الولايات المتحدة وفن الحرب الاقتصادية في عالم متغير
في خطاب يكشف ازدواجية المعايير الأمريكية في الاقتصاد العالمي وزير الخزانة يؤكد أن واشنطن تكتب قواعد خاصة بها بينما تفرض قيوداً على الآخرين ويعلن نهاية العولمة التي عرفناها. قراءة مهمة لفهم فن الحرب الاقتصادية الجديدة وورلد برس عربي

-في خضمّ احتفالات الذكرى المئوية والخمسين لتأسيس الولايات المتحدة، ألقى وزير الخزانة الأمريكي Scott Bessent الشهر الماضي خطاباً لافتاً، سعى فيه إلى تقديم مذهبٍ متماسك لما أسماه "فنّ الحرب الاقتصادية" (economic statecraft). وحين تُجرَّد الخطبة من إشاراتها إلى أحد آباء التأسيس، Alexander Hamilton، يتبقّى اعترافٌ صريح بشكلٍ لافت: واشنطن تنوي أن تكتب لنفسها قواعد، وللآخرين قواعد أخرى.
لم يكن الخطاب استراتيجيةً بقدر ما كان اعترافاً؛ صياغةً لازدواجية معايير لا تُخفي نفسها، بل تلبس ثوب المبدأ وهي تمارس الإكراه. بعبارةٍ أخرى، كان عرضاً جديداً من عروض الاستثنائية الأمريكية.
يقول Bessent: "لمدة تقارب القرن، كانت الولايات المتحدة المهندسَ الرئيسي والضامن لنظامٍ اقتصادي عالمي مفتوح أدرّ منافع هائلة. أنهض حلفاءنا من ركام الحرب، و وسّع قنوات التجارة العالمية، ورفع مستويات المعيشة، وحقّق مكانةً من النفوذ لا تزال بلا مثيل في التاريخ الحديث."
غير أنه يُضيف أنّ "نجاح النظام لا يُعفينا من مراجعة افتراضاته".
ثم ينتقل إلى حجّةٍ مغلوطة مفادها أنّ الولايات المتحدة، حين شكّلت النظام الذي أعقب الحرب، قبلت "بتفاوتات" خدمت غرضاً استراتيجياً أشمل: "فتحنا سوقنا لأنّ ذلك أسهم في بناء عالمٍ أكثر ازدهاراً. وتسامحنا مع الاختلالات لأنّ القوة الاقتصادية الأمريكية بدت راسخةً لا تُزعزع."
الحقيقة الجوهرية هي أنّ الولايات المتحدة قبلت بتلك التفاوتات والاختلالات لأنّها انتزعت في مؤتمر بريتون وودز عام 1944 "الامتياز الفاحش" المتمثّل في جعل الدولار عملةً احتياطيةً عالمية، مما أتاح لها تراكم عجوزات ضخمة دون تبعات، والتمدّد بنفوذها الإمبراطوري في أرجاء العالم.
نعيُ العولمة
في خطابه، لاحظ Bessent أنّ "العقود الأخيرة شهدت هجرة الصناعات الاستراتيجية إلى الخارج" لكنّه أغفل أنّ القطاع الخاص الأمريكي هو من اتّخذ قراراً متعمّداً بتصدير إنتاجه الصناعي، سعياً لتعظيم الأرباح عبر تخفيض تكاليف العمالة، متخلّياً في الوقت ذاته عن عمّاله ذوي الياقات الزرقاء.
رسم Bessent ملامح فنّ الحرب الاقتصادية الأمريكية عبر خمسة مبادئ مشوَّهة في معظمها، أوّلها أنّ "الأمن الاقتصادي يبدأ بالقدرة الوطنية".
إنّ الإفصاح عن مثل هذا المبدأ يُعلن نعيَ العولمة التي دعت إليها الولايات المتحدة بحماسٍ لعقود. كانت السياسات الاقتصادية السابقة تقوم على أنّ الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول أمرٌ إيجابي.
لم يعد الأمر كذلك؛ إذ يرى Bessent أنّ "الأمة التي تعتمد على خصومها في المدخلات الحيوية ليست ذات سيادة حقيقية"، مضيفاً أنّ "الأمة التي تُختزل اقتصادياً في الاستهلاك ليست مزدهرةً حقاً" وهو بالضبط ما فعلته الولايات المتحدة لعقودٍ متتالية.
أما المبدأ الثاني فيقوم على أنّ "انفتاح أمريكا سيُقابَل بالمعاملة بالمثل"، إذ لا يجوز للدول أن "تسعى للوصول إلى سوقنا بينما تحجب وصولاً عادلاً إلى أسواقها".
منطقٌ سليم من الناحية النظرية. لكنّ الخطاب لا يسأل قطّ عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ذاتها قد التزمت بهذا المعيار. فالنظام الجمركي الأمريكي في ظلّ الإدارة الحالية فُرض بصورةٍ أحادية وغير متماثلة، في الغالب دون مفاوضات، في مواجهة الحلفاء والخصوم على حدٍّ سواء.
ومع ذلك، يصف Bessent الأدوات الأجنبية المماثلة بأنّها "انتقام" و"إقصاء". فحين تحمي واشنطن قطاعَي أشباه الموصلات وبناء السفن، فذلك "قدرة وطنية". وحين تفعل Beijing أو New Delhi أو Brussels الشيء ذاته، فهو "ممارسة غير سوقية" "تشوّه المنافسة".
هذا التفاوت ليس عرضياً؛ بل هو البنية الكاملة للخطاب، وازدواجية معايير صريحة.
طموح القطب الواحد
