كارثة نيبال الجليدية تحذير من تغير المناخ المتسارع
كارثة انهيار جليدي في الهيمالايا تسببت في فيضان مدمر أودى بحياة المئات وأدى إلى اختفاء الآلاف. ارتفاع مفاجئ للمياه وسد مؤقت للنهر كشف هشاشة المنطقة أمام تغير المناخ وتهديد مستقبل الأنهار الجليدية وورلد برس عربي.





فوق جبال الهيمالايا، ثمّة إشارةٌ تستحقّ التوقّف عندها: كتلةٌ جليدية ضخمة انفصلت عن أحد الأنهار الجليدية في نيبال، وسدّت مجرى نهرٍ لساعاتٍ قليلة، ثم اندفعت المياه المتراكمة بقوّةٍ هائلة نحو المناطق السفلى فكانت الكارثة. هذا ما كشفته التحقيقات الأوّلية للعلماء في أعقاب الفيضان المفاجئ الذي ضرب نيبال، وأودى بحياة ما لا يقلّ عن 273 شخصاً، فيما لا يزال أكثر من 1,300 آخرين في عداد المفقودين، من بينهم أجانب وحجّاج.
لا يزال العلماء يجمعون البيانات من الأقمار الاصطناعية ومحطّات الرصد الأرضية لفهم التسلسل الكامل للأحداث، غير أنّ الصورة الأوّلية باتت أكثر وضوحاً.
انهيارٌ جليدي يُحرّك كارثة متسلسلة
أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) بأنّها رصدت الأربعاء زلزالاً بقوّة 5.2 درجة ناجماً عن انهيارٍ جليدي، أطلق تدفّقاً من الحطام نحو المناطق السفلى بتأثيرٍ مدمّر على المجتمعات المحلية. واستندت الهيئة في تحديدها إلى بيانات محطّات قياس الزلازل المجاورة، والأمواج الزلزالية طويلة الأمد، وصور الأقمار الاصطناعية.
قال Jakob Steiner، عالم الجيولوجيا من جامعة Graz النمساوية المقيم حالياً في بنغلاديش: «الجزء السفلي من النهر الجليدي انفصل بالكامل. حين تنظر إلى الصور، يبدو الأمر كأنّ شخصاً ما قطع الجزء السفلي بأكمله بسكّينٍ عملاقة ثم أسقطه.»
وأضاف Steiner أنّ كتلةً جليدية ضخمة تسقط من ارتفاعٍ شاهق قد تُحدث أثراً مشابهاً لانفجار قنبلة، وهو ما يُفسّر حجم الدمار الذي أعقب الحادثة.
تُشير الأدلّة الأوّلية إلى أنّ كميّاتٍ ضخمة من الجليد والصخور انزلقت إلى نهر Lhende Khola، أحد روافد نهر Bhote Koshi. ويرى الباحثون أنّ هذا الانهيار ربّما أزاح كمّياتٍ هائلة من المياه، وحمل معه الرواسب والصخور، ممّا أنتج موجةً عاتية اتّجهت نحو الأسفل. ويدرس الباحثون أيضاً احتمال أن تكون الحطامات قد سدّت النهر مؤقّتاً قبل أن تنفجر المياه المحتجزة، فتُضاعف من قوّة الفيضان.
ارتفاعٌ مفاجئ بتسعة أمتار في ثلاثين دقيقة
ما قد لا يظهر في العنوان هو السرعة المذهلة التي تحرّكت بها المياه. فقد ارتفعت منسوبات الأنهار في المناطق المتضرّرة بما يصل إلى 9 أمتار (29.5 قدماً) في غضون ثلاثين دقيقةً فحسب، وفقاً لباحثي مجموعة التطوير الجبلي المتكامل الدولي (ICIMOD) المتّخذة من كاتماندو مقرّاً لها.
قال Saswat Sanyal، المتخصّص في الحدّ من مخاطر الكوارث في المجموعة: «كان ارتفاعاً هائلاً، موجةً عاتية من المياه اندفعت فجأةً دون أيّ إنذار مسبق.»
وأشار Steiner إلى أنّ هذه المنطقة تحمل تاريخاً من المخاطر الجبلية المتكرّرة؛ إذ ضربت فيضاناتٌ ناجمة عن بحيرةٍ جليدية الوادي ذاته عام 2025، فيما شهدت المنطقة انهياراً جليدياً وصخرياً عام 2024. كما تعرّضت منطقة Langtang الأشمل لانهياراتٍ ثلجية مدمّرة إبّان زلزال نيبال عام 2015.
