلجيكية الشرقية Liège، أعلن الحاكم Hervé Jamar أنّ «بعض الانفجارات المتفرّقة» سُمعت مؤخّراً، وأنّ خدمات الطوارئ باتت تأخذ في حسبانها وجود ذخائر مدفونة داخل مناطق الحرائق. وأكّد أنّ فرق الإطفاء لم تتعرّض لأيّ خطر، غير أنّ وسائل الإعلام المحلية نشرت صوراً لعنصر إطفاء يتعامل مع قنبلة صدئة.
خلال الحرب العالمية الثانية، نُثرت الألغام والقنابل والمصائد الانفجارية في أرجاء الغابات الكثيفة لمنطقة High Fens المعروفة بمستنقعاتها الخثية. وفي السنوات الأربع الأولى التي أعقبت استسلام ألمانيا عام 1945، أودت هذه الذخائر بحياة ستة مدنيين، وفقاً لما يرويه المؤرّخ المحلي Bernard Collard، مدير متحف Truschbaum القريب من الحدود البلجيكية الألمانية، الذي يضمّ مجموعةً من المقتنيات المكتشفة من الحرب.
«حين تدخل غابةً كهذه، لا تعرف أين تكمن المتفجّرات»، يقول Collard. ويتذكّر كيف فجّر والده قنبلةً عثر عليها داخل محجر.
تمتدّ منطقة High Fens عبر الحدود مع ألمانيا، وتشتعل النيران فوق أرضٍ طالما شهدت أعنف المعارك إذ دارت رحى معركة الانتفاخة (Battle of the Bulge) في هذه المنطقة وما حولها. والحريق أقرب بعد إلى موقعَي معركتين أقلّ شهرةً: معركة Elsenborn Ridge وغابة Hurtgen، التي امتدّت 88 يوماً وأودت بحياة نحو 33,000 جندي أمريكي و28,000 جندي ألماني.
بلجيكا تتلقّى آلاف البلاغات عن المتفجّرات كلّ عام
يحمل Collard تصريحاً رسمياً يُخوّله مسح ميادين المعارك السابقة بكاشف المعادن تلك الأراضي التي باتت اليوم غاباتٍ ومراعيَ وحقولاً زراعية. عثر خلال عمله على قذائف هاون ورشاشات وخوذ وعلب سجائر، وذات مرّة على هيكلٍ عظمي بشري.
«لا تعرف أبداً ما الذي قد تصطدم به، ولا ينبغي أن تأخذ الأمر باستهانة»، قال Collard وهو واقفٌ في حقلٍ كان يوماً ما ساحةً للقتال. وفي محيطه، تغطّي شجيرات التوت الزرقاء خنادق قديمة وحفراً عميقة خلّفتها قذائف المدفعية.
يتعاون Collard بانتظام مع فرقة إزالة الألغام البلجيكية. «هذا جزءٌ من تاريخنا. نحن نعيش معه»، يقول.
الذخائر غير المنفجرة تُصبح أشدّ خطورةً في محيط حرائق البرية، لأنّ الحرارة قادرة على تفعيلها، وفقاً لما أوضحه Jonas Tepe، المتحدّث باسم ولاية North Rhine-Westphalia الألمانية المحاذية للحدود.
وزارة الدفاع البلجيكية تُفيد بأنّها تتلقّى طلبات من المنطقة كلّ أسبوعٍ تقريباً لمساعدتها في تفكيك المتفجّرات، غير أنّها لا تصنّف المنطقة «بؤرةً ساخنة» مقارنةً بمناطق أخرى في البلاد. هذه الطلبات أكثر شيوعاً في الغرب، حيث يُطلق المزارعون في بلداتٍ كـ Ypres الشهيرة بمعارك الخنادق الطاحنة في الحرب العالمية الأولى على الحرث السنوي للتربة اسم «الحصاد الحديدي»، لكثرة ما تُخرجه من بقايا الحرب.