المبدأ الثالث لـ Bessent — أنّ الولايات المتحدة "ستكتب قواعد الاقتصاد القادم" — هو ربّما أكثر عبارات الخطاب كشفاً. يُؤطّر وزير الخزانة هذا الطموح باعتباره دفاعاً ضدّ "الأنظمة الاستبدادية أو المركنتيلية" التي تكتب المعايير "لمصلحتها الخاصة".
لكنّ الهدف الصريح لصياغة قواعد الأصول الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفع بصورةٍ أحادية هو في حدّ ذاته طموحٌ مركنتيلي، يتزيّا بلغة الانفتاح.
إنّ التعددية الحقيقية تعني التفاوض على المعايير مع الشركاء بوصفهم أنداداً. أما ما يصفه Bessent فهو طموح القطب الواحد: قواعد تُصنع في واشنطن، لمصلحة واشنطن، يُتوقّع من الآخرين تبنّيها ثمناً للوصول إلى السوق.
ولعلّ أصرح ازدواجية في المعايير تتجلّى في المبدأ الرابع، حيث يُؤطّر Bessent مركزية الدولار وصلاحية العقوبات الأمريكية باعتبارهما أداتَي نظامٍ لا إكراه.
يُحذّر من أنّ الدول "لا تستطيع المشاركة في المنظومة المالية القائمة على الدولار بينما تعمل قنواتٍ للتحايل على العقوبات" كأنّ العقوبات ذاتها آليةٌ محايدة قائمة على قواعد، لا أداةٌ أحادية تُوظَّف خارج أيّ إطار قانوني متعدّد الأطراف.
لقد وظّفت الولايات المتحدة احتياطي الدولار سلاحاً لتجميد أصول بنوكٍ مركزية، وقطع اقتصاداتٍ بأكملها عن نظام Swift المالي، وفرض عقوبات ثانوية على دولٍ ثالثة لا تعدو أن تتاجر مع الدول المعاقَبة.
وهذا بالضبط ما يصفه Bessent بـ"التسليح" حين يُحذّر من محاولات الخصوم "التلاعب بالأسواق" أو "إكراه شركائنا". لكنّ الخطاب لا يواجه المفارقة قطّ: نظام الدولار الذي يصفه بأنّه خيرٌ عام سخيّ هو في الوقت ذاته نقطة الخنق التي تستخدمها واشنطن للإكراه.
التطبيق الانتقائي
في المبدأ الأخير من مبادئه الخمسة، يُوضّح Bessent أنّ "الغرض من فنّ الحرب الاقتصادية الأمريكية هو ربط القوة الوطنية بازدهار الأسرة". ويشدّد على أنّ الولايات المتحدة تحتاج إلى "اقتصادٍ لا تكون فيه عائلاتنا العاملة مجرّد مستهلكين لما ينتجه العالم، بل مشاركين فيما تبنيه أمريكا".
ويستحضر الخطاب تحذير Hamilton من أنّ الأمة يجب أن "تمتلك في داخلها كلّ مقوّمات الإمداد الوطني" لتكون ذات سيادة حقيقية.
هذا قلقٌ مشروع بالطبع لكنّه قلقٌ طالما حرمت منه واشنطن الآخرين. فلعقودٍ طويلة، اشترط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان يخضعان بشكلٍ كبير لنفوذ وزارة الخزانة الأمريكية، تحرير التجارة والخصخصة وتفكيك السياسات الصناعية الحمائية شرطاً للحصول على قروضٍ للدول النامية وهي بالضبط السياسات التي يتبنّاها Bessent الآن للولايات المتحدة.
فرضت برامج التكيّف الهيكلي انفتاح الأسواق في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا تحت راية "التجارة الحرة"، فأجهزت في أحيانٍ كثيرة على الصناعة المحلية. والآن، بعد أن شعرت الولايات المتحدة بهشاشتها أمام تداعيات العولمة، أُعيد تأطير السيادة والاكتفاء الذاتي بوصفهما فضائل هاملتونية.
يُصرّ Bessent على أنّ الولايات المتحدة "تمتلك أدواتٍ كثيرة لمعالجة الممارسات التي تشوّه التجارة وتُقوّض المعاملة بالمثل"، وأنّها "ستسعى دائماً لاستخدام تلك الأدوات بحكمة" ثم يُعقّب فوراً بتحذيرٍ من أنّ واشنطن "لن تتردّد أبداً في استخدامها بحزم".
هذا الزوج الخطاب الناعم والتهديد الصلب يتكرّر في ثنايا الخطاب. إنّها لغة الراعي يُملي شروطه على التابع، لا لغة النديّ يتحاور مع نديّه في شراكةٍ حقيقية.
في نهاية المطاف، يتّسم الخطاب بصراحةٍ نادراً ما تبلغها تصريحات وزارة الخزانة الأمريكية: فهو يُعلن صراحةً أنّ "التفاوتات" التي تسامح معها النظام الذي أعقب الحرب حين كانت تخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية يجب تصحيحها الآن، لكن لصالح واشنطن وحدها.
المعاملة بالمثل والسيادة والمنافسة العادلة تُقدَّم بوصفها مبادئ كونية؛ غير أنّها تُطبَّق بصورةٍ انتقائية، ولا تُفعَّل إلا حين تعود بالنفع على واشنطن.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يرفع تكاليف الأجهزة والكهرباء: تهديدٌ جديد للأسعار

Apple تُقاضي OpenAI بتهمة سرقة أسرار تجارية

تعاون استراتيجي: كندا والسعودية توقّعان اتفاقيات في الدفاع والاستثمار والذكاء الاصطناعي