وقد خسر مئاتٌ من السكّان منازلهم في أرجاء المنطقة الجبلية، فيما أبلغ المسؤولون عن أضرارٍ واسعة طالت البنية التحتية الحيوية، شملت سدود الطاقة الكهرومائية والطرق والمباني والجسور.
الهيمالايا في مواجهة التحوّل المناخي
الإشارة الأضعف في هذه الكارثة والأكثر أهمّيةً على المدى البعيد هي ما تقوله البيانات عن مسار تغيّر المناخ في هذه المنطقة تحديداً.
يُحذّر العلماء من التسرّع في ربط هذه الكارثة بعلاقةٍ سببية مباشرة مع الاحترار العالمي، لكنّهم يؤكّدون في الوقت ذاته أنّ ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن حرق النفط والغاز والفحم يزيد من احتمالية وقوع مثل هذه الكوارث، لا سيّما في جبال الهيمالايا التي تسخن بوتيرةٍ أسرع بكثيرٍ من سائر مناطق العالم.
قال Sanyal: «علينا أن نتحلّى بالحذر ولا نستبق الأدلّة. غير أنّ ارتفاع درجات الحرارة يُحدث تحوّلاتٍ عميقة في منطقة هندوكوش الهيمالايا، ويُذيب الأنهار الجليدية.»
تحتوي هذه الجبال على أكبر احتياطيٍّ من الثلوج والجليد خارج المنطقتين القطبيّتين. ويُغذّي أكثر من 63,000 نهرٍ جليدي ما لا يقلّ عن 10 أنظمة أنهارٍ آسيوية كبرى، وتعتمد عليها مليارات البشر في أمن غذائهم ومائهم وطاقتهم ومعيشتهم. بيد أنّ نحو 78% من المساحة الجليدية الواقعة بين 4,500 و6,000 متر فوق مستوى سطح البحر باتت مكشوفةً أمام موجات الاحترار.
البيانات العالمية تُرسم صورةً قاتمة: كان العقد الماضي الأشدّ حرارةً في تاريخ التسجيلات المناخية، وكان عام 2024 الأعلى حرارةً على الإطلاق. وكشفت تقارير الأمم المتحدة أنّ الأنهار الجليدية فقدت ما بين عامَي 2000 و2019 نحو 267 غيغا طن من الجليد سنوياً ما يعادل تقريباً كتلة 46,500 هرمٍ من أهرامات الجيزة.
وفي سيناريو الاحترار بمقدار 1.5 درجة مئوية وهو الهدف الأكثر طموحاً في اتّفاقية باريس تُشير التوقّعات إلى خسارة ما يصل إلى 50% من إجمالي الأنهار الجليدية حول العالم بحلول عام 2100، باستثناء تلك الموجودة في غرينلاند وأنتاركتيكا. أمّا السياسات المناخية الراهنة، فتضع الأرض على مسارٍ نحو ارتفاعٍ يبلغ 2.8 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنهاية القرن الحالي.
وقد وجد باحثو ICIMOD أنّ معدّلات ذوبان الأنهار الجليدية في هذه الجبال تتسارع، وأنّ معدّلات فقدان الجليد تضاعفت منذ عام 2000. ومع تراجع الأنهار الجليدية، تتشكّل بحيراتٌ جليدية أكبر وأكثر هشاشةً، وتنكشف صخور الجبال التي كانت محميّةً بالجليد أمام درجات الحرارة المتقلّبة والأمطار ودورات التجمّد والذوبان المتكرّرة. كما يبدأ الصقيع الدائم (Permafrost) في الذوبان، ممّا يُضعف الجدران الصخرية والمنحدرات الجبلية.
قال Steiner: «احتمالية تحرّك المواد الصخرية نحو الأسفل من الجبال في تصاعدٍ مستمرّ.»
ويرى Sanyal أنّ هذا بالضبط هو نمط الكارثة المتسلسلة التي وقعت الأربعاء في نيبال: انهيارٌ ثلجي أو جليدي يتحوّل إلى تدفّقٍ من الحطام، ثم انسدادٌ في مجرى النهر، ثم فيضانٌ مفاجئ مدمّر.