على مستوى البلاد، يتلقّى الجهاز البلجيكي لإزالة الذخائر والتدمير أكثر من 3,000 بلاغٍ سنوياً، ويتولّى التخلّص من 200 إلى 250 طنّاً من الذخائر المتبقّية من الحربين العالميتين.
النيران ليست التهديد الوحيد
الجفاف أيضاً يكشف ما أخفاه الزمن، إذ تتقلّص الأنهار والبحيرات لتُعرّي أسلحةً قديمة. في سلوفاكيا، انحسرت مياه نهر الدانوب وكشفت عن لغمَين بحريَّين أخرجتهما الشرطة من الماء ودفنتهما في خندقٍ لتفجيرهما بصورة خاضعة للسيطرة. وفي المجر، أغلقت السلطات جسر Margaret في بودابست بعد أن كشفت المياه المتراجعة عن قنبلةٍ تعود إلى الحرب العالمية الثانية عند قاعدته. وحين انخفض منسوب نهر الراين، عثرت السلطات الألمانية هي الأخرى على قنبلةٍ من الحقبة ذاتها.
ما قد لا يظهر في العناوين التي تتحدّث عن حرائق هذا الصيف هو أنّ هذه الأحداث ليست مجرّد كوارث بيئية منفصلة بل هي إشاراتٌ في نظامٍ أكبر. تقول Sarah Njeri، الباحثة في السلام والنزاعات بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، إنّ حرائق هذا الصيف المُغذّاة بتغيّر المناخ تُثبت أنّ «الحظّ المناخي» الأوروبي يوشك على النفاد؛ فالاستقرار الحراري وانتظام الأمطار كانا يكفلان أن تبقى معظم الأسلحة المدفونة خاملةً تحت الأرض.
«تغيّر المناخ يقوم الآن بمهمّة كشف وإعادة تنشيط ما كان مستقرّاً في السابق»، قالت Njeri. فالنيران لا تُشعل الذخائر القديمة فحسب، بل تحرق أيضاً الغطاء النباتي الذي كان يُخفيها.
موسم الحرائق هذا اشتدّ بفعل أمطارٍ غزيرة في يناير أسهمت في نموّ النباتات بكثافة، لتتحوّل هذه النباتات إلى وقودٍ جاهز حين حلّت حرارة الصيف. ويُضاف إلى ذلك الجفاف وانخفاض الرطوبة والرياح القوية، وهي عواملٌ مجتمعة وصفتها دراسةٌ أصدرتها مجموعة World Weather Attribution الشهر الماضي بأنّها بيئةٌ مثالية لاشتعال الحرائق.
وتُشير Christina Greene، الباحثة في جامعة Arizona التي شاركت Njeri في كتابة مقالٍ حول حرائق أوروبا ومخاطر الذخائر غير المنفجرة، إلى أنّ «إرث الحرب يواصل الظهور من جديد» بفعل تغيّر المناخ. «إنّها إعادة عيشٍ لإرث الحروب والنزاعات بطريقةٍ لم نضطرّ إلى مواجهتها منذ زمنٍ في بعض المناطق».
الإشارة الأضعف هنا هي أنّ هذا التقاطع بين تغيّر المناخ وإرث النزاعات المسلّحة لم يحظَ بعد بالاهتمام الكافي في أجندات التكيّف المناخي وهو ما قد يُشكّل ثغرةً في تخطيط الاستجابة لحوادث مستقبلية، لا سيّما في مناطق أوروبية أخرى تحمل تربتها تاريخاً مماثلاً.
أخبار ذات صلة

فلوريدا تظهر كيفية التكيف مع المدن الساحلية لمواجهة التهديدات المتزايدة من ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف

انخفاض منسوب نهر كولورادو يفرض تخفيضات مائية جديدة على الولايات الفيدرالية

الحكومة البريطانية تطلب من المسلمين تقليل استهلاك المياه في الوضوء