قال Steiner: «ما حدث بالأمس هو، للأسف، الواقع الجديد. والأمور ستزداد سوءاً من هنا فصاعداً.»
منظومة الإنذار المبكر: الحلقة الأضعف
يكشف هذا الفيضان عن ثغرةٍ بنيوية في منظومة إدارة المخاطر في المنطقة. فقد أشار Steiner إلى أنّ نحو 10% من إنتاج نيبال الكهربائي يتمركز في الوادي الذي طالته الكارثة، وأنّ تكرار الخسائر يُثير تساؤلاتٍ جدّية حول مدى الاستثمار في منظومات الإنذار المبكر للسكّان والزوّار على حدٍّ سواء، في أعقاب الفيضانات والانهيارات السابقة.
وتستقطب نيبال أكثر من مليون سائحٍ سنوياً، يتوافدون إليها مفتونين بطبيعتها الجبلية الخلّابة وهي الطبيعة ذاتها التي باتت أكثر هشاشةً وخطورةً مع كلّ موسم.
يرى العلماء أنّ منظومات الإنذار المبكر الأكثر فاعليةً، والرصد الأشمل، وتبادل المعلومات عبر الحدود بصورةٍ أسرع، ستغدو ضرورةً متصاعدة مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد هشاشة المشاهد الجبلية. غير أنّ رصد آلاف الأنهار الجليدية والمنحدرات الشاهقة وأودية الأنهار على امتداد قوس الهيمالايا يظلّ تحدّياً بالغ الصعوبة.
والأخطر من ذلك أنّ نافذة التصرّف حين تبدأ الكوارث المتسلسلة قد لا تتجاوز دقائق معدودة.
قال Sanyal: «ليس لدينا ساعات. أحياناً تكون لدينا دقائقٌ قليلة فحسب للتصرّف.»
وذهب Steiner إلى أنّ «خطّاً أحمر» قد تجاوز بالفعل، وأنّ بعض مناطق نيبال باتت محفوفةً بمخاطر لا تُحتمل للسكن.
وأضاف بمرارةٍ واضحة: «كنّا نتوقّع أن تكون الكوارث المماثلة السابقة جرس إنذارٍ للحكومات في منطقة الهيمالايا، لكنّه أمرٌ مُحبط أن الأضرار لا تبدو أبداً فادحةً بما يكفي لتحريك الإرادة السياسية.»
وختم بقوله: «لستُ متفائلاً جدّاً بأن تظهر حلولٌ واضحة من الغد. نحن نعرف ما يجب فعله، لكنّ مختلف الأطراف المعنية بحاجةٍ إلى التنسيق وترجمة ذلك إلى واقع.»
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ الرصد في المرحلة القادمة:
الأرجح: استمرار الوضع الراهن مع تكرار أحداثٍ مشابهة بوتيرةٍ متصاعدة، في ظلّ غياب منظومات إنذارٍ مبكر كافية وتنسيقٍ إقليمي فعّال، ممّا يعني مزيداً من الخسائر البشرية والاقتصادية في كلّ موسم.
المحتمل :أن تُشكّل هذه الكارثة دافعاً لتحرّكٍ إقليمي جادّ نحو بناء منظومات رصدٍ وإنذار مشتركة بين دول الهيمالايا، لا سيّما إذا تصاعد الضغط الدولي والتمويل المناخي في هذا الاتّجاه.
الأقلّ احتمالاً : تحوّلٌ هيكلي شامل في سياسات التخطيط العمراني والسياحة والطاقة في المناطق الجبلية عالية الخطورة، يُعيد رسم خرائط السكن والاستثمار بما يتناسب مع الواقع المناخي الجديد.
الإشارة الحقيقية هنا ليست في أرقام الضحايا وحدها مؤلمةً كانت بل في أنّ هذه الأنهار الجليدية تُغذّي أنظمة مياهٍ يعتمد عليها مليارات البشر في آسيا. ما يحدث فوق هذه الجبال اليوم سيُعيد رسم معادلات أمن المياه والغذاء والطاقة في القارّة بأسرها خلال العقود القادمة.
أخبار ذات صلة

انقطاع الكهرباء عن منازل وشركات في غاري بإنديانا لمدة 13 يوماً بعد العاصفة

هاواي تستعدّ لإعصارٍ محتملٍ بعد تعافيها من إعصار لالا

زلزالٌ يعمّق أزمةً ثلاثية في أفقر مناطق كولومبيا
